اخر التقارير


تقرير اقتصادي :التجارة الدولية والنمو الاقتصادي

ترجمة : دكتورة /  سلوى حجازى
دكتوراه الاحصاء قسم الاحصاء التطبيقى و الاقتصاد القياسى و باحثة اقتصاد جامعة القاهرة

 

العنوان الأصلى :
International Trade and Economic Growth: an Empirical Analysis of West Africa
المؤلف  : Abubakar Okuwa Abdullahi, Shuaibu Sidi Safiyanu, Tsalla Soja     
الناشر :  Journal of Economics and Finance (IOSR-JEF)
العدد و سنة النشر: Vol 7, Issue 2 , (Mar. - Apr. 2016), PP 12-15 

 

رابط التقرير :http://www.iosrjournals.org/iosr-jef/papers/Vol7-Issue2/Version-1/B07211215.pdf

 

--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 

ملخص:
 قامت عدة دراسات بمناقشة آثار التجارة الدولية على النمو الاقتصادي و كان لها نتائج متفاوتة و لكن فى هذه الدراسة تناقش تحليل العلاقة بين التجارة الدولية والنمو الاقتصادي في دول غرب أفريقيا خلال الفترة 1991-2011 وذلك بالاعتماد على البيانات الاطارية لعدد ستة عشر دولة من سبعة عشر دولة فى منطقة غرب افريقيا وقد توصلت الدراسة إلى أن الارتفاع بنسبة 1% فى الصادرات يؤدي إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.11%
ومن ناحية أخرى فقد اظهرت نتائج الدراسة أن الواردات لها تأثير إيجابياً على نمو الناتج المحلي الإجمالي. ولكن هذا التأثير ضئيل
كما اظهرت النتائج أن سعر صرف العملة الأجنبية له تأثير سلبي على نمو الناتج المحلي الإجمالي ولذلك فقد خلصت الدراسة إلى أن تأثير الصادرات على النمو الاقتصادي في دول منطقة غرب افريقيا تأثيراً إيجابياً و أوصت بأنه من الضرورى أن تسعى دول غرب أفريقيا إلى تشجيع المشروعات المحلية بغرض زيادة الصادرات الأفريقية وإحلالها محل الواردات.
خلفية الدراسة :
تعرف التجارة الدولية بأنها التجارة التى تمكن الدول من بيع ما لديها من السلع المنتجة محلياً إلى دول أخرى وهذا طبقاً لما أشار اليه (Abdullahi, Sokoto & Safiyanu) فى دراسة لهما قدمت عام 2013 لذلك فان التجارة الدولية يمكن ان تعرف بأنها شراء وبيع السلع والخدمات بين الدول بعضها البعض.
يعرف النمو الاقتصادي بأنه زيادة حقيقية في دخل رأس المال أو ما يسمى بالدخل الرأسمالى الذي يمكن أن يستمر على مدى فترة طويلة من الزمن، وهذا ما عرفه ((Clunnies فى دراسة قدمها عام 2009.
من المثير للاهتمام أن دول منطقة غرب أفريقيا هي من دول الاقتصاد الحر مع وجود نسبة كبيرة من الناتج الإجمالي التي تحددها المعاملات الدولية، كما أن التجارة الدولية تساهم فى زيادة سرعة النمو الاقتصادي من خلال عائدات النقد الأجنبي وتحفيز السوق وذلك وفقاً لما اورده (Adewuyi) فى دراسته التى اجراها عام 2002.
ومع ذلك، فإن الربط التجريبي بين التجارة الدولية والنمو الاقتصادي لا يزال غير واضح على الرغم من وجود العديد من الدراسات التي أجريت في منطقة غرب افريقيا و اسفرت عن ظهور نتائج متفاوتة وهذا طبقاً لعدد من الدراسات السابقة التى قام بها العديد من الباحثين مثل (Balassa, 1978; Bairam, 1988; Medina,2001; Usman, 2011).وغيرهم
وبالتالي، فإن الأسئلة ذات الصلة التي يتم التعامل معها أو معالجتها للتجارة الدولية هى :
    ما هو تأثير التجارة الدولية على النمو الاقتصادي في دول منطقة غرب أفريقيا؟
    ما هو تأثير كل عنصر من عناصر التجارة الدولية بمفرده على النمو الاقتصادي في دول المنطقة؟
وفقاً لماسبق ذكره فان هذه الدراسة تسعى إلى البحث فى تأثير التجارة الدولية على النمو الاقتصادي متمثلاً في ستة عشر دولة أفريقية من دول غرب افريقيا من بين سبعة عشر دولة فى المنطقة وذلك باستخدام بيانات اطارية خلال الفترة من 1991 -2011 وتحليلها احصائياً بالاضافة إلى تقديم توصيات بشأن السياسات المناسبة بناءً على نتائج الدراسة.
وسوف نقوم بعرض الأدبيات التى تعتمد عليها الدراسة من خلال عناصر رئيسية هى المفاهيم الأساسية و الاطار النظرى للدراسة واخيراً الأدلة التجريبية.

