جذور نظام الفصل العنصري الـــ Apartheid

25/07/2019


معتز محمد حنون الكنعاني


كان نظام الفصل العنصري في دولة جنوب إفريقيا يميّز في معاملة المواطنين على أساس لون البشرة, مع وجود قوانين تدعم ذلك التمييز, ومنها منع الزواج بين البيض والسود, فعندما أراد أحد البيض أن يتزوج فتاة هندية الأصل تعيش في جنوب إفريقيا في سبعينيات القرن العشرين لم يتمكن من إيقاع زواج رسمي من فتاته التي أحبها, فأضطر للسفر إلى بوتسوانا؛ لأن بلده جنوب إفريقيا يمنعه من ذلك, فإذا عاش معها سيخالف بذلك ثلاثة قوانين هي القانون الذي يمنع البيض والسود من العيش في منطقة واحدة, والقانون الذي يحضر المعاشرة بين البيض والسود, والقانون الذي يمنع الزواج بينهم, وهكذا كان لا بدّ من الانتقال إلى بلد آخر؛ ليتزوجا ويعيشا بسلام بعيدا عن نظام الفصل العنصري الـ  Apartheid[1]السائد في البلاد آنذاك.


ولم يكن نظام الفصل العنصري القائم في جنوب إفريقيا الذي حكمت من خلاله الأقلية البيضاء من عام 1948 وحتى إلغائه 1993 نظاماً بلا مقدمات سابقة, إذ كانت له جذور فكرية, ومقدمات نظرية فاسدة أسست لنظام الفصل العنصري الـــ Apartheid, ودعمت محتواه الفكري ونتاجه القانوني, ولم يكن الــ Apartheid  إلّا نتيجة لتلك الأسس التي نشأت في أوربا لكن ظهورها كمواد قانونية في القرن العشرين لم يحدث إلّا في إفريقيا وبالتحديد في جمهورية جنوب إفريقيا.


ومن تلك الأسس الفكرية التي يتخذ نظام الفصل العنصري له موضعاً على أعمدتها مفهوم العرق (Race), فالعرق مصطلح يستخدم لتصنيف البشر إلى مجموعات متمايزة جسمانياً وبيولوجياً ووراثياً, وتفترض فكرة العرق أن البشرية تنقسم إلى أنواع طبيعية لا تتغيّر, ويمكن التعرّف عليها استناداً إلى صفات الجسم التي تنتقل بالوراثة فتنشأ أعراق نقية وأعراق مختلطة –كما يزعمون- , زد على ذلك إن مصطلح العرق (Race), بعد أن صنّف الناس على أساس الجسم والدم, فهذا يعني ضمناً أنهم مصنفون أيضاً فكرياً وسلوكياً وأخلاقياً؛ لأن دمائهم مختلفة تبعاً لأعراقهم, وهكذا ستختلف شخصياتهم وقدراتهم الفردية أيضاً, ويرتبط هذا التصنيف بالكولونيالية[2].


وهكذا تتمايز الشعوب, فهناك شعوب سفلى وشعوب عليا بسبب أعراقهم, فالأدنى منزلة في جبلّته يقف خارج دائرة التأريخ والحضارة بسبب تكوينه الجيني؛ لذلك فإن استعبادهم من قبل الشعوب الأرقى عرقياً هو حالة فطرية تلازم فكرة (تطور الجنس البشري) وفكرة البقاء للعرق الأصلح, وفي ذلك تطبيقاً للدارونية الاجتماعية[3].


وللثنائية (Binarism) دور في ترسيخ الفصل العنصري من العرق الأعلى  والعرق الأدنى –كما ينظّرون_, ففي الخطاب الاستعماري: الأبيض يقابله الأسود, والمتحضّر يقابله بدائي, والمتقدم يقابله متأخر, والخيّر يقابله شرير, والانساني يقابله وحشي, من دون أن تكون هناك فضاءات أرحب أو حالة وسطى, وهكذا فإن المستعمِر له كل الاوصاف الإيجابية من الجمال والخير والتقدّم والانسانية والتحضّر وهو الطبيب الأبيض, بينما المستعمَر هو التلميذ الأسود المريض وهو البدائي المتأخر والشرير القبيح الوحشي[4].


