وقوع زنجبار في الأسر بعد تحرر عبيدها من الرق 1897م

28/04/2019


 الباحث: معتز محمد الكنعاني


في أوائل القرن التاسع عشر كان شرق إفريقيا يعد مصدراً من المصادر الرئيسية لتجارة الرقيق, وكان هناك مركزان تنشط فيهما تجارة الرقيق هما كلوة وزنجبار[1], وكانت كلوة الميناء الأول والرئيسي في تصدير الرقيق, بينما تعد زنجبار الميناء الرئيسي للاستيراد من داخل القارة الإفريقية.


كان سكان زنجبار ينقسمون على أربع مجموعات عرقية, وهي: أوربية وهندية وعربية وإفريقية, وكانت هناك نسبة كبيرة من الأرقّاء, فحسب تقديرات سنة (1895)م كان سكان زنجبار (208700 ) نسمة وفقاً للتقارير البريطانية[2], وكان ثلثي السكّان من الأرقّاء, أي حوالي(140000), وكان معظمهم يعملون في زراعة القرنفل.


كانت تجارة الرق تمارس في معظم بقاع العالم, وفي مطلع القرن التاسع عشر ظهرت تيارات فكرية وسياسية, واقتصادية تدعو إلى تحريم الرق والاتجار به, وكان لهذه التيارات الفكرية أثر في الميدان السياسي, فبعد أن قامت ثورة (1789)م في فرنسا أعلنت الثورة مبدأ حقوق الإنسان, وانتصرت فكرة التحرر والإعلان عن جميع المقيمين في المستعمرات الفرنسية مواطنون فرنسيون أحرار مهما كانت الوانهم, وفي ميدان الاقتصاد دعا (آدم سمث وجون ستيوارت مل)[3] إلى تحرير الرقيق, مستندين على فكرة تربط بين الحرية وغزارة الانتاج, فالحرية تعطي الاستقرار, والاستقرار يعطي الانتاج الأغزر[4].


وفي بريطانيا كان لانصار الانسانية دور في حثّ الحكومات البريطانية المتتالية على تشريع قوانين لتحريم تجارة الرقيق والقضاء عليها, كما قام الانسانيون بدور فعّال في محاربة الرق في بلدان مختلفة منها القارة الإفريقية بأسرها[5].


   وفي آخر المطاف تكللت جهودهم بالنجاح في عام (1807) م فأصدرت الحكومة البريطانية مرسوماً يقضي بتحريم تجارة الرقيق في بريطانيا, وفي عام (1811) م صدر مرسوم آخر يدعم المرسوم السابق باعتبار المتاجرة بالرقيق جريمة يعاقب عليها القانون, وبعد ذلك بـ (22) عاماً صدر مرسوماً بتحرير العبيد في جميع المستعمرات البريطانية, وأعتبر الرق ملغياً بموجب المرسوم[6].


لقد كانت البواعث الاقتصادية واضحة لتجريم الاتجار بالعبيد, بل أخذت بريطانيا بإبرام المعاهدات الكفيلة بتحريمه, ولمّا تحوّل المجتمع الأوربي إلى مجتمع صناعي يعتمد على المكننة زالت الحاجة للرقيق للعمل في المزارع, كما كانت بريطانيا ترغب بضرب اقتصاد امريكا وخصوصاً الجنوبية من الولايات المتحدة؛ لأن الأخيرة كانت تعتمد على الرقيق بشكل أساسي في الزراعة, فإذا تمكنت بريطانيا من إحداث ثورة ضد الرق عندئذ تنجح في ضرب الزراعة في الولايات المتحدة وبذلك توجه ضربة قاصمة للاقتصاد الأمريكي, وهكذا ضربت بريطانيا عدة عصافير بحجر واحد, فقد ضربت منافس اقتصادي, ووقفت إلى جانب الإنسانيين, وكسبت تأييد جمهورها في الداخل البريطاني, وأكتسبت سمعة ريادة محاربة الرق في العالم, زد على ذلك محاربة منافسيها بتجارة الرقيق كفرنسا, وإيجاد مبررات للتدخل في السياسي في إفريقيا وهو محاربة الرق فيها!, وبات طالبي العمل بالأجر أكثر من ذي قبل, فانخفضت اجور العاملين, وهكذا استطاعت الاستفادة من الايدي العاملة في الصناعة بأقل ما يمكن من الأجور[7].


وكان شرق افريقيا يعد ميداناً رائجاً لتجارة الرقيق من جميع الجنسيات, وبسبب العلاقات القوية التي تربط سعيد بن سلطان البو سعيد[8] (1806-1856) بالحكومة البريطانية واعتماد السلطان عليها في حمايته ودرء الاخطار الخارجية والداخلية عنه, فإن بريطانيا نجحت في اقناعه ليوقع معاهدة لإلغاء تجارة الرقيق, كما نجحت في توقيع اتفاقيات مع خلفائه, وهكذا نجحت سياسة بريطانيا في مكافحة الرقيق لإحداث تدخل في شؤون زنجبار الداخلية, ومن ثم محاصرة السفن البريطانية لزنجبار لتفتيش السفن؛ للتأكد من تنفيذ الاتفاقية !, وهكذا تحررت زنجبار من قيد عبودية الرق, لكنها وقعت في اسر بريطانيا.


 


[1] - كانت جزيرتي بمبة و زنجبار سلطنة عربية محكومة من قبل البوسعيديين تسمى بـ(سلطنة زنجبار), وبعد سيطرة بريطانيا عليها أعلنتها الأخيرة محمية في نوفمبر 1890م , وفي ديسمبر 1963م نالت استقلالها, لكن ثورة داخلية اطاحت بالحكم العربي, أما الآن فهي جزء من جمهورية تنزانيا وذلك بعد أن اتحدت مع البر الإفريقي (تنجنيقا).


[2] - حسب تقديرات 1895م كانت المجموعات السكانية كالآتي: عرب 4000, اوربيون 200, هنود وآسيويون من غير العرب 7500, سواحيليون من غير العرب (أحرار) 30000, وعبيد محررون 27000, وعبيد 140000. المصدر: Great Britain: Government Puplication parlimentry papers (hereafter cited as p.p) 1895. P.176.


[3] - من علماء الاقتصاد.


[4] - ينظر: عبد السلام الترمانيني, الرق ماضيه وحاضره, سلسلة عالم المعرفة, المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب, الكويت, نوفمبر 1979, ص:161-165.


[5] - ينظر: شوقي الجمل, تأريخ كشف افريقيا واستعمارها, القاهرة, مكتبة الانجلو المصرية 1971م, ص: 133.


[6] - ينظر:



  1. Coupland. East Africa and its Invaders: Ffrom the Earliest Times to the Death of Seyyid Said in 1856 Oxford: Clarendon Press. 1939.P.186.


[7] - ينظر: احمد ابراهيم ذياب, لمحات من التاريخ الافريقي الحديث, الرياض, دار المريخ, 1981م, ص: 99-100؛ ينظر أيضاً: عبد الملك خلف التميمي (بريطانيا وتجارة الرقيق في منطقة الخليج العربي, 1820م- 1929م) المجلة التاريخية العربية للدراسات العثمانية, العدد الأول, يناير, 1990م, ص: 75.


[8] - سلطان زنجبار.

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثاني من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
20/07/2019
العدد الثاني من مجلتي الافريقية

المجلة