الراديو في زمن احتلال انغولا

15/12/2019


معتز محمد الكنعاني


عندما كانت الدول الافريقية تحت الاستعمار كانت تتعرض شعوبها لمضايقات قسرية ظالمة ليس لها مبرر عقلاني غير نَهَم المستعمر للتملّك وحب السيطرة الطاغي على حدود الشرائع والقوانين, والرغبة في امتلاك الحجر والبشر.


فقد كانت تعاني دول أفريقيا من شتى المعاملات الظالمة من المحتلّين, ومن تلك الدول  انغولا في زمن الاستعمار البرتغالي, فما كانت تكابده لا يختلف كثيراً عن المعاملة الجائرة التي تعرضت لها شعوب الشرق الأوسط من طغاتها, ولم يكن لتلك المعاملة مبرر أيضاً سوى غباء الحكّام الذي مضوا واللعنات تلاحقهم بسبب ذكريات مأساوية تركوها لشعوبهم, وعلى نفس خطاهم تسير بعض الأحزاب الحاكمة هنا أو هناك.


فعندما كانت انغولا تحت الاستعمار البرتغالي كانت هناك حركة وطنية تدعو للتحرر من سطوة احتلال البرتغاليين, من خلال اصوات اذاعية ناطقة باسم دعاة الاستقلال أو مؤيدة لهم, ويعتبر الاستماع لتلك الإذاعات مخالفاً للقانون الذي يفرضه المحتل, فإذا وجدت الشرطة من يستمع لتلك الاذاعات فإنه يعرّض نفسه للسجن(1).


وقد نشرت عن ذلك الاستاذة المشاركة "ماريسا ج.مورمان" في التأريخ في جامعة إنديانا عدة منشورات منها مقالاً يؤرخ لحادثة وقعت في انغولا تحت عنوان "انغولا: الراديو كشكل من أشكال الكفاح؛ مشاهد من العصور الاستعمارية المتأخرة" مؤرخة لواحدةٍ من ليالي أغسطس في سنة 1976م في قرية مونغو في وسط أنغولا, إذ دخل المسؤول الاستعماري المحلي في حانة لشراء السجائر, فلاحظ أنظار الحاضرين تحاول إخفاء أمرٍ ما, فأنتبه للصوت الصادر من المذياع المعارض للإحتلال البرتغالي, فقام أنتونيو فرانسيسكو دا سيلفا، بتغيير المحطة, وبعد أن غادر المسؤول أعادوا ضبط الراديو على تلك المحطة التي تبث من أنغولا كومباتينتي (قتال أنغولا) تحت مسمى "إذاعة راديو برازافيل".


وكان المسؤول يستطيع سماع صوت المذياع وهو واقف في شرفته, فأبلغ الشرطة بذلك, وألقي القبض على الرجلين وصادروا الراديو المخالف لإرادة المحتل البرتغالي.


لم يكن سماع صوت اذاعة معارضة بحد ذاته دليلاً على الانتماء للمعارضة, ولذلك بحثت الشرطة عن دليل انتماء كل من "Chingualulo" و"da Silva" للمعارضة المتمثلة بالحركة الشعبية لتحرير انغولاً Combatente التي ترسل بثها الإذاعي من جمهورية الكونغو المجاورة لكن الشرطة لم تجد الدليل الذي تبحث عنه.


ورغم عدم وجدان الدليل على الانتماء للمعارضة إلّا أن الشرطة ادانتهما وكتبت نتائج التحري في وثيقة تقول "يستنتج أن المتهمين من انصار انغولا المستقلة, الذين يحاولون في الوقت الحالي إرضاء طموحهم من خلال ارسال بث برازافيل علناً".


مثل هذه القصة يوجد الكثير, وقد دونت الكاتبة تلك القصص في كتابها "ترددات قوية"(2) , فالمستعمر البرتغالي آنذاك فرض منع الاستماع ومتابعة اذاعات المعارضة وإصداراتها الصحفية, بينما كان الناس يتابعون بشغف كل ما يؤيد قضيتهم نحو الاستقلال, خصوصاً في فترة اندلاع الحرب ضد المستعمر البرتغالي من عام 1961 حتى عام 1974 , بينما وصفها المحتل بأنها "برامج إذاعية مناهضة للبرتغالية".


انقضت الممارسات القمعية التي مارسها الاحتلال مع انقضائه وزواله, بينما لم تزل معاناة الأفارقة تصدح بحناجر ملؤها الأنين من قسوة تلك السنين, وفراق الأحبة الذي قضوا نحبهم لإشباع رغبة المحتل بالتملك, تلك الرغبة الجامحة التي لم تكفها حيازة الذهب والياقوت والماس, وإنما تعدّت إلى أكثر من ذلك فاستولت على رقاب الناس.


ولمّا فقد المحتل السيطرة على الشعوب والأراضي المحتلة انسحب إلى أراضيه مرغماً, وعندئذ آمن بشعارات الحرية والانسانية والقيم البرّاقة التي تعكّز عليها ليتهم الآخرين بالقسوة والوحشية والاستبداد وسوء معاملة الشعوب؛ ويصف نفسه بكل وصف يلمع في هذه الأيام, فالمحتل بالأمس هو الانساني والحضاري اليوم, والمضطهد المسلوب آنذاك هو الجاهل المتخلف في هذا الساعة, ونسي أو تناسى السياسة الاستعمارية التي كانت وما تزال تفتك بالبنى التحتية بشكل مباشر أو غير مباشر كصندوق النقد الدولي وغيرها, دونما اكتراث من الجلّاد فلا يداوي المتبرقع بالإنسانية جراحا.  


  (1) أنغولا: الراديو كشكل من أشكال الكفاح ؛ مشاهد من العصور الاستعمارية المتأخرة, بقلم ماريسا ج. مورمان, نشر يوم الأربعاء ، 4 ديسمبر 2019 09:57https://www.theafricareport.com/20801/angola-radio-as-a-form-of-struggle-scenes-from-late-colonial-times/


(2) ماريسا ج.مورمان (استاذة مشاركة في التأريخ بجامعة أنديانا), ترددات قوية الراديو سلطة الدولة والحرب الباردة في أنغولا 1931 -2002م ,مطبعة جامعة أوهايو.


 

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثاني من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
20/07/2019
العدد الثاني من مجلتي الافريقية

المجلة