التوحيد بين الديانات المصرية القديمة

29/02/2020


بقلم  معتز محمد الكنعاني


       تعددت الديانات في مصر القديمة, وتعددت الآلهة آنذاك حتى أننا نجد صوراً مختلفة لأصنام كانت معبودة آنذاك, ورغم ذلك لم تخلو تلك العقائد من الإيمان بالإله الواحد؛ لأن الأنبياء عليهم السلام تركوا بصمات واضحة وجليّة في تركيبة المجتمع المصري في أزمان دعوتهم, وقد قصّ القرآن الكريم لنا قصصاً عن بعضهم كالأنبياء يعقوب ويوسف وموسى عليهم السلام, وغيرهم من الانبياء ممن لم يذكروا في القرآن الكريم.


      ولكن الدعوات النبوية لعبادة الإله الواحد لم تكن تجري بسلاسة وهدوء من دون معارضة أصحاب السلطة والنفوذ, أو المنتفعين من الأصنام كالكهنة أو المؤمنين بعبادتها, وهكذا نجد أن عبادة الأصنام لها رواج وأتباع في مدن مختلفة منها:



  • بلاد تنيس وأبيدوس كانت تعبد ابن أوى.

  • مدينة الفيوم كانت تعبد التمساح.

  • مدينة طيبة كانت تعبد آمون وهو في شكل كبش.

  • ومدينة منف كانت تعبد إلهين هما اللبؤة وعجل أبيس الشهير.

  • ومدينة دندرة كانت تعبد البقرة ويطلقون عليها اسم هاتور.


       ومما يؤكد مرور الانبياء بأرض مصر داعين الناس إلى التوحيد وعبادة الإله الواحد على نحو أكثر مما ذكره القرآن الكريم, ما جاء في قصة (اوزوريس) الذي قدم طيبة مع زوجته (إيزيس), إذ نزلا عند رجل متواضع الحال, وكانت طيبة آنذاك مبنية من الأحجار المستطيلة البيضاء, فتجمع الناس حول (اوزيس) وزوجته (إيزيس) والناس منبهرين يطالعون وجوهاً جديدة لم يألفوها من قبل, إذ شاهدوا الجمال والهيبة والقوة, ولشدة جمالهما ونقائهما شبهوهما بالآلهة القادمة من السماء!, وبعد سمع الملك والملكة بالخبر اجريا تحقيقاً بالحادثة.


       ومرت الأيام والغريبان يعملان أعمال البر والخير, يواسيان الفقراء ويعلمان الفلاحين الزراعة والحراثة والسقي ويداويان الجراح ويقفان إلى جانب الملهوف والسقيم, ويرفضان تفضيل الطعام الطيب والفراش الوفير.


       واللافت للنظر أن (أوزوريس) كان ينهى الناس عن عبادة الأصنام؛ لأنها لا تعي ولا تسمع ولا تستجيب, وليس لها حول أو قوة, وأنهم يجب أن يرفعوا أكف الضراعة للإله الأكبر الذي يسكن السماء, والذي يحميهم ويستمع إليهم ويمدّهم بما يحتاجون, كالشمس التي تهبهم الدفء والنور والنيل الذي يروي أرضهم, وكان يقول لهم: "أن من عاش نزيها مستقيماً غير محب لذاته استطاع رغم كونه انسان أن يدرك الملكوت الأعلى الذي يمثله الإله ويستمتع ببهائه وسناه"([1]), ومن كثرة ما شاهد الناس من أعمال (أوزوريس) وهو يصنع المعروف للفقراء, أحبّوه وأعتقدوا انه الإله([2]).


       إن عبادة الصالحين ليس أمراً غريباً في التأريخ, خصوصاً إذا لحظنا عبادة المسيحين للنبي عيسى عليه السلام واعتقادهم أنه ابن الله, وعبادة البوذيين لبوذا الذي لم ينصب نفسه إلهاً يعبد من دون الله, فضلا عن احتمال كونه زاهداً عابداً لله تعالى.


