أفريقيا وتاريخها (ماما إفريقيا وضرورة إعادة كتابة التاريخ)

18/03/2019


 بقلم: د. محمد المختار جي*


       إنّ التاريخ هو الوعاء أو المرآة الوحيدة التي تعكس تراث الأمم وحضارتها، وهو الديوان الذي تكتب فيه وقائع الأمة وأحداثها، كما يسجل فيه علماؤها وعظماؤها وعباقرتها الذين حقّقوا إبداعات وإنجازات. وإن المتتبع للدراسات التاريخية حول ماما إفريقيا يلاحظ فيها كثيرا من مظاهر التزييف والتحريف والتدليس أُرتكب في حقّها من قبل كتاب أجانب خارج الإطار أو الصندوق فكانت هذه الكتابات مؤطّرة بأوهام وخرافات بعيدة عن الواقع والحقيقة. ويبدو أنّ المؤرّخين العرب هم أوّل من سلّطوا الأضواء في تدوين تاريخ إفريقيا وإن كانوا قد اجتهدوا، إلّا أنّ معظمهم وقعوا في مغالطات وأخطاء تاريخية في مصنفاتهم، وسردوا روايات وحكايات إلى الخيال والوهم أقرب منهما إلى الواقع، فخلطوا وحرّفوا أسماء وألقاب الأفارقة الأعاجم والمدن التي يصعب تمييزها، فاختلط الحابل بالنّابل والغثّ بالسمين، فالمؤرّخ الحقيقي هو رجل المختبر وينبغي أن يتحرّى مصادره ووثائقه ليتمكّن من تأسيس أحكامه بطريقة سليمة دون التأثّر في كتاباته بالمؤثّرات الأيديولوجية أو الأحكام المسبقة، وأن لا يقبل أو يصدّق كلّ مقولة أو مصدر بغير الدرس والتمحيص أو الاستقراء.


       وقد أتى فبما بعد المؤرّخون الغرب المستفرقون الذين كانت لهم أجندات سياسية استعمارية ممنهجة ونظريات استعلائية عتصرية وأهموا أنّ شعوب العالم تنقسم إلى صنفين :


صنف متقدّم منتج، وهم سكان النصف الشمالي من الكرة الأرضية أصحاب العيون الخضراء والشعر الأشقر.


صنف آخر متخلّف مستهلك، وهم الزنوج سكان إفريقيا.


 


        وكانت دراساتهم تعتمد على معارف ونظريات أيديولوجية غير علمية سادت في أذهاننا عبر مخطّطات ومناهج عهود الاستعمار لخدمة فلسفته وأهدافه الاستحواذية والعتصرية، وقدّم هؤلاء الغرب المستفرقون في تاريخ أفريقيا أطروحات مشوّهة تصبّ في خدمة الاستعمار والاستحمار واصفة القارّة بقارّة الهمجية و الوحشية، قارّة لا ثقافة لها ولا حضارة، وأنها على هامش السّيرة ، جاهلين أو متجاهلين أنّ أفريقيا مهد الإنسانية وقد ولدت حضارات وحضارات.




        يقول المؤرّخ الزمبابووي سامكانج :”قارّة إفريقيا كانت حتى عام 200 قبل الميلاد القارّة القائدة في العالم وفقدت مكانها بعد أن قادت العالم ستة آلاف سنة .


       شهدت ماما إفريقيا عدّة حضارات راقية ومتقدّمة تمثّلت في حضارات الحبشة والفراعنة وحضارات السودان إضافة إلى ممالك وامبراطوريات ذات تاريخ مجيد وتليد مثل ممالك غانا ومالي وسنغهاي وممالك تكرور ظهرت في غرب إفريقيا في القرون الوسطى أيام كانت الدول الغربية في سباتها العميق وتبحث عن الذات والكينونة. فتمبكتو كانت درّة الحضارة الإنسانية، وجدت في أحضانها حوالي (200000)مخطوطة قديمة كتبت بخطّ يدوي على درجة عالية من الجودة والامتياز، فالذاكرة الإفريقية لم تكن فحسب شفوية، بل كان للقارّة تراثا ثريا رائعا أذهل كثيرا من العلماء والباحثين المنصفين.


       برز أيضا في الساحة الإفريقية علماء ومفكرون وأسماء لامعة ساهمت في بناء الحضارة الإنسانية وذلك من خلال إنتاجاتهم القيّمة، لكن مع حضور الاستعمار أتلف تلك الكنوز الثمينة ومنع ظهورها على السطح وذلك بسياسته القذرة، سياسة القمع والسطو وطمس الحقائق.


       وعليه فقد آن أوان التعمق في دراسة أفريقيا الماضوية والتوجّه نحو البحث الجاد والتنقيب في آثارنا وتراثنا، وإعادة كتابة التاريخ وصياغته بمنهج علمي موضوعي وأكاديمي حتى تستفيد منه أجيالنا في الحاضر والمستقبل ويعرف الأفارقة حقيقة تاريخهم الصحيح النقي من الشوائب والأوهام.


—————————————


* الدكتور محمد المختار جي، باحث في الحضارة الإسلامية والشؤون الإفريقية


 

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثاني من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
20/07/2019
العدد الثاني من مجلتي الافريقية

المجلة