عرض الأدبيات
أولاً:  المفاهيم الأساسية
تعرف التجارة الدولية بأنها شراء وبيع السلع والخدمات بين الدول طبقاً لما ورد فى دراسة (Usman) فى دراسته التى قدمها عام 2011 وأن التجارة الدولية تمكن الدول من بيع ما لديهم من السلع المنتجة محلياً إلى الدول الأخرى وجاء ذلك فى دراسة ((Abdullahi وآخرون في عام 2013  في حين أن الدراسة التى قام بها (Clunnies) فى عام 2009 عرف النمو الاقتصادي بأنه هو الزيادة الحقيقية في دخل رأس المال الذي يمكن أن يستمر على مدى فترة طويلة من الزمن.
ثانياً:  الإطار النظري
الإطار النظري للدراسة و يعتبر بمثابة دليل لهذه الدراسة و هو نظرية النمو الداخلية، وفقاً لما جاء به (Romer) فى دراسته عام 1990 حيث أكد أنه بالإضافة إلى التبادل التجارى المباشر للسلع و الخدمات فان التجارة الدولية لها آثار غير مباشرة على النمو الاقتصادى من خلال نقل المعرفة فى مراحل الانتاج الى جانب المنتج فى التبادل التجارى ودعت هذه النظرية إلى استخدام المتغيرات الداخلية لتحفيز النمو الاقتصادى ضمن النظام الذي يشكل خروجاً كبيراً عن استخدام المتغير الخارجي وذلك في نظرية النمو الكلاسيكية الجديدة ، كما اكد على أن الدور المحوري للنمو الاقتصادى في نموذج النمو الداخلي هو التعليم و التدريب المهني وتطوير التكنولوجيا الجديدة للسوق العالمية. فمثلاً
إذا بلغت أنشطة البحث والتطوير قدر من النمو، فان تقدم التجارة الدولية سيكون منبراً للنهوض في المعرفة التكنولوجية للشركاء التجاريين، وعلاوة على ذلك، فان التجارة الدولية تسمح للمنتجات بالوصول إلى أسواق أكبر بالاضافة إلى انها تشجع التطوير في مجال الأبحاث و التنمية وذلك طبقاً لما قدمته دراسة اجراها (Abdullahi) وآخرون فى عام 2013 وجاءت النتائج بأن عيوب هذا النموذج هو أن النمو في نصيب الفرد من الناتج المحلى الاجمالى يميل نحو الصفر كحالة ثابتة
ثالثاً : الأدلة التجريبية
وفى دراسة اجراها(Balassa)  عام 1978 حيث اهتم فيها بدراسة إحدى عشرة دولة من الدول التي لديها قاعدة صناعية راسخة و توصلت نتائج الدراسة إلى وجود علاقة إيجابية بين الصادرات وبين النمو الاقتصادى وفي نفس السياق جاءت دراسة (Bairam) فى عام 1988 حيث قدم فيها فحص نموذج لدراسة عينة كبيرة من الدول المتقدمة و توصلت الدراسة إلى أن أداء النمو الاقتصادى في دولة ما يتم تعريفه من قيمة مرونة الدخل لكل من الصادرات والواردات، وفى عام 1972 قدم (Massel) دراسته التى تهدف إلى التحقيق في نمط النمو الاقتصادي في عدد من الدول النامية المختارة باستخدام أساليب الانحدار و توصلت الدراسة إلى عدة نتائج من اهمها ملاحظة وجود درجة عالية من الارتباط بين الصادرات والنمو الاقتصادى و قد اشارت النتائج إلى أن الدول ينبغي عليها استهداف التوسع في أنشطة التصدير بنسبة 2.5٪ وذلك من أجل الحصول على زيادة مقدارها 1٪ في الأداء
بينما قدم (Michaely) عام 1977 دراسة تضمنت التحقيق في درجة ارتباط بين معدل نمو الصادرات والناتج القومي الإجمالي و توصلت الدراسة إلى عدة نتائج حيث تبين وجود علاقة ارتباط قوية بين معدلات نمو الصادرات و بين الناتج القومي الإجمالي للاقتصاد بشكل خاص مع الدول ذات التجارب الناجحة فى النمو الاقتصادى.
 وفى عام 1990  قدم (Perraton) دراسة تهدف إلى تقدير نموذج لعدد من الدول مكون من تسعة وخمسين دولة من الدول النامية خلال الفترة 1970-1984 حيث وجد أن هذا النموذج يوفر درجة مناسبة من المعنوية بالنسبة لدول العينة
بالاضافة إلى ما سبق فهناك دراسة اجراها كل من الباحثين (concord & Bairam) فى عام 1988 حيث توصلت الدراسة إلى أن أداء النمو الاقتصادى في الدول يعتمد على مرونة الدخل لكل من الصادرات و الواردات.
ثم فى عام 2004 قدم (Wah) دراستة حيث تناول فيها تقديم تقرير عن الاقتصاد الماليزى على مدى العقود الأربعة الماضية خلال الفترة 1961-2000 حيث نما الاقتصاد الماليزي بمعدل متوسط 6.8٪ سنوياً، كما اكدت الدراسة على أن النمو الاقتصادى السريع قد حدث جزئياً وذلك بسبب النجاح في سياسة التصنيع الموجهه لتنمية الصادرات.
