بذور الهدى في افريقيا

01/10/2019


معتز محمد الكنعاني


    كان لأهل البيت عليهم السلام قلة قليلة من الاتباع الذين يعتقدون بولايتهم وحقهم في قيادة الأمة نظراً لمعرفتهم ذلك من خلال العديد من النصوص الشرعية كآية التطهير (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)[1] ,فعرفوا عصمتهم وعلو شأنهم ورفيع منزلتهم, وتأملوا آية البلاغ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ  وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ  وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ  إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)[2], التي نزلت قبل بيعة الغدير آمرة النبي صلى الله عليه وآله أن يبلّغ المسلمين بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأنه أولى بهم من أنفسهم وتجب عليهم طاعته وامتثال أوامره.


     وغير ذلك من الآيات الكريمة التي تزيد على المئين , عرفوا نزولها في علي وأولاده المعصومين, معضودة تلك الآيات ببيانات نبوية في حقهم, مثل حديث (أئمة أمتي اثني عشر كلهم من قريش)[3], وحديث النبي مخاطباً الإمام الحسين عليه السلام (أنت سيد، ابن سيد، أخو سيد، وأنت إمام، ابن إمام، أخو إمام، وأنت حجّة ابن حجّة أخو حجّة، وأنت أبو حجج تسعة تاسعهم قائمهم), وغيرها من البيانات الشرعية النبوية التي ملأت كتب المسلمين[4].


    ولم يقف اتباع أهل البيت عليهم السلام عند حدّ القلة والندرة, لأن الاطلاع على الحق يدعو طالبي الحق إلى متابعته رغم ما تعرّضوا له من تقتيل وتشريد من ملوك بني أمية وبني العباس وغيرهم, فلم تنفع سياسة الحديد والنار في القضاء على شيعة أهل البيت عليهم السلام في صفوف الأمة, فلجأ السلاطين إلى إيجاد المعادل الموضوعي في الفقه والعقيدة والفضائل, فابتكروا الأحاديث ووضعوها في فضل غيرهم , وأجروا الرواتب لتلاميذ فقهاء السلطان تمهيداً لخلق مذاهب في الفقه في مقابل فقه أهل البيت عليهم السلام.


    وهكذا ولدت مذاهب فقهية لا تشرب من معين العترة وإنما تجتهد في استنباط الحكم الشرعي من القرآن الكريم وما صح لديهم من الحديث النبوي الشريف غير آبهين لمخالفة الأحكام الشرعية التي يبيّنها أئمة الهدى عليهم السلام, ولم تخلو الساحة الإسلامية من صراع فكري وجدل علمي وخلاف وتنافر, ولكن استمر أهل البيت عليهم السلام بإرسال سهام الهداية من خلال كلماتهم ونصائحهم ومواعظهم, كبيانات الإمام الصادق عليه السلام التي يدعو فيها إلى اجتناب القياس (التمثيل المنطقي) في استنباط الأحكام الشرعية؛ لأنه لا يقود إلى الحق, وإنما تزلّ به الأقدام؛ لأن أحكام الله لا تقاس.


    "ومن الطبيعي أن تنعكس آثار الخلافات المذهبية في الشرق على المغرب ... والتشيّع بالذات كان معروفاً في المغرب منذ عام (145هـ/ 762م ) فقد كانت بلاد من المغرب معروفة بالتشيّع , كـ (ماجنة) و (الأدبس), و (نقطة), ويعتبر الإمام الصادق عليه السلام واضع البذور الأولى للتشيّع في المغرب"[5].


    فقد جاء في بعض الأخبار ما مضمونه أن الإمام الصادق عليه السلام قد بعث ببعض أصحابة إلى المغرب, كخبر "قدم إلى المغرب في سنة خمسة وأربعين ومئة رجلان من المشرق, قيل أن أبا عبد الله جعفر بن محمد [الصادق] بعث بهما وأمرهما أن يبسطا ظاهر علم الأئمة من آل محمد صلوات الله عليهم وينشرا فضلهم وأن يتجاوزا افريقيا إلى حدود البربر, ثم يفترقان فينزل كل واحد منهما بناحية[6], فلما صارا إلى مرماجنة[7] , نزل أحدهما بموضع يسمى (تالا) في موضع بأرض مرماجنة, بنى فيه مسجد الروم, وتزوج امرأة, وكان عالما عابدا يصوم النهار ويقوم الليل ملازما لمسجده, وكان أهل تلك الناحية قد عرفوا فضله, وكان يروي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) وكان ورعاً زاهداً فاضلاً, ويروي عنه في ذلك وتشيّع على يديه بشر كثير ومن أجل ذلك استقرت الشيعة قديماً بمدينتي الأندلس ومجانة[8].


