افريقيا الحاضنة والمنطلق

17/11/2019


معتز محمد الكنعاني


     انطلق الإسلام من الجزيرة العربية أولاً إلى بقاع مختلفة من العالَم, احتضنت الإسلام وعززت وجوده, ثم انطلق من تلك البقاع ثانياً إلى أماكن مختلفة أخرى, ولولا تلك المواطن الحاضنة لما حصلت الانطلاقة الثانية لما فيها من خصائص ومميزات تفتقدها الأراضي العربية كأن تكون البلاد الحاضنة قريبة من الأماكن المستهدفة بالانطلاق الثاني, بينما البلاد العربية بعيدة, أو أن العربي غير قادر على إيصال الإسلام لفقدانه اللغة الاجنبية أو لأي سبب آخر, وهكذا تكون اللغة الأجنبية سبباً لسهولة الانتقال الثاني بينما يعد ذلك صعباً جداً بدون عامل اللغة, كما أن القرب الجغرافي عامل مهم آخر.


     وبغض النظر عن البلدان التي احتضنت الإسلام فيما سبق, فإن الإسلام اليوم بحاجة إلى إعادة الانتشار من جديد إلى بقاع لم تعرفه أو عرفته من غير اهله كالمستشرقين, أو عرفته من خلال مسلمين لم يفقهوا روح التسامح والرحمة والقيم الانسانية فيه, وحفظوا عن ظهر قلب الحدود والتعزيرات, فهم غافلون عن أهم ما في الإسلام من رسالة "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"[1], فحملوا الرسالة ناقصة مشوهة لا تستساغ.


     وهكذا تبرز الحاجة إلى الانتشار الجديد الذي ينبغي أن يكون سلمياً وانسانياً ومعرفيّاً ومحببِاً الإسلام للآخرين لا مبغّضاً, فيستأنس به من يعرفه فيقبل عليه, لا يستوحش منه فيدبر عنه, وهذه مهمة تحتاج معرفة صحيحة بالإسلام ولسان يتكلم بلغة الآخر, وهاتان الخصلتان تعدّان اليوم سرّ الانتشار الثاني للإسلام فمن أراد أن يساهم فيه فعليه بهما.


     ولا أخال افريقيا إلّا أحد الحواضن الملائمة والمنطلقات المناسبةً؛ لعدة خصائص فيها, أهمها القرب الجغرافي من أوربا, وتكلم الافارقة أهم اللغات الاجنبية كالانكليزية والفرنسية, واستعدادهم للهجرة من بلدانهم والسفر إلى الشمال من البحر المتوسط.


     ولعل المؤهلات الإفريقية الآنفة الذكر ينقصها المعرفة العقائدية الصحيحة بالنسبة للكثيرين منهم, وهذه المعرفة لابدّ لها أن تُنشر وتُترسخ في صفوف الأفارقة من خلال عدة قنوات منها إقامة الحوزات في إفريقيا ؛ وسفر الأفارقة لطلب العلم من موارده العذبة ومناهله الرويّة كالنجف الأشرف؛ والتعلّم الذاتي من خلال الانترنيت, وغرف البالتوك, واستقدام المعلّمين من خارج افريقيا إليها, وغيرها من السُبُل التي توفر للمتعلم الافريقي العلم والمعرفة التي تؤهله للدعوة إلى الإسلام.


     وبعد استكمال شرط العلم والمعرفة يتهيأ المتعلمون من الذين يجيدون اللغات الأجنبية –كالانكليزية و الفرنسية-  لتبليغ اسلام أهل البيت عليهم السلام, وذلك بتنظيم انفسهم في مؤسسات ومنظمات تسهّل عليهم اداء هذه المهمة الرسالية العظيمة التي تجعلهم في سلك الانبياء والأوصياء عليهم السلام.


     وهذه الآلية الآنفة الذكر هي إستراتيجية موازية لواحدة أخرى كان ينبغي أن تسير من دون تلكؤ وهي أن يتعلم ذوي المعرفة الدينية اللغات الاجنبية, أو يتعلم متكلموا اللغات المعرفة الدينية, ولكن هذا لم يحصل بالفعل إلّا بجهود فردية غير المؤسساتية, فلم يبقى من حل سوى الانطلاق إلى البقاع الجديدة من حاضن غير عربي, وهو افريقيا مثالاً.


     ولا ينبغي أن ينفرد نظم الأمر بالافارقة ولمّا تصل العلوم والمعارف الدينية لهم وتشرح صدورهم وتلقح البابهم, وإنما ينظّمها من كان له باع في ذلك, فيؤسس ويتابع وينمّي ويصحح وينشّط العمل؛ ليؤتي العمل أُكله ويعطي ثماره.


     ويمكن الاستفادة من هجرة الافارقة الجماعية إلى أوربا وذلك لأنها هجرة عفوية طلباً للعيش, ولا تحتاج هجرتهم إلى دافع آخر, فلو كان المهاجرون قد حملوا معارف الإسلام الحقيقية لنشروها دون أن ينتظروا من أحد أن يحفّزهم نحو ذلك؛ فلا يحتاج الأفارقة إلّا المعارف والعلوم الدينية ليشرعوا في حمل الإسلام على اكتافهم إلى أوربا,لإن مثل هذا العمل الإسلامي الذي ينشر الإسلام الأصيل لهو خير عمل في الدنيا يدّخر للآخرة.


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] - حديث نبوي.

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثاني من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
20/07/2019
العدد الثاني من مجلتي الافريقية

المجلة