إفريقيا بين احتلال الأمس وتنافس اليوم

17/08/2019


بقلم:معتز محمد حنون الكنعاني


تحظى القارة الإفريقية بنعم وفيرة في مجلات عديدة منها الموقع والمساحة وتنوّع الغطاء النباتي والثروة الحيوانية والمناطق السياحية المميزة عالمياً التي تدرّ على القارة بالعملة الصعبة, كما تحظى بالمعادن والأحجار النادرة والثمينة.


ولكن رغم كل ما لها من نعم وفيرة, نجدها تبتلى بنقم لا تقل عدداً ولا خطراً عن تلك النعم, فهي المبتلاة بالتكالب الاستعماري على الأرض والبشر حتى غدت القارة السمراء مرتعاً للوحوش البيضاء التي تلهث مسعورة لاصطياد السواعد لسمراء لتعمل في صناعة القطن في مانشستر أو الزراعة جنوب الولايات المتحدة ثم لتقاتل فيما بعد, وتقتل في مأساة يندر نضيرها إنها مآسي العالم الحر!  في اصطياد البشر كما يصطاد النعام, ثم يحتكر الموارد كأنما هو مالكها حيث كانت!, هكذا هي بشاعة القرون الماضية.


ولم يقف عند حد نهب الموارد واسترقاق الاحرار في ما مضى ولم تنتهي المآسي وإنما تغيّر لونها, بل تعدّى في هذا الزمان إلى تنصيب الزعماء والقادة بتحريك الجيوش وغيرها من الأساليب المعروفة المتبعة من قبل دول الهيمنة على البلدان المستضعفة, فنصب الزعماء من الخارج وتشكيل الحكومات برعاية أجنبية هو الطابع العام في الدول الفاقدة للإرادة السياسية والاستقلال الاقتصادي.


والنتيجة المرّة للهيمنة السياسية هيمنة في كل المجالات, الاقتصادية والثقافية وغيرها مما لها منافع تعود على القوي وإن استلزم ذلك انهيار الضعيف, أو امتصاص ثرواته دون حد الانهيار, فمن دفع ثرواته مقابل استقرار نسبي, عاش مسلوب الإرادة.


وبعد ان انتهت حقب الاستعمار التقليدي المعروف بالحضور العسكري المباشر, هل انتهت الهيمنة, أم تبدلّت لأشكال أخرى ؟!, ولنأخذ إفريقيا الفرانكفونية[1], ماذا بقي منها بعد الاحتلال الفرنسي لها ؟, لا نجد سوى ثلاثية مقيتة حاضرة بقوة في أذهان الأفارقة اليوم, ألا وهي مساعدات مصحوبة بقوات عسكرية, يمكن ان نعبّر عنها بعسكرة المساعدات, والأمر الثاني دعم الفرد الحاكم بقوة السلاح, وبعبارة أخرى دعم الدكتاتوريات, والأمر الثالث معاملة استعلائية متعجرفة, إذ يُمنع الافريقي من دخول فرنسا[2], ويعامل السود معاملة عنصرية في الملاعب الأوربية وتحت أنظار الكاميرات في بعض الأحيان.


الثلاثية المتقدمة صنعت أرضية لمشاعر كراهية في نفس الإفريقي تجاه المحتل؛ لأن الأخير سبب الويلات التي ألمّت بإفريقيا وشعوبها, ولمّا كانت الحروب اليوم اقتصادية بإمتياز أكثر مما هي شيء آخر, نتج عن ذلك خسارة البلدان الممقوتة أسواقاً واعدة, تعجز عن استردادها, زد على ذلك دخول الصين كلاعب اقتصادي قوي مقتحم للأسواق الإفريقية.


فالصين "تريد أن تصطاد عصفورين بحجر واحد كما يقول المثل, الأول تنشيط اقتصادها وجعله يتنامى بشكل أسرع وأقوى، والثاني غلق المجال أمام الولايات المتحدة وأوروبا اللتين تشتكيان من «القوة الناعمة" الآسيوية التي حلّت محلهما في القارة السمراء, وتشير دراسة أجرتها "وكالة ماكنزي الأمريكية" إلى أن أكثر من 1000 شركة صينية تعمل حاليا في إفريقيا, وبعض المصادر تتحدث عن 2500 شركة، 90 بالمائة منها شركات خاصة"[3].


فقد بدأت العلاقات بين الصين وإفريقيا بعد الحرب العالمية الثانية عندما حاولت بكين تأكيد قيادتها في العالم الثالث, وذلك بعد مؤتمر
آسيا- إفريقيا الأول في باندونغ الإندونيسيا عام 1955 والذي حضرته وفود 29 دولة من إفريقيا وآسيا ودخلت 44 من أصل 50 دولة إفريقية مستقلة في علاقات دبلوماسية مع الصين بحلول نهاية السبعينات من القرن الماضي[4].


ومن الملاحظ أن الإفريقي يمكن أن ينفتح على التجارة مع الصين أكثر من الدول التي استعمرت إفريقيا مثل فرنسا كنحو من الرد بالمثل على الاستعمار الغربي, هكذا نجح الإفريقي بمعاقبة المحتل المتعالي, وذلك بالامتناع عن شراء منتجاته والعدول إلى منتجات أخرى قادمة من الصين كنوع من المقاومة الناعمة الباردة, فالمقامة الإقتصادية أضر بأوربا وأمريكا من المقاومة عبر النار والرصاص, فهل تنجح دول أخرى بالعدول لمنتجات قادمة من اليابان مثلا؟ أم تبقى تحت سياط الجلد الاقتصادي ونهب الثروات وتعطيل المشاريع والغزو الفكري, كما كانت تحت الرصاص ؟!, إنها مسألة تتوقف على قوة إرادة الشعب.


 ___________________________________


[1] - الدول التي احتلتها فرنسا وأخضعتها للثقافة الفرنسية, حتى باتت ناطقة بالفرنسية.


[2] -https://www.aa.com.tr/ar/%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7/%D9%85%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A-%D8%AA%D8%A8%D9%82%D9%91%D9%89-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%8A%D9%85%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A5%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%83%D9%81%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9-/727166


[3] - https://m.annabaa.org/arabic/reports/16555


[4] -  Lin Jones، “The History of Sino-Africa Relations”، China Policy In Focus، (Retrieved 21 December 2018):
https://sites.google.com/site/chinapolicyinfocus/china-s-return-to-africa/the-history-of-sino-africa-relations 

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثاني من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
20/07/2019
العدد الثاني من مجلتي الافريقية

المجلة