الديانات الأفريقية وتأثيرها على الحياة الاجتماعية للأفارقة

05/03/2019


تقرير/ محمد عبد الستار         


باحث دكتوراة متخصص في الفكر السياسي


جامعة القاهرة                


        جاء القرن العشرون بأفكار وحقائق جديدة ومغايرة عن الحياة الاجتماعية للأفارقة؛ فقد كان قبل ذلك ونتيجة لتأثير كتابات الرحالة والمستشرقين؛ توصف شعوبها وصفاً سطحياً؛ حيث دمغتهم بالهمجية؛ وهى سمة تتعارض مع الديانات التقليدية الأفريقية التى توحد بين الطبيعة والانسان، وتعتبره جزءً لا يتجزأ منها، وأنه يستمد وجوده من قواها؛ وذلك التعاطف بين الانسان الأفريقى وبيئته الطبيعية.


        وقد تنبه  الكثير من الباحثين فى الشئون الأفريقية إلى كون الدين هو العنصر الفعال فى الحياة الاجتماعية الأفريقية، ويشكل جزءً لا يتجزأ من المجتمع الأفريقى؛ لذا كان محور إرتكازهم فى الكثير من أبحاثهم. وقد سبقتنا أوروبا إلى الدراسات الأفريقية؛ ووضعت بناءً على ذلك تصوراً لسياستها.


 



  • الدين وعلاقته بالسياسة


       دعا بعض المثقفين الأفارقة إلى النظر للتاريخ الأفريقى كإطار ملائم يتم من خلاله دمج القيم الأفريقية والمؤسسات فى تركيبة مع الأسس الاقتصادية المتضمنة فى نظريات التنمية المعاصرة. ويرى البعض أن دراسة التاريخ والثقافة الأفريقية يمكن أن تشكل دليلاً لمستقبل التنمية الأفريقية. وأن الأديان الأفريقية تشكل تضاريس ضخمة تتداخل مع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فى أفريقيا جنوب الصحراء. ووفقا ل " موريس دلافوس" مؤلف كتاب حضارات الزنوج فى أفريقيا؛ فإنه لايوجد نظام سياسى أو اجتماعى أو اقتصادى للقبائل فى أفريقيا لايستند على فكرة دينية؛  كون الدين هو حجر الزاوية فى ذلك النظام. وعلى خلاف الدول المتقدمة التى إستطاعت فيها قوى الحداثة فصل الدين عن النواحى السياسية الاجتماعية socio-political؛ ظل الدين كعنصر محورى فى الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فى أفريقيا.



        ومن الصعب تعريف الدين فى سياق الحياة التقليدية الأفريقية؛ حيث تتعدد الديانات التقليدية الأفريقية بشكل يصعب حصرها وتبويبها؛ إلا أنه يمكن رصد الكثير من العناصر المشتركة بينها؛ حيث أنها تلتقى كلها على أساس واحد هو عمق الاحساس بالروابط الوثيقة التى تربط المجتمع بالبيئة الطبيعية التى يعيش فيها. والطبيعة ليست مادة ولا روحاً؛ بل هى قوى حيوية هائلة. وأن التماسك الاجتماعى ومراعاة النظام والاشتراك فى الحياة العامة، والطقوس الدينية، والمساواة المادية إلى حد ما كلها فروض مكفولة بسلطان القوى الحيوية. وأن أقسى مايصيب الفرد أن يطرد من الهيئة الاجتماعية للقبيلة؛ لأن قوته الحيوية مرتبطة بتلك القوة الحيوية من ناحية وبقوة باقى الجماعة من ناحية أخرى.


        وعند قبائل البانتو؛ التى تعد من أهم وأكبر الجماعات البشرية فى أفريقيا؛ فإن الشعائر والعبادات ماهى إلا وسائل تهدف إلى غاية واحدة هى تزويد الحياة البشرية بمدد من القوة الحيوية وضمان بقائها وكينونتها لأبعد مدى. وإرتباط السعادة والتعاسة بتلك القوة؛ ففى فقدانها التعاسة؛ فالإعياء والفشل فى العمل هى أعراض تدل على نقص هذه القوة.


          وقد أدركت الديانات التقليدية الأفريقية الكون على أنه وحدة واحدة لا تتجزأ؛ أساسها الأخوة الشاملة. ولا يوجد تمييز بين الطبيعة وماوراء الطبيعة، ولا بين المادة والروح.


وترى جميع المجتمعات الأفريقية أن الحياة هى المكون الكبير وأن الدين يتخلل جميع جوانبها، ووفقاً لهذا التفكير فإنه يوحد الأجزاء. وممارسة الشعائر الدينية والحياةاليومية، يسيران جنباً إلى جنب. وعلى هذا النحو فإنه من خلال الرؤية الأفريقية فإن الدين يتخلل الحياة السياسية والاقتصادية الأفريقية.


