تمبكتو الغنية بالمعرفة تصارع النسيان

02/04/2019


بقلم : م.م معتز محمد الكنعاني


       تمبكتو  اسم ارتبط بالتأريخ والمعرفة والمخطوطات والذهب, فهل ذهب كل ذلك, ولم يبق إلّا تراثاً قديماً لا يكاد يعبأ به لولا تسجيل المدينة في التراث العالمي من قبل منظمة اليونسكو, أم أنها لا تزال تنبض وتجود بالمعرفة من خلال مخطوطاتها كما أفاضت بالعلوم في الأزمان الماضية, فقد تخرّج من مدارس المدينة علماء في مختلف الاختصاصات ولم يكن ذلك محصوراً بعلوم الشريعة الإسلامية.


       تسمى (تمبكتو) بأسماء أخرى منها (تنبكت), ويعتقد أن الاسم (تمبكتو) مشتق من دمج كلمتين اولاهما (بكتو) وهو اسم عجوز كانت تسكن المدينة, وكان الناس يتركون اماناتهم عندها حتى يعودوا , والكلمة الأخرى هي (تين) وتعني نسبة المكان أو مملوكيته باللغة الامازيغية, فاشتهر المكان عندهم بــ (تين بكتو) ويقصد به المكان الذي تملكه بكتو أو تنتمي إليه, وعند الأوربيين هي المكان البعيد حسب ما تعرّف ذلك بعض قواميسهم.


       كانت (تمبكتو) ممراً للقوافل التجارية التي تحمل البضائع من افريقيا إلى اوربا وبالعكس بعد ان تأسست في القرن الثني عشر الميلادي, وبسبب اختلاط الناس من أمم مختلفة في تلك المدينة تشكّل مجتمعها من خليط القبائل العربية مع الامازيغ وقبائل السنغاي والفلاني وغيرهم, زد على ذلك من استوطنها قادماً من أوربا.


       ويحكى أن الامبراطور الذي كان يحكم المنطقة ذهب إلى الحج آخذا معه كمية كبيرة من الذهب, وكان يتصدّق بالمعدن الأصفر خلال مسيرته حتى اعتقد الناس أن هناك شجراً في تمبكتو وحولها يثمر ذهباً لفرط ما أعطى من الذهب, ولما وصل مصر واعجب بعمرانها استقدم معمارياً لبناء تمبكتو  فأعطاه مئتي كيلوغرام من الذهب لأجل ذلك, كما بنى الامبراطور مسجد جنغرابير فيها عام 1325م, وقد صنّفت اليونسكو المسجد في عام 1992م ضمن قائمة التراث العالمي.


       ومن ثمار ثراء تمبكتو وغناها المادي بناء مساجدها ومدارسها التي اكتظت بطلبة العلوم المختلفة حتى بلغ عدد طلبة العلم فيها (25000) طالب علم, احتضنتهم (180) مدرسة, زد على ذلك المساجد التي شيدها الميسورون من المسلمين هناك, فقد تبرعت امرأة ثرية ببناء مسجد عرف باسم (مسجد سنكوري) الذي أضحى معلماً اسلامياً يجتمع فيه طلبة العلوم الإسلامية والمعارف العامة فيما بعد, كما بنى رجل آخر مسجداً ثالثاً حمل اسم (مسجد سيدي يحيى), وقد شارك المسجد الثالث في تنشيط الحركة العلمية في تمبكتو, وحول هذه المساجد الثلاثة تكاثرت المدارس وامتلأت طلاباً نفقات دراستهم من أموال أوقفها الميسورون من أهل الخير والتجار والمحسنين على طلبة العلوم الدينية لتزدهر الحركة العلمية, وهكذا ازدهرت المدينة وازدهر طلب العلم فيها وأزداد طلابها وطلاب علمها, وذاع صيت جامعتها (سنكوري) وتسابق العلماء إليها من كل حدب وصوب حتى قيل أن العالم الإيطالي غاليليو غاليلي (1564م-1642م) مخترع التلسكوب قد درس في جامعة تمبكتو.


       خلفت تمبكتو تراثاً معرفياً هائلاً من المخطوطات المحققة وغير المحققة, فقد راجت تجارة الكتب والمخطوطات فيها خصوصاً في القرن السادس عشر الميلادي, وقد اثار تراثها المعرفي الغني اهتمام مكتبات عالمية مثل مكتبة الكونكرس الامريكي و مكتبة جامعة هارفارد, فنُسخت منها الكثير, ولا تزال سبعمائة الف مخطوطة في مكتبات تمبكتو غير محققة ومهددة بالاندثار.


       بدأ موقع المدينة العلمي والمعرفي بالتراجع بعد أن تعرّضت للغزو العسكري من قبل الفرنسيين سنة 1893م, وبقيت رهن الاحتلال حتى استقلّت عن فرنسا عام 1960م, ثم تعرّضت بعض قبور العلماء والأولياء فيها البالغ عددها 333 مرقد لتخريب التكفيريين, وهكذا تصارع تمبكتو من أجل البقاء, حتى قيل أن تمبكتو واحدة من أعرق المدن الإسلامية لكنها أكثرها فقراً[1].


 


 


[1] - مصادر المقال:



 

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الاول من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
15/06/2019
العدد الاول من مجلتي الافريقية

المجلة