علوم ومعارف مهملة

09/01/2020


 


معتز محمد الكنعاني


       تكاثرت الأحاديث عن ثروات افريقيا المعدنية وموقعها الاستراتيجي, وطبيعتها الغنّاء, ومحمياتها الجاذبة للسائحين, ولكن هناك ثروة اخرى ذات لون خاص, وطابع نادر, فهي ذات قيمة مالية واقتصادية وثروة فكرية في نفس الوقت, ولا يزال جزء كبير من هذه الثروة بكراً لم يطمثها إنس ولا جان, آلا وهي نفائس الكتب  واللوحات المخطوطة.


 


       إذ تعد افريقيا من المناطق الغنية بكنوز المعرفة التأريخية غير المحققة, فالمخطوطات فيها ضاربة في القدم من جهة, ومتنوعة من جهة أخرى, وفي ذلك عدة أبعاد منها اقتصادية وأخرى معرفية, إذ تستطيع البلدان المالكة للمخطوطات أن تنشئ معارض لتلك المخطوطات لكي يراها العالم, ومن الممكن الاستفادة من خبرات المحققين ليقوموا بتحقيقها ومن ثم تطبع لكي تتاح المعرفة لطالبيها, كما يمكن ترويج صور المخطوطات عبر المواقع الاليكترونية مع عرض نبذة موجزة من المعلومات المتوفرة عن كل مخطوطة.


 


       فالملاحظ أن المخطوطات كثيرة جداً في عدة بلدان منها في تمبكتو بجمهورية مالي, ومصر والمغرب العربي, وهي مخطوطات متنوعة, لم تبخس حق أي حقل من حقول المعرفة, كما لم تجانب ديناً أو مذهباً, حتى اجتمعت من كنوز المعارف ما لم تحويه أثرى مكتبات العالم بالمخطوطات, ولإجل ذلك صارت المكتبات العالمية مثل مكتبة الكونكرس تستحوذ بطريقة أو بأخرى على تلك النفائس ما إن وجدت إليها سبيلاً, والحق يقال إن حفظ تلك المخطوطات بعيداً عن عبث التكفيرين في فترة سيطرتهم ونشاطهم في اجزاء من جمهورية مالي كان ضرورة اقتضتها تلك المرحلة الصعبة, إذ تكبدت المعرفة المخطوطة خسائر كبيرة بسبب إتلاف التكفيريين بعض المخطوطات, ما ألجأ القائمين عليها إلى إيجاد سبل مختلفة للمحافظة على تلك الكنوز في أيدي أمينة[2].


       وبعد انكشاف غمامة الجهل وضباب الخرف بزوال كارهي العلم والمعرفة "وهم أحوج ما يكونوا إليها", كان لزاماً على جميع المؤسسات البيضاء اليد في العالم أن تنبري إلى المحافظة على هذا التراث المعرفي الضخم الذي يكتنف في طياته معارف اسلامية ولغوية, وكذا في الطب والرياضيات, ولوحات فنية, وغيرها كثير, وتجديد العزم والمسارعة إلى تحقيق المخطوطات دون تعصّب لفئة أو لطائفة أو دين أو عرق, فالمعرفة للجميع.


       ولعل ما يؤخر مثل هذا العمل الضخم هو غلبة ثقافة المال وطلب الربح السريع ونسيان المآل, وترجيح الأرباح المادية على المنافع المعرفية, هذه الثقافة أصبحت رائجة في الشرق؛ ولهذا لا تزدهر المشاريع المعرفية والثقافية, بينما نجد الغربيين ماضين إلى طلب المعرفة وترسيخها في جميع الاجيال, وللنساء كما هي للرجال, لأن من يحقق قصب سبق في معرفة ما يملك ثمارها, ويحوز غلتها.


       ولقد وقعت شريحة كبيرة من شعوب الشرق الأوسط وافريقيا في فخ الثقافة المادية التي تقود الأفراد والمجتمعات نحو الربح السريع وطلب المال بأي شكل من الأشكال, الأمر الذي أدّى إلى هجران المكتبات والتفريط بالمخطوطات, والتقصير في طلب العلم, وغضّ النظر عن كل ما هو غير ربحي ولا يدرّ المال بكثرة وسرعة, فلا تجد المشاريع المعرفية والفكرية الحقيقية في جدول اولويات الشعوب ولا الحكومات, وليست من هموم الأفراد أو المؤسسات, إلّا ما قلّ وندَر, وخير شاهد على ذلك بقاء المخطوطات الإسلامية من دون رعاية وحفظ وتحقيق حتى امتدت إليها أيدي المتطرفين؛ لإخماد جذوة نورها.


       وقد آن الأوان لثورة معرفية تجتاح العالم العربي والإسلامي وتدخل بيوت المشرقيين والأفارقة, بل المسلمين حيث كانوا, فيطلب الجميع العلم, ويشحذ العالم الهمم, ولن تكون هذه الحركة مسببة لفقر أو ضرر اكثر مما تلبست به المنطقة من تخلّف وتراجع, فالعودة للكتاب عودة لسلاح معرفي, نقاتل به اليوم الجهل ويواجه به ابناءناً التّيه فيخرجوا إلى فضاء المعرفة, فيعرفوا العدو فيخرجوه من دائرة النفوذ على ثروات الأمم والشعوب, ويقربوا الأخ والصديق فيتعاضدوا معه؛ ليتماسكوا بوجه التعتيم والتضليل الإعلامي وأطماع "العم سام", فكم من أمة وضعها الجهل وأذلها, وأخرى رفعها العلم وأعزها, وهذه السنّة الكونيّة جارية في الأمم كما هي جارية في الأفراد.  


 


[1] - لوحة (ياعلي روحي فداك) للخطاط محمود ابراهيم, كتبت عام 1722 م هي الآن في مكتبة الكونكرس, https://www.wdl.org/ar/item/6944/#q=%D8%B1%D9%88%D8%AD%D9%8A+%D9%81%D8%AF%D8%A7%D9%83+%D8%A7+%D8%B9%D9%84%D9%8A


[2] - https://www.aljazeera.net/news/presstour/2013/1/31/%D9%85%D8%AE%D8%B7%D9%88%D8%B7%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D9%85%D8%A8%D9%83%D8%AA%D9%88-%D8%B3%D9%84%D9%85%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثاني من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
20/07/2019
العدد الثاني من مجلتي الافريقية

المجلة