 


ومن خلال الثنائيات المتقدمة أصبح على الرجل الأبيض عبء تعليم غير الابيض وجعله متحضراً؛ لكونه التلميذ البدائي, وذلك من خلال الاستعمار, وقد عبروا عن هذا بـ عبء الرجل الأبيض  (the white man's Burden)كواحد من مبررات الاحتلال والاسترقاق؛ لأن الأبيض حامل لمشعل الاستنارة (englightener) بينما الأسود هو متلقي الاستنارة (englightened) وما الاسترقاق إلّا عملية تنويرية يقوم بها الأبيض تجاه الأسود!.


لكن ليس كل ما تعلو به أصوات المحتلّين البيض خديعة ومحض كذب واختلاق فقد يصرّح الكذوب بصدق نواياه, ويكشف عن مستور إرادته إن هو اطمئن وشعر بالأمان أو حقق ما يصبو إليه, أو شعر بتأنيب الضمير, أو غير ذلك من الأسباب التي تجعله يصرح بالحقيقة كما فعل (ألفرد سكاون بلنت) في كتابه (التأريخ السرّي لإحتلال إنجلترا مصر) إذ يقول مخاطباً مجموعة المؤتمر الوطني المصري "إحذروا منّا فإننا لا نريد لكم شيئا من الخير, لن تنالوا منّا الدستور ولا حرية الصحافة ولا حرية التعليم ولا الحرية الشخصية, وما دمنا في مصر فالغرض الذي نسعى إليه من البقاء فيها هو أن نستغلها لمصلحة صناعتنا القطنية في مانشستر, وأن نستخدم أموالكم لتنمية مملكتنا الإفريقية في السودان... لم يبق لكم عذر إذ أنتم انخدعتم في نياتنا بعد أن وضح الأمر فيها وضوحاً تاماً, فاحذروا أن تنساقوا إلى الرضى باستعباد بلادكم ودمارها".


وقد يقال إن العنصرية كسلوك نجدها عند كثير من الناس المنتمين لكثير من القوميات, ولم يكن سلوك الازدراء حكراً على البيض, فأقول: إن ازدراء الآخر بالنسبة لنظام الفصل العنصري ليس سلوكاً فحسب بل هناك نحو من التنظير والتأسيس الفكري في مرتبة سابقة على السلوك والتصرف.


 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] - الابرتايد (Apartheid) أو نظام الفصل العنصري, مصطلح مشتق من لغة إفريقية ويعني الفصل "”separation واستخدم في جنوب إفريقيا للأشارة إلى السياسة التي اتبعتها حكومة البيض منذ 1948م, وغالبا ما ينقل إلى الانكليزية من خلال عبارة أكثر لطفاً وأقل وحشية وهي “policy of separate development”  وتعني "سياسة التنمية التمييزية".


[2] - ينظر: دراسات ما بعد الكولونيالية (المفاهيم الرئيسية), بيل أشكروفت وآخرون, ترجمة أحمد الروبي وآخرون, المركز القومي للترجمة, طبع بالهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية, ط1, 2010, ص299.


[3] - وهي نظرية تذهب إلى أن الأفراد والأعراق يخضعون جميعا لذات القوانين التي تخضع لها الطبيعة من انتخاب طبيعي وبقاء الأقوى والصراع بين الكائنات الذي يفضي بالضرورة إلى تنحية الأضعف وكان من أهم دعاة هذه النظرية هربرت سبنسر "وقد وظفت... في تبرير المشروع الامبريالي الغربي على صعيد العالم بأسره, فالفقراء في المجتمعات الغربية وشعوب آسيا وإفريقيا والصعفاء على وجه العموم هم الذين أثبتوا أن مقدرتهم على البقاء ليست مرتفعة, ولذا هم يستحقون الفناء, أو على الأقل الخضوع للأثرياء, ولشعوب أوربا الأقوى والأصلح. المصدر: النظرية التي خرجت من رحم كتابات تشارلز دارون, د.المسيري. عن كتاب: دراسات ما بعد الكولونيالية, ص107.


[4] - ينظر: دراسات ما بعد الكولونيالية (المفاهيم الرئيسية), ص79.


 

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثاني من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
20/07/2019
العدد الثاني من مجلتي الافريقية

المجلة