المدينة المفقودة بيتا ساماتي

19/02/2020

 


معتز محمد الكنعاني


 


     ينقّب علماء الآثار فيكتشفوا مدينة هنا ومدينة هناك, فيستخرجوا علوماً ومعارف أحيانا, وقد نستلهم مما كان تحت التراب حكمة نافعة فالحكمة ضالة المؤمن.


     فبعد اكتشاف علماء الأثار مدن حضارة (أكسوم) تبيّن أنها حضارة ذات قوة  تضاهي الامبراطورية الرومانية, إذ سيطرت (أكسوم) على مناطق شرق افريقيا, ولعلها تعتبر "أقدم مجتمع معقّد أو حضارة رئيسة في افريقيا .


      وآخر مدينة مكتشفة في اثيوبيا تنتمي لـ(أكسوم) هي مدينة (بيتا ساماتي)([1]), كانت مأهولة قبل أكثر من (14) قرناً من الزمان حسب ما تشير إليه فحوصات الكاربون, ورغم تنقيب فرق الآثار الغربية, إلّا أن (أكسوم) تعدّ غير معروفة بما فيه الكفاية.


تمتد سيطرة امبراطورية (أكسوم) من حيث الزمان ابتداءً من (80 ق.م) إلى (825م) , انتشرت خلال ذلك في أجزاء واسعة من القارة السمراء وبعض المناطق العربية, وخلال فترة ازدهارها تعد القوة الأولى في المنطقة والثالثة إلى جنب امبراطوريات الصين وفارس والروم.


     سبق حضارة (أكسوم) نشوء مجتمع يدعى بـ (ما قبل الأكسوميت), ولا أحد يعرف كيف تطور ذلك المجتمع حتى ولدت امبراطورية (أكسوم) التي عرفت الكتابة والعمارة, ولهذا السبب قام بعض المنقبين بمسح المنطقة المحيطة باحثين عن إجابات عن ذلك, وبعد مناقشات مع السكان المحليين, بدأ الفريق بالتنقيب في تلّة مجاورة فأكتشفوا بقايا مباني مشكلة شبكة من الجدران الحجرية, الأمر الذي أثار شغف الباحثين أكثر لكونهم لا يجدون ما ينقبون عنه في اليونان وروما بعد اكتشاف ودراسة معظم الأماكن الأثرية هناك.


 


     رجّح بعض الباحثين([2]) أن مدينة (بيتا ساماتي) كانت موجودة قبل (مجتمع ما قبل الأكسوميت) ؛ وذلك بالنظر لنتائج اختبارات الكربون المشع التي أظهرت عودة تأريخ المدينة الى الفترة التاريخية الواقعة من (771 ق.م) إلى (645م), مما يعني ان المدينة مأهولة بالسكان قبل قيام امبراطورية أكسوم وخلال فترة قيامها.


     وكانت لأكسوم ديانات متعددة متأثرة بتقاليد مملكة قريبة منها نسبياً, تسمى (سابا) التي كان مركزها اليمن اليوم, ولكن ملك (أكسوم) الذي يدعى (إزانا أكسوم) تحوّل إلى المسيحية, وهو ما يبرر وجود كنائس وقلادة ذات صليب في مواقع الحفريات.


     كما احتوت بيتا ساماتي على العديد من المباني الصغيرة, منها المنازل والورش, وهناك مبنى مستطيل كبير الحجم يدعى (باسيليكا) , كما عثر على خاتم مصنوع من النحاس مطلي بالذهب ويحمل حجر أحمر نقشت عليه صورة رأس ثور يبدو كأنه يتغذى على المزروعات, ولعل في ذلك (دلالة) لخصوبة المكان وغناه بالإنتاج النباتي والحيواني.



     يقول (هاروير) ان هذا الخاتم يشبه كثيرا الخاتم الروماني, ولهذا السبب يخمن (هاروير) أن حكام (أكسوم) ربما جلبوا الحرفيين الرومان وتعلموا منهم  تكييف التصاميم الرومانية لتناسب ثقافة أكسوم, ولعل (هاروير) نسي احتمالاً ثانياً وهو أن الرومان قد تعلموا من حرفيي (أكسوم) فهذا وارد أيضاً ما دام كل من امبراطورية (أكسوم)  و(الروم)  قد تعاصرتا زماناً, خصوصاً أن حضارة (أكسوم) كانت مصدرة لكثير من البضائع منها الذهب والعاج والأفيال والقرود([3]).


     هذه الحضارة وغيرها من الحضارات التي قامت وبلغت الذروة ثم أخذت بالتراجع والذبول والأفول والاندثار ولم تبقى سوى الآثار تعطي دروساً وعبراً منها أن ما نراه اليوم من حضارات تخطف العقول والأبصار, قد تتراجع وتندثر في يوم ما, فمن ارتفع بنيانه اليوم سينخفض في يوم ما, فلا ينبغي أن نؤمن ان من امتلك التكنولوجيا اليوم فقد امتلك الحقيقة كلها, نعم تطور في جانب من الجوانب ولكن هناك خللٌ في زاوية ما سيؤدي في يوم من الأيام إلى الأفول والذبول, كما هو الحال في الحضارة الغربية التي أضاعت قيمة العفة وكثير من القيم الأخلاقية الأخرى.


 


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


([1]) وهو ما يعني (بيت الجمهور) في لغة تيغرينيا المحلية.


([2]) Harrower &  philips من جامعة هوبكنز.


([3]) اقرأ المزيد: https://www.newscientist.com/article/2226803-lost-ethiopian-town-comes-from-an-ancient-empire-that-rivalled-rome/#ixzz6EDHIYLnA


 

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الرابع من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
08/07/2020
العدد الرابع من مجلتي الافريقية

المجلة