اللغات في أفريقيا واثرها في الاثراء الثقافي

30/01/2020

باحث الدكتوراه : عباس القريشي


     لا يختلف الباحثون المختصون بالشآن الافريقي في ان افريقيا تتمتع بأشكال لثقافية عديدة، وأن تلك الثقافات لم تصل إلى كثيرين بسبب الظلام الذي  يخيم عليها؛ لذا لم ينتبه إليها إلا القليلون، في الوقت الذي نرى ثقافات فقيرة وضعيفة يسلط عليها الاعلام فيجعلها في مصاف الثقافات العريقة ولا يوجد سبب سوى أنها ثقافات غربية.


     والثقافات الافريقية توجد بمناحٍ عديدة منها في اللغات ففي إفريقيا والباحث لغات أدبية  تزيد على 2100  لغة بل هناك احصائيات اخرى اثبتت زيادتها على 3000 لغة، وإن كثير من تلك اللغات هي لغات كتابة في الشعر والادب والقصص والروايات والدراما.


     وبمرور الوقت بدأت تزداد البحوث الاستكشافية كما فعل ذلك على ايدي علماء  كالعالم الألماني هايتريش بارت، والانجليزي جيمس تيودور بنت، والفرنسي هنري برووي وغيرهم.


     وقد أبدع الألماني ليو فروبنيوس* في كتابه (ثقافات أفريقية)؛إذ تحدث عن الثقافات الإفريقية بشكل مفصل وإلتفت إلى مالم يلتفت إليه غيره.


اسس الثقافة الأفريقية:


     هناك دراسات وبحوث تتبنى قول أفريقيا مهد الإنسانية، وعليه تعد القارة الإفريقية الأساس الأول لثقافات عريضة ومختلفة، لأنها سبقت ثقافات أوروبية نراها اليوم رائعة ومُعلمة، ولكن لماذا تأخرت مسيرة الثقافات الإفريقية ؟!.


     يعلل ذلك مجموعة من العلماء والمستكشفين تأخر وانتكاس مسيرة الثقافات الأفريقية التي ازدهرت وأثرت كثيرا في الماضي، إلى سبب رئيس وهو الحصار الثقافي الأوروبي المفروض والذي بذل جهدا ليس بقليل من اجل تعطيل انتشار الثقافة الأفريقية وعمد إلى حصر اشعاعاتها، وقلب تياراتها النابعة من باطن الأرض في توجه منه الى شعوبها، وانفق  الأموال الطائلة محاولا فرض الثقافة الغربية مهما كان حجمها، وغرابتها على المواطن الأفريقي، لكن غالبية العلماء والباحثين يجتمعون على عدم تلوث الثقافة الأفريقية وحافظت على نقاءها، وصدقها، وانتمائها الى الأرض.


      الأمر الذي يكشف لنا أن الثقافات الأجنبية الوافدة والغربية، التي تتوجه لعقل الانسان الأفريقي جاءت لأوربته وإلباسه رداء ومعطف الثقافة الأوروبية.


  وهكذا لو تأملنا طريق تاريخ ثقافة أفريقيا تظهر لنا ابداعات ثقافية وفنية تتجلى في صناعات وفنون كثيرة، فمن العلمية أن نقول بأن هذه الصناعات والفنون لم يستعمل في انتاجها التكنلوجيا الحديثة ولا وسائل العلوم والتقنية، كالليزر، لكنها تبقى فنونا أفريقية، تستهدف الاحساس والمشاعر والوجدان لدى الانسان الأفريقي. فخذ مثلا النحت على الأحجار وعلى الخشب، وصناعة الفخار والأواني والحلي، والصناعات الخشبية، والمسلات الحجرية الكبيرة، والتماثيل الحجرية والخشبية ذات الأشكال المختلفة للحيوانات وغيرهافكل ذلك يعكس لنا ثقافات افريقية معينة.