 فى عام 1998 قام (Edwards) بدراسة اوضح فيها ضرورة أخذ جميع العوامل الأخرى فى الاعتبار بما في ذلك تراكم رأس المال و نمو القوى العاملة فضلاً عن الاختلافات في مستوى التكنولوجيا كما أوضح أن الدول التى لديها درجات مرتفعة من القيود فانها تميل في المتوسط إلى النمو بوتيرة منخفضة اكثر من الدول التى تكون فيها درجات الحماية أعلى بمعنى كلما ذادت القيود تنخفض وتيرة النمو الاقتصادى.
وفي دراسة ذات صلة قام بها كل من الباحثين (Sachs& Warner) عام 1997 حيث تم تقديم نموذجاً للدول الأفريقية مع تقدير معاملات هذا النموذج و اوضحت الدراسة فى تقرير ذكر فيه أن القيود المفروضة على التجارة الدولية كان لها أثراً سلبياً على النمو الاقتصادى، وتوصلت الدراسة إلى أن عدم الانفتاح الاقتصادى كان المسئول عن أداء النمو الاقتصادي المحبط في دول أفريقيا جنوب الصحراء.
فى عام 1997 قدم (Krueger) دراسة مستخدماً فيها عينة مكونة من عشرة دول افريقية فى الفترة (1954-1974) مع استخدام معادلة الانحدار غير خطية لكل دولة من الدول المختارة حيث توصلت الدراسة إلى وجود ارتباط قوى بين كل من الصادرات والناتج القومي الإجمالي و امتداداً لهذه الدراسة جاءت دراسة أخرى قام بها كل من (Frankel & Romer) عام 1999 لتشمل دراسة 150 دولة في عام 1985 وتوصلت إلى أن الزيادة في مستوى دخل التجارة الدولية ناتج عن طريق تحفيز تراكم رأس المال المادي والبشري و زيادة نسبة رأس المال والانتاج، وهناك عدد كبير من الدراسات ومنها دراسة قدمها (Harrison) فى عام 1996 حيث قام باستخدام الحصص التجارية في الناتج المحلي الإجمالي وتبين من الدراسة وجود علاقة إيجابية قوية مع النمو الاقتصادى
أظهرت معظم الدراسات السابقة وجود أثار ايجابية للصادرات والنمو الاقتصادى ومن بين هذه الدراسات مما قدمه (Medina) فى عام 2001 حيث اثبت بالأدلة الواضحة صحة هذه العلاقة و التي كانت تستخدم لدعم فرضية أن الصادرات أدت إلى النمو الاقتصادى و كان ذلك واضح بدراسة بيانات القطاع المستعرض حيث أن الأدلة الأخيرة الناتجة عن تحليل السلاسل الزمنية كان يشوبها عدم التأكد حول الآثار الإيجابية للصادرات على النمو الاقتصادى فى المدى البعيد
بينما اكدت الدراسة التى قام بها(Oviemuno)  عام 2007 أن التجارة الدولية تعتبر محفز للنمو الاقتصادى في الدول النامية مستخدماً فى هذه الدراسة بيانات دولة نيجيريا فى الفترة (1960-2003) كدراسة حالة لاحدى دول منطقة افريقيا جنوب الصحراء وقد تم استخدام بيانات الصادرات و الواردات والتضخم بالاضافة إلى سعر الصرف وقد توصلت الدراسة إلى أن قيمة صادرات نيجيريا ومعدل التضخم لا تعمل كمحفز للنمو الاقتصادى في نيجيريا خلال فترة الدراسة.
و بالاضافة إلى ذلك فقد قام (Usman) بدراسة اجراها عام 2011 حيث تم استخدام طريقة المربعات الصغرى العادية لتقييم أداء التجارة الخارجية والنمو الاقتصادي في دولة نيجيريا، وتوصل إلى أن كل من الصادرات و الواردات وسعر الصرف لهم تأثيراً سلبياً على الناتج الحقيقي.
المنهجية المستخدمة
أولاً : طريقة تحليل البيانات
في تحليل مجموعة البيانات الاطارية المستخدمة والتى تم الحصول عليها من بيانات البنك الدولي وبيانات البنك الافريقي للتنمية خلال الفترة 2010-2011 و باستخدام البرنامج الاحصائيSTATA   الاصدار 10.0 وهو احد البرمجيات المستخدمة فى الاقتصاد القياسي، وفقاً لذلك ونتيجة استخدم اختبار (Housman) باعتباره أساس لاختيار النموذج المناسب فيمكن استخدام نموذج الآثار الثابتة أو استخدام نموذج التأثير العشوائي الذى تم تقديمه عام 2007 من الباحثين (Gujarati  & Sajeetha,). حيث تم رفض الفرض العدمى، واسفرت نتائج التحليل عن وجود علاقة ارتباط و بالتالي فان نموذج البيانات الاطارية ذات الآثار الثابتة يعتبر من أكثر الطرق المناسبة لتنفيذ تحليل العلاقة بين التجارة الدولية والنمو الاقتصادي والعكس صحيح.