    ونزل الرجل الثاني (الحلواني) بسوق جمار بالقرب من بلد كتامة –قبيلة من البربر- وكانت أحواله كصاحبه –المكنى بأبي سفيان-, وتشيّع على يديه كذلك عالم كثير من أهل تلك الناحية كتامة ونِفزة –قبيلة من البربر- وسماتة, ومما كان ينقل أنه قال (بعثت أنا وأبو سفيان إلى هذه الجهة, ووُصف لنا, وقيل لنا[9]: اذهبا إلى المغرب فإنما تأتيا أرضاً بورا واحرثاها واكرباها وذللاها إلى أن يأتيها صاحب البذر, فيجدها مذللة, فيبذر حبه فيها[10] , وكان يقول: سيأتي الداعي) [11].


    ويذكر ابن خلدون[12] (....وسار بها إلى إفريقيا رجلان يعرف أحدهما بالحلواني والآخر بالسفياني, انفذهما الشيعة إلى هناك وقالوا لهما أن [المغرب] أرض بور فأذهبا واحرثاها حتى يحيا صاحب البذر, وسارا لذلك ونزلا أرض كتامة, أحدهما ببلد اسمه سوق حمار [أو جمار], وفشت هذه الدعوة منهما في أهل تلك النواحي من البربر وخصوصاً في كتامة, وكانوا يزعمون أن النبي صلى الله عليه وآله أوصى إلى علي (عليه السلام) بالخلافة بالنصوص الجلية وعدل عنها الصحابة إلى غيره فوجب البراءة ممن عدل عنها, ثم أوصى علي إلى ابنه الحسن ثم الحسن إلى أخيه الحسين, ثم الحسين إلى ابنه علي زين العابدين, ثم زين العابدين إلى ابنه محمد الباقر, ثم محمد الباقر إلى ابنه  جعفر الصادق (عليه السلام), ثم جعفر الصادق (عليه السلام) إلى ابنه ...)[13].


    ومن المؤكد أن حركة الحلواني والسفياني قد نجحت آنذاك ومهّدت لإحداث نحو من التشيع في المغرب العربي, ويدلّ على ذلك قدوم رجل من المغرب إلى الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) قائلاً (... يا ابن رسول الله إني رجل من شيعتكم في المغرب وممن يدين بولايتكم ...)[14], وقد تنامى وجود أتباع أهل البيت عليهم السلام في شمال افريقيا حتى قامت بعض الدويلات التي عرفت بولائها لهم عليهم السلام.


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] - سورة الأحزاب/33.


[2] - سورة الأحزاب/33.


[3] - جاء ذكر الحديث في كتب الفريقين بنفس المضمون وإن حصل اختلاف في اللفظ, فقد ذكر  في:


  صحيح البخاري : في الجزء الرابع في كتاب الأحكام في باب جعله قبل باب إخراج الخصوم ، و أهل الريب من البيوت بعد المعرفة (صفحة 175 طبعة مصر سنة 1355 هجري ) ، حدَّثني محمد بن المثنى حدثنا غندر حدثنا شعبة عن عبد الملك سمعت جابر بن سمرة قال : سمعت النبي (ص) يقول : " يكون اثنا عشر أميراً فقال كلمة لم أسمعها فقال أبى : انه يقول :" كلهم من قريش ".وفي صحيح الترمذي  صفحة 45 الجزء الثاني طبعة  سنة 1342 هجري, في باب ما جاء في الخلفاء حدثنا أبو كريب حدثنا عمر بن عبيد عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله (ص))  يكون من بعدي اثنا عشر أميراً ثم تكلم بشيء لم أفهمه فسألت الذي يليني فقال : قال : كلهم من قريش (قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.


[4] - انظر: ينابيع المودة , الناشر: دار الأسوة ,(المجلّد ۲ / الصفحة :44,87 )؛ (مجلد3/ الصفحة: 283-285؛291؛ 377-379).


 


[5] - مجلة دراسات في التأريخ والآثار, العدد 66, تشرين الأول 2018م, البحث: الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في المصنفات المغربية والأندلسية, الصفحة 63.


[6] - القاضي النعمان, افتتاح الدعوة, مؤسسة الأعلمي, بيروت 2005, ص23.


[7] - قرية بافريقيا لقبيلة من البربر, ينظر: الادريسي نزهة المشتاق,ص292؛ ينظر أيضا: ياقوت الحموي, معجم البلدان, ج5, ص56.


[8] - بلد بإفريقيا فتحه (بسر بن أرطاة, وهي تسمى قلعة بسر.


[9] - النعمان, شرح الأخبار, ج3, ص414.


[10] - النعمان, كتاب افتتاح الدعوة, ص24.


[11] - الاقتباس وفكرة المقال من : مجلة دراسات في التأريخ والآثار, العدد 66, تشرين الأول 2018م, البحث: الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في المصنفات المغربية والأندلسية, الصفحة63.


[12] - تأريخ ابن خلدون, ج3, ص451.


[13] - تاريخ ابن خلدون ج3 ص451.


[14] - النعمان, شرح الأخبار, ج3, ص364.

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثاني من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
20/07/2019
العدد الثاني من مجلتي الافريقية

المجلة