افريقيا بين الاستغراب والإسلام

13/05/2020

معتز محمد الكنعاني


      تبحث البلدان عن هويتها في التأريخ فتعمل على تأصيلها وترفض التبعية في الغالب, إلّا أن هناك عوامل تغيّر البوصلة باتجاه التبعية أو تبني هوية ثقافية أجنبية كبعض البلدان الافريقية التي تروّج ثقافة المستعمر الفرنسي أو البريطاني؛ بسبب العلاقة الكولونيالية بين افريقيا والدول الاجنبية التي استعمرتها, ورغم مغادرة الاحتلال إلّا أن المحتل يحرص على توطيد هذه العلاقة الخاصة بينه وبين البلدان التي باشر احتلالها من قبل.


      ولو اخذنا العلاقة بين فرنسا والبلدان التي اخضعتها في افريقيا نجدها علاقة استعمارية بامتياز , وقد حرصت على استمرار هذه العلاقة بهذا النهج من خلال منظمة الفرانكوفونية التي تعنى بنشر الثقافة واللغة الفرنسية, فقد اتاحت المنظمة دورا واسعاً لافريقيا, مثل تولي الرئيس السابق للسنغال عبدو ضيوف رئاسة المنظمة الفرانكوفونية في العالم, وفتح ممثلية دائمة في اديس ابابا ومكتب إقليمي لكل من غرب افريقيا وافريقيا الوسطى , وضم أكثر من بلد افريقي للمنظمة الفرانكفونية.


      ولم يقتصر عمل المنظمة على نشر اللغة فحسب بل بات نشاطها يتوسع ليشمل نشر الثقافة الفرنسية من خلال اللغة والإعلام والجامعات وسبل أخرى غير منظورة على انها أساليب مدروسة لنشر الثقافة الفرنسية بدل الثقافة الأصيلة للشعوب , نشاهد ذلك بوضوح في خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في تونس مروّجاً للفرانكفونية الذي جاء فيه: "الفرنكوفونية ليست مشروعًا فرنسيًا، فتونس من البلدان التي حملت الفرانكفونية فهي ملك لهذا البلد”، وتابع قائلاً: “الفرنكوفونية ليست مشروعًا قديمًا، بل مشروع مستقبلي، فتحدث اللغة الفرنسية يعد فرصة حقيقية، على المستويات اللغوية والاقتصادية والثقافية”. وأضاف ماكرون “ أتمنى أن تحيا الفرانكفونية في بلادكم”(1).


      نجحت الفرانكفونية في جعل اللغة الفرنسية رسمية في (21) بلداً افريقيا, و (7) دول أخرى هي الجزائر ومصر وغينيا بيساو وموريتانيا وموريشيوس والمغرب وتونس تنطق فيها الفرنسية على الرغم من كونها ليست لغة رسمية(2), على أمل من فرنسا أن تحمل اللغة الفرنسية الثقافة الفرنسية أيضاً إلى شعوب تلك البلدان فتذوب الثقافة السابقة بسبب حلول الثقافة اللاحقة وتصبح تلك الشعوب موالية لفرنسا ثقافياً وتجارياً , وهكذا تلعب الفرانكفونية دوراً في تشكيل العلاقات الاقتصادية وإيجاد أسواق للبضاعة الفرنسية بمختلف انواعها بما في ذلك "الكتاب" الفرنسي الذي يختزن الثقافة ويتكفل نشرها, إيماناً من الفرنسيين بأن افريقيا هي مفتاح الوصول إلى فرانكفونية عالمية بامتياز.


      وليست الفرنكفونية وحدها التي أخذت موطئ قدم لثقافتها في افريقيا, فهناك آخرين يتنافسون على الحضور الثقافي الفاعل خصوصاً بعد أن أيقنوا حمل اللغة للثقافة, واستدعاء الثقافة للولاء والتبعية الاقتصادية وفتح اسواق جديدة.


       ولكن ماذا عن المسلمين ؟! , هل لا يزالون يتطلعون لنشر الإسلام بشغف المسلمين الأوائل ؟!, ام يطمحون للسفر واللجوء وتعلّم لغة جديدة في زمن بلغ الصراع الثقافي اوجّه؟!, فطلائع المسلمين الواصلين الى افريقيا كانوا مدركين لتأثير اللغة في نشر الثقافة الإسلامية, كما كان لديهم الإصرار والعزيمة للوصول إلى أقصى بلدان العالم لولا بريق الدنيا وزينتها الذي كان حجر العثرة الذي يحول دائما من وصول الإسلام إلى بلدان العالم آنذاك, ولهذا الزمان أحجار برّاقة أخرى.


      إن تعلّم لغة جديدة لهو سلاح ذو حدّين, فمن جهة تحمل اللغة ثقافة جديدة للمتكلم بها, فإن لم يكن معتصماً بالثقافة الإسلامية من منبعها الأصيل جرفته الثقافة الجديدة, وإن اعتصم بحبل الله عز وجل نجا من تأثيرات الثقافة الاجنبية وتبعاتها, ومن جهة أخرى يستطيع حامل اللغة الاجنبية أن يروّج ثقافته وينشر دينه الذي آمن به.


       وللوقاية من الفكر الأجنبي وتحصين الفرد والمجتمع من الثقافة الطارئة يضع الإسلام الحل الناجع للمشكلة ويؤمن الفرد والمجتمع من الوقوع في وحل الانحراف الفكري من خلال العودة للفكر الإسلامي الأصيل وارتشافه من منابعه التي تشدّنا إلى أصوله وفروعه وآدابه وتضمن ارتباطنا الوثيق بعرى التوحيد, نجد ذلك في نصوص اسلامية عديدة, منها:



  1. قوله تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)(3).

  2. قول النبي صلى الله عليه وآله (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي....الخ الحديث)(4).


      ونصوص كثيرة اخرى نجدها في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وأحاديث الأئمة المعصومين عليهم السلام, تدعونا في مجملها إلى التمسك بهدي الإسلام وعدم الإنجرار إلى بريق غيره, فإن في ظاهره اللمعان وفي باطنه الهلاك.


 


.................................................................................



  • (1) https://islamonline.net/28366

  • (2) https://inspiration.rehlat.com/ar/city-culture/french-speaking-countries-in-africa/

  • (3)   سورة آل عمران/103.

  • (4) أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن أرقم ـ في حديث طويل ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر، يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسِكوا به. فحثَّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي .( صحيح مسلم 4|1873 كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه)


    وأخرج الترمذي وغيره عن جابر بن عبد الله، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حَجّته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: يا أيها الناس، إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي. (سنن الترمذي 5|622 كتاب المناقب، باب مناقب أهل بيت النبي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وذكر في مشكاة المصابيح 3|1735، سلسلة الأحاديث الصحيحة 4|356 وقال الالباني: الحديث صحيح.)


    وأخرج أيضاً عن زيد بن أرقم وأبي سعيد، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرَّقا حتى يرِدَا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلِّفونّي فيهما .


(سنن الترمذي 5|663. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وذكر في مشكاة المصابيح 3|1735، صحيح الجامع الصغير 1|482 حديث 2458 وصحححه الألباني أيضاً.)


 

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الرابع من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
08/07/2020
العدد الرابع من مجلتي الافريقية

المجلة