ثانياً توصيف النموذج
 في تحليل العلاقة بين التجارة الدولية والنمو الاقتصادي فإنه يتم تحديد نموذج رياضي للانحدار المتعدد و هذا النموذج يأخذ الشكل التالى.
 GDP = βo + β1exp + β2imp + β3exr + μ
حيث ان
GDP يمثل الناتج المحلى الاجمالى الذى يعبر عن النمو الاقتصادى
exp يمثل الصادرات،                 imp يمثل الواردات،         exr يمثل سعر الصرف،
μ يمثل عنصر الخطأ العشوائي،        βo   يمثل ثابت الانحدار،    β1 يمثل معامل الصادرات،
β2 يمثل معامل الواردات،        β3  يمثل معامل سعر الصرف
حيث يوضح النموذج السابق ان الناتج المحلى الاجمالى وهو ما يعبر عن النمو الاقتصادى دالة فى كل من الصادرات و الواردات و سعر الصرف
GDP =f(exp,imp,exr)
ثالثاً : تقدير النموذج وتفسير النتائج
النموذج المناسب للتقدير هو نموذج الأثر العشوائي الذي يتبع قبول الفرض العدمى و رفض الفرض البديل وجاءت نتائج النموذج المقدر على النحو التالي
توصلت الدراسة إلى أن الزيادة فى الصادرات بمقدار 1% سوف يؤدي إلى زيادة في نمو الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 5.11% وهذا يعني أن الصادرات تؤدي إلى نمو الاقتصاد في دول منطقة غرب أفريقيا ومن ناحية أخرى فان الواردات كان لها تأثير إيجابى على النمو ولكن من الناحية الإحصائية فان تأثيرها على نمو الناتج المحلي الإجمالي جاء ضئيل بينما كان لسعر الصرف تأثير سلبي ولكن ذات دلالة إحصائية في نمو الناتج المحلي الإجمالي عند مستوى معنوية قدره 10% كما اظهرت النتائج أن إحصاء F هي ذات دلالة إحصائية، و قد استخدم الباحث مستويات مختلفة للتحقق من صحة النتائج حيث استخدم التحليل الاحصائى عند مستوى معنوية 1% ، 5% ، 10%
رابعاً : مناقشة النتائج
توصلت الدراسة إلى أن الصادرات لها تأثير إيجابي على نمو الناتج المحلي الإجمالي في دول منطقة غرب أفريقيا وقد جاءت النتائج متفقة مع توقع مسبق فى العديد من الدراسات مثل الدراسات التى قدمها كل من (Balassa) عام 1978،(Massel) عام 1972 ،(Michaely) عام 1977 بالاضافة إلى (Wah) عام 2004 واخيراً ما قدمه (Krueger) عام 1997 وقد توصلت نتائج الدراسات السابقة إلى أن الأثر الإيجابي والمعنوية الإحصائية لأثر الصادرات على النمو الاقتصادي فى الدولة ليس له صلة بنجاح الصادرات الموجهة لسياسة التصنيع.
من ناحية أخرى فان نتائج هذه الدراسة فيما يتعلق بالصادرات لا يتفق مع النتيجة التى جاءت بها بعض الدراسات السابقة مثل دراسة (Medina) فى عام 2001 والدراسة الأخرى التى قام بها (Oviemuno) عام 2007 ويليها دراسة(Usman)  اتى قدمت عام 2011 حيث توصلت هذه الدراسة إلى أن الصادرات لا تعمل كمحرك للنمو الاقتصادى فى هذه الدول، كما تبين أيضاً أن الواردات لا تحفز نمو الناتج المحلي الإجمالي في دول منطقة غرب أفريقيا.
وأخيراً النقد الأجنبي حيث اسفرت نتائج الدراسة عن أن سعر صرف العملة الأجنبية له تأثيراً سلبياً على نمو الناتج المحلي الإجمالي ولكن هذا التأثير ذات معنوية إحصائية عند مستوى 10٪  و ذلك في دول منطقة غرب أفريقيا.
خامساً : النتائج و التوصيات
وبناء على نتائج هذه الدراسة، فإن الدراسة توصلت إلى أن التجارة الدولية لديها تأثير إيجابي على النمو الاقتصادي في دول غرب أفريقيا، على وجه التحديد وان الصادرات هى العامل الوحيد الذي له تأثير إيجابى كبير بالنسبة للواردات وأسعار الصرف وهذا يدعم فرضية ان الصادرات تؤدى إلى النمو ااقتصادى.  
ولذلك ينبغي على دول غرب أفريقيا أن تسعى لترويج الصادرات وإحلالها محل الواردات مع تحرى الصدق فى هذا الغرض، أيضاً نظام تحرير سعر الصرف غير المنظم يجب أن يخضع للحماية مع وضعه في نصابه الذى من شأنه تحسين قيمة العملة المحلية مقارنة بالعملات الأخرى.

