حكيم من بلاد النوبة

31/08/2019


معتز محمد الكنعاني


 


    أهتم العقلاء بأهل الحكمة والخبرة والتعقّل, وتناقلوا الأقوال الحكيمة؛ لما فيها من دروس وعِبر تختزل التجارب, وتختصر الزمان وتوفر الاموال, فكتبت في ذلك المؤلفات, ونظمت الأشعار, ودونت الأقوال, وتفاخرت الأمم بحكمائها وأقوالهم, ونشرت كلماتهم, ولا تكاد تخلو أمة من الأمم من أهل حكمة ودراية, ولكنهم ليسوا على وزان واحد ومرتبة واحدة.


    و نريد أن نسلط الضوء على حكيم من إفريقيا, وتحديداً من بلاد النوبة, وهو الحكيم لقمان الذي ذكره القرآن الكريم بلفظ صريح, وأشار إلى أنه قد أوتي الحكمة من الله تعالى, وذلك في قوله عزّ وجلّ {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}[1], ومن المعروف أنه عاش في زمان نبي الله داود (عليه السلام), ومن المؤكد أنه قد تزوّد من علم النبيّ وحكمته؛ لأن النبي متصل بالسماء من خلال الوحي, فمن الواضح جداً أن النبيّ داوود عليه السلام أكثر علماً وحكمة, مع كون العطاء الإلهي لا يقتصر على الواسطة النبوية, فمن الممكن أن يتحقق العطاء الرباني للعباد بشكل مباشر من دون واسطة كما قال تعالى {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا}[2].



    ولقد ترك لقمان الحكيم وصايا في غاية الحكمة, اختار القرآن الكريم منها نزر يسير فعرضه وذكّر به كنماذج من وصايا لقمان لأبنه وهو يعضه كنحو من أنحاء التربية التي يجب على الوالدين القيام بها, وقد تصدرت موعظة الأمر بالتوحيد والتحذير من الوقوع في الشرك اهتمام القرآن الكريم فذكرها أولاً, فقال تعالى {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}[3].


    إن ذكر القرآن الكريم للقمان يجعل منه رجلا في غاية الأهمية؛ لذلك من الضروري جدا الوقوف عنده ودراسة مواعظه والتحقيق في أخباره؛ لأن التراث الواصل إلينا منه يعد تراثاً أخلاقياً صرفاً, كما يعد إسلامياً لأن القرآن الكريم هو الذي دلّنا عليه وأومأ إلى أهمية الرجل وحكمته, وكأن القرآن يقول : قفوا أيها البشر عند لقمان وانهلوا من حكمته إن كنتم للحكمة طالبين.


كان الحكيم لقمان من بلاد السودان, وكان حكيماً بلا خلاف في ذلك, ولكن اختلفوا في كونه نبياً أم لا, والأكثر على عدم كونه نبياً, فهو عارف حكيم مصاحب للنبي داوود عليه السلام.


    وما أكثر العبر في بلوغه هذه الدرجة الرفيعة التي جعلت منها مذكورا في القرآن الكريم مع أن هناك عشرات الآلاف من الأنبياء لم يذكروا قط, ولعل أبرز عبرة نستفيدها من ذلك كون الطريق إلى الله عزّ وجل مفتوحاً للجميع وبلوغ المراتب الرفيعة والدرجات العليا لا حظر فيه, فالمؤمن الراغب بالفوز بالقرب الإلهي لا يمنعه من ذلك مانع ولا يصده شيء, فهذا لقمان قد وصل درجة رفيعة, الله أعلم بها, ويكفي أنه مذكور في القرآن الكريم وموسوم بالحكمة رغم عدم كونه نبياً.


    ويقال "كان لقمان عبدا أسود غليظ الشفتين, مصفح القدمين, فأتاه رجل في مجلس ناس يحدثهم, فقال له: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم, قال فما بلغ بك ما أرى؟ قال [لقمان الحكيم]: صدق الحديث, والصمت عمّا لا يعنيني"[4], مما يشير إلى مجاهدته لنفسه وتربيته لها ومن ابرز ما حمل نفسه عليه قلة الكلام ودوام الصدق.


    وقد نقلت عن لقمان حكم كثيرة منها, (إن الشرك لظلم عظيم), وقوله (أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر وأصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور), وقال (وأقصد في مشيك وأغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير), ونقلت عنه حكمة كانت منقوشة على خاتمه وهي قوله (الستر لما عاينت أحسن من إذاعة ما ظننت)[5] , ولم تزل أقوال لقمان الحكيمة تذكر في الكتب رغم ما مرّ عليها من القرون المتمادية؛ لأن القرآن الكريم قد خلّد ذكر قائلها.


 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] - سورة لقمان: 12.


[2] - سورة الكهف: 65.


[3] - سورة لقمان: 13.


[4] - وصايا لقمان, عادل الغرياني, شبكة الألوكة: ص4.


[5] - ينظر: المصدر نفسه, ص22

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثاني من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
20/07/2019
العدد الثاني من مجلتي الافريقية

المجلة