دروس رواندا

08/04/2019

 


بقلم الباحث: م.م معتز محمد الكنعاني


لا تستطيع ذاكرة الانسانية أن تنسى فاجعة الإبادة الجماعية التي حدثت في رواندا[1] قبل ربع قرن, إذ قامت قبائل الهوتو بإبادة جماعية لقبائل التوتسي خلال مائة يوم تقريباً, راح ضحيتها ما يقرب من ثمانمائة الف شخص, في فاجعة قلّ نظيرها في التأريخ لو لحظنا العدد الهائل للضحايا, والفترة الزمنية القصيرة للمجزرة, خصوصاً إذا استثنينا الإبادة بالأسلحة غير التقليدية كالقنابل الذرية كما فعلت امريكا في هيروشيما وناكازاكي في اليابان.


 


لكن رواندا نفضت عنها غبار الأحزان, فأمست اليوم وجه افريقيا المشرق, وقبلة الحداثة والمدنيّة؛ لِما طوت من مراحل متقدمة في العمران والتطوير والتنمية, أما كيغالي التي وارت في تربتها قرابة مئتين وخمسين الف رفاة من ضحايا المجزرة فقد عادت تبتسم من جديد, وتكظم حزن الماضي, وفي ذات الوقت تستبدل سرابيل الأسى بلباس الأمل, والثقة, والطموح لمستقبل أفضل.


روحية رواندا الشبابية القلب لم تدع مجالاً لتسلل اليأس, ولم تترك نافذة يدخل منها الإحباط إلّا أوصدتها, ولم تقف عاجزة عن تحقيق طموحها في التقدم والتنمية, والسير بخطى حثيثة نحو الأفضل, كأنها تلقي دروساً على عالمٍ مليء بالإحباط واليأس, عالم صرعته الكآبة ونال منه البؤس, وكأنها تخاطب أمماً رقدت بسلامٍ مستسلمةً لمصيرها المحتوم, بعد أن ذاقت مختلف الويلات, وعانت من دواهي المصيبات.


 فهل ستنجح المعلمة رواندا في انقاذ الأمم المحبطة من احباطها, والنائمة من سباتها, والمستكينة من ضعفها, والقلقة من ترددها, فتنفخ فيها روح الحياة والأمل, والإصرار, والعزيمة, والتوكل, وقوة الإرادة ؟!, لقد أبلت المعلمة بلاءً حسناً, وبالغت في النصيحة, وعلى تلاميذها العاكفين على مآسي الماضي أخذ الدروس والعبر؛ ليقطعوا سلاسل الماضي, ويلقوا عن جنباتهم الإحجام, والخوف من الإقدام, والارتهان بالتجارب السوداء, فيعودوا للحياة بعد الممات.


ولم تنس معلمتنا تذكيرنا بدرسها الأول الذي خصّت به المسلمين وإن نسيناه نحن, فهل تتذكرون ؟!, لقد كان بعنوان "المسلمون الروانديون لم يقتل بعضهم بعضاً", فعندما حدث الصراع القبلي, لاذ المسلمون ببعضهم وإن اختلفت قبائلهم, بل وإن كانوا ينتمون إلى القبائل المتناحرة, باذلين الأمان لبعضهم البعض ومضمدين الجراح, ومقدمين المأوى والطعام, حتى إذا انقضت الأيام الحمراء, وسكنت السيوف أغمادها, وجفت الدماء, عاد المستجيرون إلى قراهم آمنين مطمئنين وإن ذرفوا الدموع واتشحوا بالسواد.


وفي مثل هذه الأيام تردف معلمتنا درساً جديداً بدروسها السابقة لم يكن بالحسبان, وهي ان يجتمع ثلاثون ألف شخص من انحاء العالم في كيغالي حيث تدفن مائتان وخمسون الف رفاة لضحايا الواقعة الأليمة؛ ليستذكروا آلام المعذبين, ويذكّروا بإن الأمل لم يمت وإن اشتد الألم, والهمم لم تذوي وتذوب وإن عظمت المرارة, فقبل ربع قرن كانت هنا مأساة وانتكاسة وحزن وأفول, اما اليوم فهو مختلف تماماً عمّا مضى, فالحزن قد انقضى, وعانقت كيغالي الشمس, وأصبحت مضرباً للأمثال, فهي العاصمة الأنظف في افريقيا إن لم تكن الأنظف في العالم, ولم يعجزها كثرة السكان عن احتضان الجميع في ضل اجواء من الألفة والتعايش السلمي.


ولم يتوقف ازدهار رواندا على العمران ونظافة المدن بل  هي محتفظة بروح طبيعتها النابضة بالحياة والتنوّع الإحيائي النادر في العالم, بل قد يقتصر وجود بعض الكائنات عليها دون غيرها, زد على ذلك الألف تل المفعمة بالحياة والخضرة, ومختلف انواع الحيوانات, مما يجعلها وجهة سياحية من الطراز الأول, يساعدها على ذلك بنى تحتية سياحية من فنادق ومطاعم ومسابح وحدائق ومحميات تشكل عامل جذب سياحي يوفر دخلاً وطنياً من العملة الصعبة.


وبعد كل هذا نتساءل هل حفظت المدن المنكوبة بالفتنة الدرس, لتنهض وتنفض غبار الماضي وتسير بخطى واثقة نحو المستقبل, فترتقي وتتقدم ويتعايش أهلها بسلام ووئام بعدما فرّق الجهل شملهم, ودقت الفتنة اسفينها بينهم, فيعودون متحابين, يبنون الوطن, ويشيعون السلام والألفة, ويجتنبون الاصغاء للأجنبي الراغب بثروات البلاد المنتفع من الفتنة ؟, هل ستنهض بغداد ودمشق وأمثالهما لتعانقا السماء, فهذه كيغالي تخبرنا بأننا نستطيع الوقوف من جديد مهما كانت الأحداث مأساوية[2].


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] - رواندا: حصلت على استقلالها من بلجيكا عام 1962, عاصمتها كيغالي, متوسط الدخل السنوي للفرد 220 دولار, متوسط العمر 39 عاماً للرجال، و 40 للنساء, لغات الدولة الرسمية ثلاث: كينيارواندا، والفرنسية، والإنجليزية


[2] -  مصادر المقال: https://www.swissinfo.ch/ara/%D8%AF%D8%B1%D9%88%D8%B3-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D9%85%D8%B0%D8%A8%D8%AD%D8%A9-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%80%D8%AF%D8%A7/3848328 , https://www.ar-traveler.com/10-reasons-for-tourism-in-rwanda.html .

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

اصدار العدد التجريبي من مجلتي الافريقية بعنوان (العدد 0)
تاريخ الاضافة
13/03/2019
اصدار العدد التجريبي من مجلتي الافريقية بعنوان (العدد 0)

المجلة