الديانات الأفريقية وتأثيرها على الحياة الاجتماعية للأفارقة

        جاء القرن العشرون بأفكار وحقائق جديدة ومغايرة عن الحياة الاجتماعية للأفارقة؛ فقد كان قبل ذلك ونتيجة لتأثير كتابات الرحالة والمستشرقين؛ توصف شعوبها وصفاً سطحياً؛ حيث دمغتهم بالهمجية؛ وهي سمة تتعارض مع الديانات التقليدية الأفريقية التي توحد بين الطبيعة والانسان، وتعتبره جزءً لا يتجزأ منها، وأنه يستمد وجوده من قواها؛ وذلك التعاطف بين الانسان الأفريقي وبيئته الطبيعية.
        وقد تنبه الكثير من الباحثين في الشئون الأفريقية إلى كون الدين هو العنصر الفعال في الحياة الاجتماعية الأفريقية، ويشكل جزءً لا يتجزأ من المجتمع الأفريقي؛ لذا كان محور إرتكازهم في الكثير من أبحاثهم. وقد سبقتنا أوروبا إلى الدراسات الأفريقية؛ ووضعت بناءً على ذلك تصوراً لسياستها.

الدين وعلاقته بالسياسة:
       دعا بعض المثقفين الأفارقة إلى النظر للتاريخ الأفريقي كإطار ملائم يتم من خلاله دمج القيم الأفريقية والمؤسسات في تركيبة مع الأسس الاقتصادية المتضمنة في نظريات التنمية المعاصرة. ويرى البعض أن دراسة التاريخ والثقافة الأفريقية يمكن أن تشكل دليلاً لمستقبل التنمية الأفريقية. وأن الأديان الأفريقية تشكل تضاريس ضخمة تتداخل مع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أفريقيا جنوب الصحراء. ووفقا ل " موريس دلافوس" مؤلف كتاب حضارات الزنوج في أفريقيا؛ فإنه لايوجد نظام سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي للقبائل في أفريقيا لا يستند على فكرة دينية؛ كون الدين هو حجر الزاوية فى ذلك النظام. وعلى خلاف الدول المتقدمة التى إستطاعت فيها قوى الحداثة فصل الدين عن النواحي السياسية الاجتماعية socio-political؛ ظل الدين كعنصر محوري فى الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في أفريقيا.
 
        ومن الصعب تعريف الدين في سياق الحياة التقليدية الأفريقية؛ حيث تتعدد الديانات التقليدية الأفريقية بشكل يصعب حصرها وتبويبها؛ إلا أنه يمكن رصد الكثير من العناصر المشتركة بينها؛ حيث أنها تلتقي كلها على أساس واحد هو عمق الاحساس بالروابط الوثيقة التي تربط المجتمع بالبيئة الطبيعية التى يعيش فيها. والطبيعة ليست مادة ولا روحاً؛ بل هي قوى حيوية هائلة. وأن التماسك الاجتماعى ومراعاة النظام والاشتراك في الحياة العامة، والطقوس الدينية، والمساواة المادية إلى حد ما كلها فروض مكفولة بسلطان القوى الحيوية. وأن أقسى مايصيب الفرد أن يطرد من الهيئة الاجتماعية للقبيلة؛ لأن قوته الحيوية مرتبطة بتلك القوة الحيوية من ناحية وبقوة باقي الجماعة من ناحية أخرى.
        وعند قبائل البانتو؛ التي تعد من أهم وأكبر الجماعات البشرية فى أفريقيا؛ فإن الشعائر والعبادات ماهي إلا وسائل تهدف إلى غاية واحدة هي تزويد الحياة البشرية بمدد من القوة الحيوية وضمان بقائها وكينونتها لأبعد مدى. وإرتباط السعادة والتعاسة بتلك القوة؛ ففي فقدانها التعاسة؛ فالإعياء والفشل فى العمل هي أعراض تدل على نقص هذه القوة.
          وقد أدركت الديانات التقليدية الأفريقية الكون على أنه وحدة واحدة لا تتجزأ؛ أساسها الأخوة الشاملة. ولا يوجد تمييز بين الطبيعة وماوراء الطبيعة، ولا بين المادة والروح.
وترى جميع المجتمعات الأفريقية أن الحياة هي المكون الكبير وأن الدين يتخلل جميع جوانبها، ووفقاً لهذا التفكير فإنه يوحد الأجزاء. وممارسة الشعائر الدينية والحياة اليومية، يسيران جنباً إلى جنب. وعلى هذا النحو فإنه من خلال الرؤية الأفريقية فإن الدين يتخلل الحياة السياسية والاقتصادية الأفريقية.
 وفى العديد من المجتمعات الأفريقية فإن من لاينتمون لأي شكل من أشكال الدين أقل من .01 %  من السكان. وبالتالى كان التساؤل المطروح من بعض الباحثين هو كيف يمكن الدفع من خلال ذلك بالمجتمعات الأفريقية نحو التخلص من الفقر والفساد.


