التصالح والتسامح بدل العنصرية

09/05/2020


معتز محمد الكنعاني


      تخلصت اوروبا من بعض مظاهر التخلف المدني, لكنها لم تستطع التخلص من مظاهر أخرى كما في قيمة المساواة, إذ لا تزال هناك نظرة اوروبية عنصرية للبشرة السمراء, وكلما حاول البعض تجميل الصورة الأوربية لفترة من الزمن جاءت تصريحات او تصرفات عنصرية اسقطت التجميل الذي وضعه الإعلام ليبدو الوجه القبيح القابع خلف ستار  صنعه التظليل.


      ففي ذات الوقت الذي يعاني فيه العالم من جائحة فيروس كورونا التي أثارت مشاعر الانسانية عند بعض الناس بسبب الخندق الواحد , نسمع تصريحات عنصرية تدعو إلى تجربة لقاح جديد في افريقيا صدرت من أطباء فرنسيين(1), فهل وجدت افريقيا لخدمة الفرنسيين في كل ما احتاجوا إليه ؟! , كالمجوهرات ومناجم المعادن, وإن أرادوا تجربة دواء أو لقاح جرّبوه بلا خجل او وجَل على أصحاب البشرة السمراء! , زد على ذلك التجاهر بالتصريح بتلك الرغبة الكاشفة عن العنصرية المتأصلة في القارة العجوز منذ قرون.


      لقد تسببت العنصرية الأوربية تجاه السود بمآسي لا حصر لها من جراء السيطرة على القارة الافريقية واقتياد رجالها آسرى الى اسواق الرقيق في انكلترا وهولندا والبرتغال وأمريكا للاسترقاق والعمل والقتال احيانا كما حصل في الجنوب الامريكي عندما قاتل السود مع الامريكيين الجنوبيين ضد الشماليين, وعند السلم تجدهم عمّال مملوكين تزهق أنفسهم في مزارع القطن إن لم تزهق في القتال.


      ولم يكتف الاوربيون بفعل تلك المآسي وإن منعهم النظام العالمي الجديد, فهناك ثمّة مخارج للتخلص من وصمة استرقاق السود بالخروج من الباب والدخول من الشباك, كالاعتذار من جهة وشفط المعادن الافريقية من جهة اخرى , وإلقاء النفايات النووية فيها وتجربة اللقاحات والأدوية المستجدة أيضاً , وفي نفس الوقت يرددون "انتهى زمن الاسترقاق" مع كل هذه الخروقات, فهل بقي شيء ليتم الاسترقاق بالمعنى المتعارف أم على اوروبا ان تعمل ما يسئ للأفارقة مجددا ؟!.


      إنها العنصرية التي تسري في دماء القارة العجوز , فهل من سبيل للتخلص من وصمة العنصرية, أم ان حسد العجوز للسمراء يسيطر على مزاجها وهواها ؟! , فلعل هناك فرصة للتصالح مع قيم الانسانية النبيلة بعد ان أحدث هجرانها جروحاً عميقة الغور في قلوب الافارقة المعاصرين لمآسي أسر الأحرار والأجيال اللاحقة.


إذ تزداد فرص التصالح والتسامح في ظل انتشار فيروس كورونا المستجَد التي جعلت احتياج الشعوب لبعضها البعض أمر حتمي, وحينئذ سيكون تقديم المساعدات الطبية سبباً لفتح صفحة بيضاء جديدة تخلو من ظلم الماضي, ومن الراجح ان يستقبل الافارقة تلك المساعدات بمزيد من الامتنان والاعتراف بالجميل والترحيب البالغ حداً لا يبلغه في اوربا.


      وقد يكون التسامح والتصالح بين شعوب أوغر ظلم الطاغين صدورها سبباً لتصالحٍ عالميٍ يقدّم فيه الميسور ما يجد للمعسر, فتذوب شحناء الماضي وأحقاد العقود السالفة, وليس ذلك أمراً مستحيلاً أو بعيد المنال, وليس له تكاليف باهضة مقارنة بعوائده الإيجابية على شعوب العالم المتصالحة, بل على العالم أجمع, ومن عوائد التقارب والتآلف بين شعوب العالم زوال كل الأعمال الإجرامية التي تحدث بسبب الاحقاد العنصرية والعصبية, كما يمكن ان يقدم كل شعب للآخر نتائج تجاربه الناجحة في المجالات التي تقدّمَ وقطعَ فيها شوطاً كبيراً, وستقابل مثل هذه المبادرات بالخير الوفير.




      انها لانعطافة تاريخية في العالم –إن حدثت المصالحة العالمية- ففي ذات الوقت الذي تمر به شعوب العالم بظروف عصيبة ومقلقة تكابد فيها معظم الدول دفاعاً عن النوع الإنساني, ويظهر العجز البشري بكل ترساناته الاقتصادية والتكنولوجية, وتصاب الحضارة المدنية المادية بالشلل أمام مخلوق لا يرى بالعين, وتحبس معظمها الانفاس متوقعةً انعطافةً عالمية مؤكدة أن ما بعد كورونا ليس كما قبله, وعندئذ تبرز الحاجة لهمّة انسانية في التصالح العالمي والأخلاق البشرية التي تراجعت كثيراً, فتغدو طالبة الغفران من خالقها ورازقها الذي حَلُمَ عنها وأعطاها فرصة العودة إلى قيم الخير والألفة والمحبة وفضائل الاخلاق.


 

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثالث من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
30/01/2020
العدد الثالث من مجلتي الافريقية

المجلة