 وفى العديد من المجتمعات الأفريقية فإن من لاينتمون لأى شكل من أشكال الدين أقل من .01 %  من السكان. وبالتالى كان التساؤل المطروح من بعض الباحثين هو كيف يمكن الدفع من خلال ذلك بالمجتمعات الأفريقية نحو التخلص من الفقر والفساد


 



  • الإسلام والمسيحية وتأثير الديانات التقليدية



      بالرغم من اشتقاق الوعى الدينى فى البداية من ممارسة الشعائر الدينية التقليدية؛ فأن المسيحية والإسلام أعطت مزيداً من الزخم لهذا الوعى. وقد تأثرت كل من المسيحية والاسلام فى أفريقيا بالديانات التقليدية. حيث يشير عالم الاجتماع السياسى د/حمدى عبدالرحمن إلى مصطلح الإسلام الأفريقى الذى يعنى المعتقدات والممارسات التى طورها المسلمون الأفارقةعلى مدى السنين، والتى تعبر عن واقعهم الأفريقى؛ ففى الطريقة المريدية فى السنغال وهى إحدى الطرق الصوفية؛ وصفت بأنها تعاليم إسلامية بعقلية قبيلة الولوف.  


ولأن الأفريقى جماعيا بنشأته، ومعتزا  بإنتسابه لجماعته الدينية القديمة؛ فقد وجد فى جماعات الطرق الصوفية وأتباعها الكثيرون خير بديلاً لجماعته الدينية القديمة.



     وقد كان للديانات والثقافات التقليدية لفترة طويلة تأثير مهم فى العلاقات بين المسيحيين والمسلمين فى أفريقيا. فقد وفرت تللك الهياكل الأسرية التقليدية مع روابطها العائلية والمجتمعية القوية الأساس الملائم لتقبل المختلفين فى الديانات.



  • المجتمع المدني والرابط الديني


 


          هذه البنية الاجتماعية الجماعية ، والهيئة الاجتماعية القوية المتماسكة التى تقوم على أساس دقيق والتى تميز المجتمع الأفريقى؛ يعتبرها بعض الباحثين؛ صورة من صور وأنماط المجتمع المدنى. فعلى سبيل المثال يستطيع الغرباء أن يتوقفوا لعدة أيام ويقوموا بحصد المحاصيل الزراعية؛ وذلك لغرض سد الجوع، وكذلك قطع شجرة أو أوراقها يمكن أن يتاح للغرباء والمحتاجين، حيث يقوم مالك الأرض بوضعها فى موضع معين يقصده المحتاج.  كما يعد مفهوم التراكم المادى لتحقيق مكاسب شخصية دخيل على المجتمعات التقليدية الأفريقية. وأن تكون ثرياً؛ يعنى أن تكون محاطاً بالناس والمجتمع، وأن تكون سليماً من الناحية الأخلاقية وفى تناغم مع الخالق وجذورك والمجتمع. وعلى سبيل المثال فإنه فى Olulumo  (من الجماعات الموجودة فى نيجيريا)؛ يطلق على الشخص الغنى  efang-ane وهى تعنى حرفيا " ثريا بالناس ووجود العديد من الناس بجانبه". أيضاً فإن مفهوم الشرف والعار فى المجتمعات الأفريقية له فائدة؛ كونه يمنع من السرقة لكى يحتفظ الفرد بالهيبة. حيث توصم السارق وأسرته بالعار من جراء هذا السلوك.


  وهناك من يرى من النقاد بأن أنماط السلوك الاجتماعى الأفريقي هى المسئوولة عن الضعف المادى للمجتمعات الأفريقية. ومع ذلك فإن النهج المتضمن داخل مايعرف بإقترابات (نظريات)  التنمية البديلة تحث الجنس البشرى على العودة للحياة الاجتماعية البسيطة                      كحلول لمجابهة التحديات البيئية الاقتصادية العالمية.


  وعلى الرغم من تأكل الممارسات التقليدية من جراء العولمة والحداثة؛ إلا أن الديانات الأفريقية التقليدية والإسلام والمسيحية؛ مازالت لها إسهامات حيوية فى تقدم المجتمعات الأفريقية.


 فالدين يشكل إطاراً مرجعياً، وإختبار انتقادي لنظم القيم الموجودة فى المجتمع. كما أن القيم الدينية كان لها دور فى القانون المحلى والدولى، وفى الكثير من المفاهيم والقيم الديمقراطية. وتشمل هذه القيم قدسية الحياة الإنسانية والمساواة وكرامة الإنسان.


والتأثير غير المباشر للثقافة الدينية على الثقافة الاقتصادية والسياسية من خلال انتقال القيم الدينية لهذه المجالات؛ يمكن أن ينفع المؤسسات الاقتصادية والسياسية فى أفريقيا. ففى الديانة الأفريقية التقليدية يتحقق تعزيز القيم فى المجتمع من خلال إنغماس الفرد فى أنشطة المجتمع بمشاركته لجماعته؛ الذى يعد من القيم الروحية الأصيلة. هذه القيم أيضاً لها دور فى بث روح التفاؤل فى ظل الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتردية فى المجتمعات الأفريقية.


 


*الدين رأس المال الاجتماعي في أفريقيا.