الإسلام والمسيحية وتأثير الديانات التقليدية:
      بالرغم من اشتقاق الوعي الديني فى البداية من ممارسة الشعائر الدينية التقليدية؛ فأن المسيحية والإسلام أعطت مزيداً من الزخم لهذا الوعي. وقد تأثرت كل من المسيحية والاسلام في أفريقيا بالديانات التقليدية. حيث يشير عالم الاجتماع السياسي د/حمدي عبد الرحمن إلى مصطلح الإسلام الأفريقي الذي يعني المعتقدات والممارسات التي طورها المسلمون الأفارقة على مدى السنين، والتي تعبر عن واقعهم الأفريقي؛ ففي الطريقة المريدية في السنغال وهي إحدى الطرق الصوفية؛ وصفت بأنها تعاليم إسلامية بعقلية قبيلة الولوف.  
ولأن الأفريقي جماعيا بنشأته، ومعتزا بإنتسابه لجماعته الدينية القديمة؛ فقد وجد في جماعات الطرق الصوفية وأتباعها الكثيرون خير بديلاً لجماعته الدينية القديمة.
 
     وقد كان للديانات والثقافات التقليدية لفترة طويلة تأثير مهم في العلاقات بين المسيحيين والمسلمين في أفريقيا. فقد وفرت تلك الهياكل الأسرية التقليدية مع روابطها العائلية والمجتمعية القوية الأساس الملائم لتقبل المختلفين فى الديانات.

المجتمع المدني والرابط الديني:
 
          هذه البنية الاجتماعية الجماعية، والهيئة الاجتماعية القوية المتماسكة التي تقوم على أساس دقيق والتي تميز المجتمع الأفريقي؛ يعتبرها بعض الباحثين؛ صورة من صور وأنماط المجتمع المدني. فعلى سبيل المثال يستطيع الغرباء أن يتوقفوا لعدة أيام ويقوموا بحصد المحاصيل الزراعية؛ وذلك لغرض سد الجوع، وكذلك قطع شجرة أو أوراقها يمكن أن يتاح للغرباء والمحتاجين، حيث يقوم مالك الأرض بوضعها في موضع معين يقصده المحتاج.  كما يعد مفهوم التراكم المادي لتحقيق مكاسب شخصية دخيل على المجتمعات التقليدية الأفريقية. وأن تكون ثرياً؛ يعني أن تكون محاطاً بالناس والمجتمع، وأن تكون سليماً من الناحية الأخلاقية وفي تناغم مع الخالق وجذورك والمجتمع. وعلى سبيل المثال فإنه في Olulumo  (من الجماعات الموجودة فى نيجيريا)؛ يطلق على الشخص الغني  efang-ane وهي تعني حرفيا " ثريا بالناس ووجود العديد من الناس بجانبه". أيضاً فإن مفهوم الشرف والعار في المجتمعات الأفريقية له فائدة؛ كونه يمنع من السرقة لكي يحتفظ الفرد بالهيبة. حيث توصم السارق وأسرته بالعار من جراء هذا السلوك.
  وهناك من يرى من النقاد بأن أنماط السلوك الإجتماعي الافريقي هي المسؤولة عن الضعف المادي للمجتمعات الأفريقية. ومع ذلك فإن النهج المتضمن داخل ما يعرف بإقترابات (نظريات) التنمية البديلة تحث الجنس البشري على العودة للحياة الاجتماعية البسيطة كحلول لمجابهة التحديات البيئية الاقتصادية العالمية.
  وعلى الرغم من تآكل الممارسات التقليدية من جراء العولمة والحداثة؛ إلا أن الديانات الأفريقية التقليدية والإسلام والمسيحية؛ مازالت لها إسهامات حيوية في تقدم المجتمعات الأفريقية.
 فالدين يشكل إطاراً مرجعياً، واختبار انتقادي لنظم القيم الموجودة فى المجتمع. كما أن القيم الدينية كان لها دور فى القانون المحلي والدولي، وفي الكثير من المفاهيم والقيم الديمقراطية. وتشمل هذه القيم قدسية الحياة الإنسانية والمساواة وكرامة الإنسان.
والتأثير غير المباشر للثقافة الدينية على الثقافة الاقتصادية والسياسية من خلال انتقال القيم الدينية لهذه المجالات؛ يمكن أن ينفع المؤسسات الاقتصادية والسياسية فى أفريقيا. ففي الديانة الأفريقية التقليدية يتحقق تعزيز القيم فى المجتمع من خلال إنغماس الفرد فى أنشطة المجتمع بمشاركته لجماعته؛ الذي يعد من القيم الروحية الأصيلة. هذه القيم أيضاً لها دور في بث روح التفاؤل في ظل الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتردية في المجتمعات الأفريقية.

