نظرة في أسباب تراجع الاقتصاد الإفريقي

05/05/2019

 


م.م: معتزمحمد الكنعاني


تشير الحالة الصحية لأي مجتمع إلى عدة نواحي منها مستوى المعيشة والرفاهية, وحالة البيئة, ونوعية الحياة ومدى الحصول على خدمات صحية, وتعليمية, وتغذية ضرورية لمقاومة تدهور الصحة وفتك الأمراض, زد على ذلك يمكن للحالة الصحية أن تكون مؤشراً على مستوى التنمية.


وبالنظر للاقتصاد الافريقي نجد تدهوراً في العديد من بلدان القارة, ولا يخفى كون هذا التراجع الاقتصادي مصحوباً بالتخلف الصحي في المؤسسات, وتدهور للصحة العامة, ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل قد نجد أن امراضاً لم تكن في الحسبان تظهر من جديد, وتسبب النزوح العديد من السكّان, فالناس هناك بين خيارين أحلاهما مرٌّ, فهم بين الموت وسط منطقة ظهور المرض, أو النزوح بعيداً والمكوث بغير مأوى معرَّضين لظروف بيئية قاسية.


التدهور الصحي للأفريقي المنعدم النظير في القارات يضغط على عجلة الاقتصاد ليرجعها إلى مزيد من التخلف والتدهور والضعف, ولعل أسباب ذلك واضحة إلى حدٍ ما؛ لأن المرض الذي يفتك بقرية يسلبها القدرة على العمل والتفكير في كل شيء عدا سبل النجاة من الموت الذي يخطف الناس جماعات ووحداناً, وهكذا فعل مرض نقص المناعة (الأيدز) وغيره كالفايروسات والطفيليات والحشرات والبعوض الناقل للعدوى, ويتسم التدخل الحكومي بانخفاض الفاعلية والكفاءة مع غياب أو ضعف البيئة السياسية الملائمة, وهناك من ينسب تفشي البطالة المقنعة وتضخم الأجهزة البيروقراطية ومن ثم ضعف الانتاجية إلى سوء التدخل الحكومي في الأزمات وضعف الفاعلية[1].


ولكل منطقة من افريقيا ما يفتك بها من أمراض, فالمناطق الرطبة المطيرة ذات الحرارة المرتفعة تنتشر فيها الحمّى الصفراء والملاريا وحمّى النهر, أما في المناطق الجافة فهذا يعني ندرة المياه واعتماد السكّان على مياه قليلة ملوثة, وما يزيد الأمر سوءً نوبات الجفاف والقحط وأسراب الجراد التي تفتك بالقوت المتبقي لأبدان هزيلة انهكها المرض فجاءها الجوع ملبياً نداء رفقائه, فلا تلبث المجاعة قليلاً حتى تحل مقيمة ما شاءت الأقدار, وقد لا تنقضي المجاعة حتى تقضي على آخر نفس يتردد[2].


إن عامل التدهور الصحي وانتشار الامراض لهو أحد العوامل التي تسبب التدهور الاقتصادي وليس هو العامل الوحيد, فهناك عوامل أخرى لا تقل تأثيراً في الاقتصاد إن لم تكن أكثر تأثيراً منها الضعف الشديد في مرافق البنية الأساسية, فالمواصلات الداخلية صعبة وكلفة, والطرق غير المعبّدة والمياه غير الصالحة للشرب تزيد من مشقة العمل وتقلل فرص الحياة, كما أن نقص الاحصاءات والمعلومات الاقتصادية الدقيقة بالقارة الافريقية يؤدي إلى قيام مشاريع غير كافية أو خاطئة تضر بالاقتصاد الافريقي, وتؤدي إلى عرقلة نموّه, كما أن ضعف الرقابة على التنفيذ وعدم المتابعة يقلل من نتائج أي مشروع وإن كان جدياً, ولا يخفى تحكّم العادات والتقاليد في تصرفات الناس لما تتضمنه من طقوس وخرافات تؤدي إلى صعوبة تنفيذ برامج وخطط التنمية.


ولقد كان الاعتقاد بتأثير السحر على الطقس والمناخ! أثر كبير في إفقار الافارقة؛ لإيمانهم بعضهم بأن الوضع المتدني نتيجة غضب الأرواح, ومن ثم يجد السحرة سهولة في السيطرة على الناس وربط السحر بالمطر والجفاف والأمراض الوبائية التي تصيب الانسان والحيوان, والجراد الذي يفتك بالمحاصيل؛ لذلك نجد أن كثي من الافارقة يعتقدون أن سبب كوارثهم يرجع لمثل هذه الاسباب, فلا يتاح للهمة والعزم مكان لتغيير الحال إلى أفضل مما هو عليه في بعض الأماكن[3].


ولكن احيانا يكون سبب نشوء المرض اقتصادياً وليس العكس, ففي عدة أماكن غنية بالثروات والمعادن كالذهب والماس, نجد أن مرض ما يظهر فجأة, فتهرع السلطات لطلب النجدة من المجتمع الدولي لتقديم المعونات اللازمة, فتأتي فرق "الإغاثة" ضاربة طوقاً حول مكان ظهور المرض الخطير, ثم تجلي السكّان لئلا يموت من لم يصب بالمرض, هكذا أصبحت المنطقة خالية تماماً من السكان, وبقي الطوق مطبقاً حول عنق الذهب والماس حتى تأتي فرق أخرى اكثر خبرة لتدخل المكان المطوّق, وتخلّص المنطقة من سبب الوباء خلال فترة قد يطول أمدها ويقترن آخرها مع آخر حبيبات المعادن الثمينة.


 


 


 


 


[1] - ينظر: محمد عطية أحمد سالم, التأمين الاجتماعي والتنمية الاقتصادية في افريقيا (رسالة ماجستير غير منشورة), معهد البحوث والدراسات الافريقية, قسم النظم السياسية والاقتصادية, 2000م, ص13.


[2] - ينظر: التقرير الاستراتيجي الافريقي 2002/2003 (جامعة القاهرة معهد البحوث والدراسات الافريقية) ص512.


[3] - ينظر: مهيرة عماد السباعي, القضايا الإفريقية, المنظر الإعلامي الازمات المعالجة, العربي للنشر والتوزيع, القاهرة, 2017م: ص78-80.

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

اصدار العدد التجريبي من مجلتي الافريقية بعنوان (العدد 0)
تاريخ الاضافة
13/03/2019
اصدار العدد التجريبي من مجلتي الافريقية بعنوان (العدد 0)

المجلة