       كما نجد في الاعتقاد بإلوهية حورس جذوراً للتوحيد وتعاليم الأنبياء أيضاً, فقد آمن المصريون القدماء بأن الإله (رع) جاء ليكشف حورس, وكان (رع) يطل على المصريين مراقباً لهم بعينيه فيرى أعمالهم الصالحة والسيئة, وهذه الرقابة الإلهية أمراً معروفاً في تعاليم الانبياء, إذ ان الله الواحد عالم الغيب والشهادة مطلع على كل شيء.


       ولم تغب عقيدة الحياة الأخرى عن مجمل العقائد التي آمن بها المصريين القدماء, فقد كانوا يعتقدون أن الأجسام سوف تقوم كما هي مرة أخرى في العالم الآخر لتستأنف حياة أخرى أفضل من الأولى وأكمل؛ لذلك قاموا بتحنيط الأجسام واخفائها بعيداً عن اللصوص الذين يسرقون الحلّي والملابس, وكانوا يعتقدون ان الأرواح تمر برحلة صعبة وشاقة عليها قبل أن تصل إلى المحكمة العادلة والميزان الذي توزن به القلوب حيث يقع مشهد الحساب والمسائلة عن الأعمال الآتية:



  • هل ارتكبت جريمة او نطق لسانك بالكذب ؟

  • هل غدرت بجارك شاهداً بالزور, وقتلت اخاك عن عمد وإصرار ؟

  • هل أعطيت مجداً للآلهة, وهل أحببت قريبك كنفسك ؟

  • هل خنت الأمانة في زوجة جارك .. أو أرضه أو بيته ؟


      وبعد ذلك يمنح فرصة للجواب, ثم يعرض على الميزان فيوزن قلبه, فإن رجح فقد فاز, وإلّا فهو من الهالكين, كأن المصريين يقتبسون عقائدهم من تعاليم الأنبياء رغم معاداتهم!, فهل هذا ما حصل بالفعل ؟, أم أن هناك من آمن بالأنبياء –وهو الحق- ثم أصاب عقيدة القوم زيغ نتيجة قوة تيارات الشرك بعد ان طال عليهم الامد فقست قلوبهم فانحرفوا عن جادة الصواب التي رسمتها لهم رسل الإله الواحد, وهكذا نعرف جواب الشبهة القائلة: الأديان تقتبس بعضها من بعض, كشاهد على بطلانها.



        والجواب: إن الأديان الحقّة من عند ربّ واحد, فتماثلت في العقيدة والأحكام فكلها يؤمن بالإله الواحد العادل والبعث الحساب والجنة والنار, وتماثلت بالأحكام فكلها يحرم الخمر والزنا والسرقة, لكن التحريف أصاب بعضها بدرجات متفاوتة, فبعضها بقي منسوباً لواحد من الأنبياء (كالمسيحية واليهودية) رغم ما وقع من زيغ في العقيدة والأحكام, وبعضها خرجت من عداد السماوية لكثرة ما أصابها من تحريف, فأصبحت نسبتها لنبي من الانبياء دونها خرط القتاد.


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   ([1]) لطفي وحيد, أشهر الديانات القديمة, المركز العربي للنشر والتوزيع, معروف إخوان, ص28.


(2) ينظر: حبيب سعيد, أديان العالم, نشر الكنيسة الاسقفية؛ ينظر أيضاً: المصدر السابق.


 


([1]) لطفي وحيد, أشهر الديانات القديمة, المركز العربي للنشر والتوزيع, معروف إخوان, ص28.


([2]) ينظر: حبيب سعيد, أديان العالم, نشر الكنيسة الاسقفية؛ ينظر أيضاً: المصدر السابق.

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثالث من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
30/01/2020
العدد الثالث من مجلتي الافريقية

المجلة