الدين رأس المال الاجتماعي في أفريقيا:
 
       ويعتبر الدين في أفريقيا هو مصدر رئيسي لرأس المال الاجتماعي، ورأس المال الثقافي والديني والروحي. كما ان مفهوم رأس المال الروحي والديني هو مماثل للمفهوم الأشمل لرأس المال الاجتماعي؛ لإن هذه الموارد مبنية على أساس الذي يمكن الأفراد والجماعات الدينية للوصول لسعادتهم. كما يمكن التبرع بالموارد نفسها للمجتمع الأكبر كهبة.
         وباستخدام نموذج أفريقيو المهجر، ودور الدين كمصدر لرأس المال الاجتماعي؛ نجد أن الطوائف الدينية تساعد المهاجرين الجدد كنوع من تقوية الجذور وتمتينها؛ حيث توفر شبكة من التعاملات الاقتصادية والاجتماعية والدعم الروحي؛ لابقاء الرابط والصلة مع الدين في الموطن الأصلي ( المسيحية والدينات التقليدية).   
      على مستوى المجتمعات الافريقية فإن الدين له دور مهم في تعبئة الموارد لمعالجة مشاكل المجتمع. ويساعد في رفع مستوى الوعي حول مشاكل المجتمع بين الناس؛ كونه يخلق روابط بين الفئات الاجتماعية. حيث يرى بعض الباحثين ان مفهوم المجتمع المدني له جذور سواء على مستوى المجمتعات التقليدية الأفريقية، أو الجماعات الدينية.
        ومثال ذلك الجماعات الإثنية وشبكات القائد والأتباع client -patron التي يمكن أن تكون مكونا رئيسيا ومهما في المجتمع المدني الأفريقي. فبالرغم من كونها لا تقوم على المعايير الديموقراطية بمفهومها الغربي، لكنها تتمتع بقدر من الاستقلالية عن الدولة. و يمكنها تعبئة كثير من أتباعها ومريديها لتحقيق غايات سياسية معينة. كما تعد الطرق الصوفية في السنغال مثالا واضحا لتلك الجماعات التى تستطيع التعبئة في إتجاه معين حيث تعتمد الدولة على هذه الطرق من أجل الحصول على التأييد السياسي.
       وفي كثير من المناطق الأفريقية تطرح الجمعيات الإثنية نموذجا آخر للتطبيق الأفريقي للمجتمع المدني؛ بما تتسم به من طابع جماعي وتمتعها بقدر من الاستقلال عن الدولة. فهي تسعى غالبا إلى تحقيق مصالح جماعية ومن ذلك إنشاء وتمويل مشروعات تنموية محلية مثل المدارس والمراكز الصحية، بالإضافة إلى التعبير عن مصالح تلك الجماعة في مواجهة الدولة.
      وهناك العديد من الدراسات التى تطرقت لدور المؤسسات التقليدية الأفريقية والكنائس في مرحلة مابعد الصراعات في العديد من الدول التي شهدت صراعات مريرة، في الإسهام في عمليات المصالحة والعدالة الانتقالية والتحولات السياسية والاجتماعية في تلك المجتمعات.
      ولكن تبقى للعولمة تداعياتها على الثقافة الأفريقية التقليدية؛ شأنها في ذلك شأن العديد من النواحي الاقتصادية والسياسية؛ فمما لاشك فيه وجود تغيرات فى البنية الأفريقية الاجتماعية ذات الصبغة الجماعية بتلك المتغيرات العالمية وأخذها ذلك المنحى الفردي الذي تتسم به الثقافة الاستهلاكية الوافدة من الغرب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
1-Obaji M Agbiji & Ignatius Swart, Religion and Social Transformation in Africa: A critical and Appreciative Perspective (South Africa:  scriptura. ournals.ac.za VOL 115 (2016).
2-The Impact of African Traditional Religious Beliefs and Cultural Values on Christian- Muslim Relations in Ghana from 1920 through the Present: A Case Study of Nkusukum-Ekumfi-Enyan area of the Central Region. Submitted by Francis Acquah to the University of Exeter as a thesis for the degree of Doctor of Philosophy in Theology in December 2011
3-Alphonse Kasongo," Impact of Globalization on Traditional African Religion and Cultural Conflict (Michigan State University:  Journal of Alternative Perspectives in the Social Sciences (2010) Vol. 2, No 1).
4-Ngozi N. Iheanacho, Globalization Challenges and Change Factors in the Religions of Africa: The Nigerian Experience (Nigeria: Bassey Andah Journal.Vol2)
5-أحمد صادق (مترجم)؛ هوبير ديشان، الديانات فى أفريقيا السوداء (القاهرة: المركز القومى للترجمة،2011).
6-د/حمدي عبد الرحمن، المجتمع المدني ودوره فى التكامل الأفريقى (القاهرة: مركز البحوث العربية والأفريقية ،2004).

