الصحة النفسية المرتبطة بكورونا

23/06/2020


معتز محمد الكنعاني


     لم تمر الأمراض والأوبئة في افريقيا مرور الكرام حتى بعد التعافي منها, وإنما كانت تترك ورائها معاناة نفسية لبعض المصابين ولعائلاتهم بسبب خشيتهم من وصمة عار تلحق بهم؛ لأنهم أصيبوا بمرض ما, مما يثير تساؤلاً عن تراجع مستويات الصحة النفسية المرتبطة بالإصابة ببعض الأمراض هناك, فعندما بدأ فيروس الايدز بالانتشار كان هناك قلق شديد من القيام بالفحص خوفاً من الوصم فيما لو كانت النتائج موجبة.


      واليوم بعد ان انتشرت جائحة كورونا هناك قلق من تراجع الصحة النفسية للمصابين او لذويهم, ونتيجة لذلك صدرت توصيات من المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية من شأنها التقليل من الإضرار النفسية الناجمة عن الإصابة بمرض كورونا.


     ومن تلك التوصيات ما ينبّه خطورة إلصاق المرض بعِرق محدد أو أو جنسية بعينها عند الإشارة إلى الأشخاص المصابين, وضرورة التعاطف مع جميع المصابين بمرض كوفيد-19 دون تفرقة , فجميع المرضى مستحقون للمساندة والتعاطف والرفق بهم, واغتنام الفرصة لتسليط الضوء على التجارب الإيجابية الباعثة على الأمل, مثل تجارب الذين واجهوا المرض وانتصروا عليه.


     ومن الضروري الاطمئنان على الأهل والأصدقاء والجيران عبر الهاتف, ومساعدة المحتاج منهم فالتكافل والتضامن يساعد على رفع الحالة المعنوية وطرد اليأس والإحباط, ولعل شعورهم بالسعادة من جراء السؤال عنهم يساعد على رفع المناعة لديهم ويسهم في تحسين صحتهم البدنية والنفسية.


     وفي سياق المحافظة على الصحة النفسية من المفيد تقليل الاستماع لأخبار انتشار المرض والأخبار السياسية لكونها تسبب التوتر في الغالب, فمن المؤكد أن متابعة أخبار انتشار الجائحة تؤثر سلباً على الصحة النفسية, بينما تكريم العاملين في القطّاع الصحي ومساندتهم أمر إيجابي لما فيه من رفع الروح المعنوية وتعزيز الإيجابية في تصرفات وعلاقات مقدمي الدعم, ويقلل الشعور بالضغط  والتعب[1].


     ولعل أبرز المخاطر النفسية التي تهدد الأفارقة المصابين بكورونا أو بذويهم هي الخوف, والعزلة, ووصمة العار بالإصابة؛ نتيجة الثقافة السائدة التي تحاصر المصاب بمرض معدي وتجعله في زاوية حرجة اجتماعياً, مما يجعل بعض المصابين بالمرض لا يطلبون المساعدة, وقد رفض بعض سكان القرى دفن من مات بسبب الفايروس خوفاً من انتشاره بينهم, ورفض ذوي أحد المصابين عودته إلى المنزل حتى بعد أن شفي تماما.


 


     ومع كل المخاطر التي ترافق كورونا في افريقيا هناك ثمة نقص مقلق في تقديم المشورة النفسية للمصابين الراقدين في العزل الطبي,  فهناك حاجة ماسّة إلى إنشاء مرافق عزل طبي تدعم احتياجات الصحة النفسية، وتضم أطباء ورجال دين وخدمات مجتمعية للصحة النفسية, بسبب تدهور الصحة النفسية للمصابين وذويهم, إذ يؤكد أحد الباحثين أن 50% من ذوي المصابين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب, وفي نفس الوقت هناك نقص شديد للعاملين في القطّاع الصحّي المتخصصين في الصحّة النفسية, ووفقًا لإحدى الدراسات يوجد في أفريقيا 1.4 عامل في مجال الصحة النفسية لكل 100 ألف نسمة، مقارنة بالمتوسط العالمي الذي يبلغ تسعة عاملين, مما يعكس تدهور النظم الصحية وتعثرها في العديد من البلدان ألإفريقية وهذا يدفع الصحة النفسية إلى أدنى مستوى بسبب ضعف الاهتمام, ومن تداعيات ذلك حدوث خلل في أكثر من قطّاع منها التعليم وتراجع التأهّب لمواجهة التحديات الصحية الجادة والخطيرة[2].


     ومن المؤكد أن افريقيا لما بعد كورونا ستختلف كثيراً عما كانت عليه قبلها, إذ يشير الباحثون إلى تغيّرات جذرية على أكثر من صعيد, بعضها في القطّاع الصحي لبعض البلدان التي فيها ثمة تراجع  وعجز عن مواجهة الجائحة, وقد تُكرّس كورونا ما يصطلح عليه بالدولة الفاشلة, وتوفر أرضية خصبة لفساد مالي جديد يتذرّع بالمرض لتبرير العجز الاقتصادي والمالي.


 ___________


 


[1]  http://www.emro.who.int/images/stories/mnh/documents/ar_mental_health_considerations_covid_19.pdf?ua=1&gclid=EAIaIQobChMI993JjMfC6QIVi813Ch0JpwruEAAYASAAEgJNn_D_BwE


[2]  https://www.scidev.net/mena/health/news/africa-not-ready-covid-19-mental-health-issues.html?__cf_chl_jschl_tk__=516eb62725ae08de18498c03d6a2bc89a7bd730b-1589981655-0-Ae5zeF4Sd1W1nnZwOgtFMkvs8eTiXjcF29jagJZ09APDtcLYvB1UocAmgGeKh6OtHpa5ExNFOJdzwN2VDSW-oIFae9gH369UeiWDm8W_8wta7OnvDD00g5AqLuBosKkwAku3C5DFIaKfKK08ddoejrumJSykAwGjkyCn_Fy7yjAPydfrjGGQoVInAHFLFIeYf600S3gJYPJwZqju0_cqMeUAze-Ujy6cIIE0J7GVtZLRBOF3lnKTvlPpdO4DUbdzLHaPddsahHSXAjVXJ7LwXSh0SEkJXsk69hDBT0o94IeQIdUHUrXniqs89eiG41R_PDX0RRHwEmDg6vRMraRCnWnbcdo4h3EOhveGfAayU-AG

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الرابع من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
08/07/2020
العدد الرابع من مجلتي الافريقية

المجلة