* نماذج من ثقافات أفريقيا:


سنعرض أهم ثلاثة نماذج ثقافية:



  • 1- ان منطقة غرب السودان قد تعرضت لاستقبال ثقافة سرت القادمة من الشمال الأفريقي في شكل تيار حضاري ومتجهة الى قلب أفريقيا ووسطها. ويتمثل هذا التيار في بعث صناعات ثقافية مثل غزل القطن، وأنواع الصباغة اللونية الأزرق والنيلي، زراعة الأرز، وصناعة طين البناء، وصناعة الأقمشة، وتصميمات تخطيط المدن، ونوع خاص لرموز الحساب والرياضيات، اضافة الى قوانين للنحو في اللغة.

  • 2- ثقافة إريتريا الوسطى


       أثبت العلماء وجود علاقة روحية وثيقة بين دول جنوب آسيا ووسط أفريقيا. وتتجلى هذه العلاقة في أفريقيا الوسطى وقرب خط الاستواء والأماكن المحيطة في معان روحية ورموز ثقافية غير ظاهرة لكنها تتمتع بالباطنية mystical، وكما تبدو في رسومات وألوان قبو «الإخوة الثلاثة» trois freres. ظلت هذه العلاقة الروحية باقية على مر الزمان بين قارتي آسيا وأفريقيا في شكل نوعيات ثقافية معينة عرفت باسم ثقافة إريتريا القديمة. منها استعمال الطبول المنشقة في الاتصالات وايصال الرسائل، القوس واستعمالاته مؤخرا بعد استحداث لغة الوتر الخيزراني bamboo string، والآلة الموسيقية الأوكارينا ocarina، وتصميم المباني على شكل سرج الفرس، والوشم الدائري، ثم قصص الحيوانات.. بطلها قزم ذو قرنين مرة، وظبي أو بقر الوحش القصيرة مرة أخرى، الى جانب بعض أنواع خاصة من النباتات، لكنه من المرجح ان صناعة الحديد قد انتقلت من جنوب شرق آسيا الى أفريقيا. لقد انتقلت ثقافة إريتريا الوسطى الى البلاد الأفريقية القريبة من خط الاستواء، وفي القصة حل الأرنب محل الظبي وبقر الوحش، وظهرت في المعمار الأكواخ المسقفة المخروطية، أثرت ثقافة اريتريا تأثيرا جادا في تاريخ الفن الأفريقي، قافزة به قفزات واسعة، ومحولة إنسانه الى الانتاج الراقي والحصاد النافع لقارته.


3 ثقافة الأطلنطي:


     وهي ثقافة ثبت من البحث العلمي أنها من الثقافات القديمة في أفريقيا، وتعود الى عشرة قرون كاملة قبل الميلاد، كما ثبت اتصالها بالكثير من ثقافات غرب آسيا.


     إن الرحلة التي قام بها بحرا الملك دافيد على مركبة، ثم الرحلة الثانية التي قطعها وفي نفس الفترة الرحالة هيرام تيرزوسى بحرا ولمدة ثلاث سنوات تؤكدان وصولهما الى المدينة في جنوب أسبانيا بحثاً عن الفضة، ثم وصولهما الى الشاطىء الذهبي «وهو المكان الواقع بين ساحل العاج وبين التوجو في غرب أفريقيا وكان حتى عام 1956م تحت الاحتلال البريطاني وحاليا يحمل اسم دولة غانا الأفريقية».


هوامش:


* ليو فروبنيوس (1873 1938) رحالة ألماني من أصل بروسي. درس آداب أفريقيا ولهجاتها. أهم كتبه ثقافات أفريقية، في الطريق الى الأطلنطي، وتحدثت أفريقيا، الفن الأفريقي. صاحب تعبير «الدائرة الثقافية» culture circls الذي امتد كتيار بحثي علمي في كل من الفكر الأفريقي، المادة الأفريقية.

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الرابع من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
08/07/2020
العدد الرابع من مجلتي الافريقية

المجلة