       ويعتبر الدين فى أفريقيا هو مصدر رئيسى لرأس المال الاجتماعى، ورأس المال الثقافى والدينى والروحى. كما أن مفهوم رأس المال الروحى والدينى هو مماثل للمفهوم الأشمل لرأس المال الاجتماعى؛ لإن هذه الموارد مبنية على أساس الذى يمكن الأفراد والجماعات الدينية للوصول لسعادتهم. كما يمكن التبرع بالموارد نفسها للمجتمع الأكبر كهبة.


         وباستخدام نموذج أفريقيو المهجر، ودور الدين كمصدر لرأس المال الاجتماعى؛ نجد أن الطوائف الدينية تساعد المهاجرين الجدد كنوع من تقوية الجذور وتمتينها؛ حيث توفر شبكة من التعاملات الاقتصادية والاجتماعية والدعم الروحى؛ لابقاء الرابط والصلة مع الدين فى الموطن الأصلى ( المسيحية والدينات التقليدية).   


      على مستوى المجتمعات الافريقية فإن الدين له دور مهم فى تعبئة الموارد لمعالجة مشاكل المجتمع. ويساعد في رفع مستوى الوعي حول مشاكل المجتمع بين الناس؛ كونه يخلق روابط بين الفئات الاجتماعية. حيث يرى بعض الباحثين أن مفهوم المجتمع المدنى له جذور سواء على مستوى المجمتعات التقليدية الأفريقية، أو الجماعات الدينية.


        ومثال ذلك الجماعات الإثنية وشبكات القائد والأتباع client -patron التى يمكن أن تكون مكونا رئيسيا ومهما في المجتمع المدني الأفريقي. فبالرغم من كونها لا تقوم على المعايير الديموقراطية بمفهومها الغربي، لكنها تتمتع بقدر من الاستقلالية عن الدولة. و يمكنها تعبئة كثير من أتباعها ومريديها لتحقيق غايات سياسية معينة . كما تعد الطرق الصوفية في السنغال مثالا واضحا لتلك الجماعات التى تستطيع التعبئة فى إتجاه معين حيث تعتمد الدولة على هذه الطرق من أجل الحصول على التأييد السياسي.


       وفي كثير من المناطق الأفريقية تطرح الجمعيات الإثنية نموذجا آخر للتطبيق الأفريقي للمجتمع المدني؛ بما تتسم به من طابع جماعي وتمتعها بقدر من الاستقلال عن الدولة. فهي تسعى غالبا إلى تحقيق مصالح جماعية ومن ذلك إنشاء وتمويل مشروعات تنموية محلية مثل المدارس والمراكز الصحية، بالإضافة إلى التعبير عن مصالح تلك الجماعة في مواجهة الدولة.


      وهناك العديد من الدراسات التى تطرقت لدور المؤسسات التقليدية الأفريقية والكنائس فى مرحلة مابعد الصراعات فى العديد من الدول التى شهدت صراعات مريرة،فى الإسهام فى عمليات المصالحة والعدالة الانتقالية والتحولات السياسية والاجتماعية فى تلك المجتمعات.


      ولكن تبقى للعولمة تداعياتها على الثقافة الأفريقية التقليدية؛ شأنها فى ذلك شأن العديد من النواحى الاقتصادية والسياسية؛ فمما لاشك فيه وجود تغيرات فى البنية الأفريقية الاجتماعية ذات الصبغة الجماعية بتلك المتغيرات العالمية وأخذها ذلك المنحى الفردي الذى تتسم به الثقافة الاستهلاكية الوافدة من الغرب.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


المصادر والمراجع:



  • 1- Obaji M Agbiji & Ignatius Swart, Religion and Social Transformation in Africa: A critical and Appreciative Perspective (South Africa: ournals.ac.za VOL 115 (2016).



  • 2- The Impact of African Traditional Religious Beliefs and Cultural Values on Christian- Muslim Relations in Ghana from 1920 through the Present: A Case Study of Nkusukum-Ekumfi-Enyan area of the Central Region. Submitted by Francis Acquah to the University of Exeter as a thesis for the degree of Doctor of Philosophy in Theology in December 2011



  • 3- Alphonse Kasongo," Impact of Globalization on Traditional African Religion and Cultural Conflict (Michigan State University: Journal of Alternative Perspectives in the Social Sciences (2010) Vol. 2, No 1).



  • 4- Ngozi N. Iheanacho, Globalization Challenges and Change Factors in the Religions of Africa: The Nigerian Experience (Nigeria: Bassey Andah Journal.Vol2)



  • 5- أحمد صادق (مترجم)؛ هوبير ديشان، الديانات فى أفريقيا السوداء (القاهرة: المركز القومى للترجمة،2011).



  • 6- د/حمدى عبدالرحمن، المجتمع المدنى ودوره فى التكامل الأفريقى (القاهرة: مركز البحوث العربية والأفريقية ،2004).

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

اصدار العدد الاول من مجلتي الافريقية بعنوان (العدد 0)
تاريخ الاضافة
13/03/2019
اصدار العدد الاول من مجلتي الافريقية بعنوان (العدد 0)

المجلة