من ساحل الرقيق إلى قلعة العبيد

12/03/2019

باحث الدكتوراه: عباس القريشي  


       من المآسي التي طالت البشرية بشكل عام، وكان نصيب اصحاب البشرة السمراء الأوفر مأساة العبودية والاسترقاق؛ إذ أوقفت نمو تلك القارة حضاريا  وفكريا، وأفسدت نسيجها الاجتماعي، وتسببت في خلق عقدة التدني  لدى شعوبها ، إذ كان استرقاق ملايين الأفارقة بلا تميز بين الطفل والصغير والمرأة والرجل من قِبل المستعمرين الغربيين.


 


       وعلى أكتاف الأفارقة تم بناء امبراطوريات الدول الاستعمارية، ولولا العبيد لما كان هناك إنتاج للثروات التي فجرت الثورة الصناعية.


        والملفت للنظر أن تجارة العبيد كانت رائجة حتى أُطلق الأسماء على كثير من المناطق فذاك (ساحل الرقيق) وكانت المنطقة الساحلية لتوغو في القرنين بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، مركزًا تجاريًا مهمًا بالنسبة للأوروبيين الباحثين عن العبيد!، مما أكسب توغو والمنطقة المحيطة بها اسم (ساحل الرقيق) والجمهورية التوغولية تطل على خليج غينيا من جهة الجنوب حيث تقع مدينة( لومي) العاصمة، وهو الخليج الذي يربطها بالمحيط الأطلسي، وتحدها من الشرق دولة بينين، ومن الشمال بوركينا فاسو، ومن الغرب جمهورية غانا، وإجمالاً فإن دولة توجو(توغو) على الخريطة تأخذ شكل مستطيل ضيق عرضه حوالي( 55 كم2)، وطوله من الجنوب حيث خليج غينيا إلى أقصى نقطة في الشمال حوالي600كم2[1]، وكم يحمل ذلك الساحل من الآهات والصرخات التي عانى الأفارقة من ألم الفراق وذُل الاستعباد.


 


       ومدينة أخرى تشهد على معاناة الأفارقة وهي( قلعة العبيد ) وهي تقع في جزيرة غوري بجمهورية السنغال وتعد تلك  معلم سياحي كبير. ويقصدها السائحون من دول غرب أفريقيا وأوروبا وأميركا وغيرها. كما تحظى بزيارات من رؤساء الولايات المتحدة دائماً ضمن جدول جولاتهم الأفريقية، اضافة إلى كونها محط انظار الباحثين عن تاريخ هجرة السود إلى أميركا، ومقصد للمؤرخين الذين يعتبرونها جزءاً من تاريخ البشرية ككل.


       تقع غوري السنغالية التي تمتد على مساحة كيلومتر مربع واحد، على بعد ثلاثة كيلومترات غرب العاصمة السنغالية (دكار)، وهي الجزيرة التي اختارها الأوربيون (تجار العبيد)  منذ القرن الخامس عشر لتجميع الرقيق قبل نقلهم بحراً إلى أوروبا وأميركا.


 


       وما زالت تلك الجزيرة التي شكلت المركز الأكبر لتجارة العبيد في الساحل الأفريقي، تحتفظ بسجون! وغرف احتجاز الرقيق وفرزهم بحسب الجنس والعمر والقوة البدنية.


وبالرغم من هذا التاريخ المؤلم والسيئ، نجحت السنغال في تحويل الجزيرة إلى وجهة سياحية لتشهد على سماجة تجار العبيد ومعاناة الإنسان الأفريقي. فأدرجت عام( 1978م) ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو، فأصبحت الجزيرة من أهم الوجهات السياحية بغرب أفريقيا. وباتت تستقطب سنويا ملايين السياح المولعين بتاريخها، فالذي يدخل إلى العاصمة السنغالية بإمكانه الذهاب إلى غوري فالرحلة لا تستغرق أكثر من (35دقيقة ) على متن العبّارة، وهناك يستقبلهم تمثالان لرجل وامرأة أسودين يرفعان هامتيهما بعد كسرهما القيود. وكذلك يستقبلهم أهل الجزيرة الذين يعيشون في بيوت بسيطة فيها[2].


       و سيجد غوري مازالت رمزا للعبودية والاستغلال البشري، وشاهداً على التاريخ الاستعماري الوحشي لأفريقيا، رغم مرور قرنين على تلك المرحلة، ويتضح ذلك في عنابر سجنها، ومساكن الرقيق، وقصور الملاّك والتجار، وبوابة شحن العبيد فيمكن ملاحظة الفارق بين بيوت العبيد وملاّكهم في الجزيرة، من خلال الهندسة المعمارية التي تتميز بالتناقض بين الأحياء المظلمة للعبيد والمنازل الكبيرة والفارهة للملاّك والتجار، والتي تتميز باكتساء أسطحها بحجارة القرميد الحمراء.


       وينقسم بيت العبيد إلى عدة عنابر صغيرة يتم فيها جمعهم وفرزهم حتى يحين موعد نقلهم مع تجار الرقيق الذين يشترونهم أو يقايضون ملاّكهم بالبضائع التي لم تكن متوافرة في أفريقيا في ذلك الحين.[3] .


       وعلى الشاطئ الصخري كانت ترسو سفن الأوروبيين، ويتم شحن العبيد من خلال النقطة الأخيرة في أفريقيا التي يطأها أهلها قبل نقلهم إلى أوروبا وأميركا الشمالية. وتسمى تلك النقطة (بوابة بلا عودة) وما زال مشهد البحر ذلك موحشاً يؤكد المآسي التي عاشتها عائلات من السود، اصطيدت من شتى البلدان الأفريقية وجلبت إلى الجزيرة وسجنت داخل قلعتها التي بناها تجار العبيد الأوروبيون إضافة إلى صرخات الغارقين في اعماق البحر اثناء محاولاتهم الهرب من العبودية. وذاع صيت تلك الجزيرة لأنها شهدت أبشع عمليات التعذيب والاحتجاز وتجميع العبيد قبل شحنهم على ظهر سفن شراعية عملاقة باتجاه أوروبا وأميركا الشمالية.


       ويوجد في الطرف الشمالي للجزيرة القصر الحكومي القديم والمتحف التاريخي الذي كان حصناً منيعا أيام الاستعمار. ويضم المتحف حاليا صوراً ومجسمات ومخطوطات تاريخية تجسد مآسي تجارة العبيد في الجزيرة فكم هو مؤلم استعباد الإنسان لأخيه الإنسان من اجل دنيا فانية .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1]- ظ: ليلى العاجيب ، معلومات عن دولة توجو منشور على الموقع الألكتروني: https://mawdoo3.com/%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%AA_%D8%B9%D9%86_%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9_%D8%AA%D9%88%D8%AC%D9%88


[2]-ظ خديجة الطيب: https://www.alaraby.co.uk/society/2015/4/4/%D8%AC%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%BA%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D9%82%D9%84%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A%D8%A9


[3] - ظ: عايدة العزب، تجارة العبيد في إفريقيا :37.

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

اصدار العدد الاول من مجلتي الافريقية بعنوان (العدد 0)
تاريخ الاضافة
13/03/2019
اصدار العدد الاول من مجلتي الافريقية بعنوان (العدد 0)

المجلة