الدور الأفريقي في تجارة الرقيق وتأثيره الإنساني

عانت القارة الأفريقية على مدى قرون عديدة من الإبادة الجماعية التي تمثلت في تجارة الرقيق، والتي تعد جريمة ضد الإنسانية كمنت خطورتها في استهداف الإنسان الأفريقي، بلونه ووجدانه ونفسه وعقله بل ومصيره ومستقبله، هذه الجريمة لم تقتصر فقط على ذلك المستعمر الأوروبي البغيض، ولكن اللوم أيضا يقع على عاتق الأفريقي ذاته، الذي دفعه، الجشع والطمع إلى قتل وسرق ونهب شقيقه الأفريقي، فلطخوا الأفارقة، ايديهم بهذه الدماء باشتراكهم مع غيرهم من الأوربيين في هذه التجارة إذ لم يكن التاجر الاوروبي يجرؤ علي التوغل في الداخل الأفريقي خوفا من فقدان حياته، فما كان من زعماء القبائل الافريقية التي عرفت بالقوة والشجاعة، إلا أن تريح التاجر الأوروبي، ووفرت عليه كل هذه المخاطر، فساقوا بني جنسهم بالألوف إلي الشواطئ تحت لهيب السياط، واحيانا أخرى بالقنص باستخدام الأسلحة النارية، فسمى بعض المؤرخين عصر تجارة الرقيق بعصر البنادق. فقد حاول الأفريقي بشكل أو بأخر قهر إنسانيته، مما جعل لهذا العمل الإجرامي الوحشي تبعاته السلبية على المجتمع الأفريقي، واعاق تنميته وتقدمه.
واستمرت تجارة الرق طوال ثلاث قرون (16،17،18) متواصلة والتجار الأوروبيين ومن عاونهم وشجعهم من الأفارقة على ممارسة هذه التجارة التي كانت تدر ارباحا طائلة حتى أواخر القرن الثامن عشر.


أولا: طرق الحصول على الرقيق:
اعتبر عام 1518 هو عام كئيب في تاريخ أفريقيا، حيث حمل الاسبان أول حمولتهم من الاسرى مباشرة من غرب افريقيا إلى جزر الهند الغربية وطوال القرن السادس عشر، ازدادت هذه التجارة بشكل واضح، واستمرت بعد ذلك، وقد بدأ نظام التجارة في الرقيق، أواخر القرن السادس عشر، من خلال البرتغاليين وكانت وسيلتها في هذه التجارة أن تكون شركة يكون عمادها أحد الأشراف الذي يستطيع السفر اولا إلى الممتلكات الاسبانية في العالم الجديد، أو يستطع الاتصال بأحد الأشراف الاسبان في اسبانيا حيث يحصل منه على عقد بتوريد عدد من الرقيق، حتى اذا نجح في ذلك أسرع إلى البلاط البرتغالي ليحصل على مرسوم باحتكار التجارة في منطقة من المناطق على الساحل الأفريقي وكان ينجح في هذا بواسطة دفع مقدم كبير لهذا العقد أو عن طريق الرشوة.
وصارت تجارة الرقيق عملا مشروعا في القرن السابع عشر وكان الحصول على الرقيق يتم بطريقتين:
1- طريقة داخلية:
 أي داخل المجتمع الافريقي نفسه حيث يستعبد الشخص الذي يقترف أي جريمة، أو قد يبيع نفسه وذريته لوفاء دين عليه.
وقد شجع الأوروبيون الزعماء والحكام في أفريقيا بشكل عام وفي غرب إفريقيا خاصة على الحروب مع جيرانهم، وقدم رؤساء القبائل لهم مقابل ذلك الرقيق الذين يجلبونه من خلال أسر أعداد ضخمة من أعدائهم (القبيلة الافريقية المتحاربة معها)، إلى سفنهم الراسية على الشواطيء في غرب إفريقيا، وتأخذ القبائل البديل من الأموال والبنادق والذخيرة لمتابعة الحروب مع أخوانهم، وعاشت غرب إفريقيا قرون عدة في حروب مدمرة من أجل تدبير هذا المورد البشري المتدفق من الرقيق للتجار الأوروبيين.
2-    طريقة خارجية:
  اي تتم خارج المجتمع الأفريقي وفيها يتم الحصول على الرقيق عن طريق الأسر في الحروب وكان هؤلاء الرقيق يباعون إلى وكلاء الشركات الأوربية وفي غرب أفريقيا كان بعض الرقيق يعملون كعمال زراعيين في مزارع الملوك والامراء وفي بعض الحالات كانوا يعملون في التجارة أو الخدمة في الجيوش أو كموظفين في البلاط الملكي.
وقد تطورت عملية الحصول على الرقيق بمضي الزمن بعد أن ازدادت الحاجة إليهم فنظمت عمليات القنص والشحن وعقدت عقود احتكار هذه التجارة، حيث كان الرقيق يؤخذون من غامبيا ومن وديان الانهار الواقعة في جنوبها حتى سيراليون، وبعد الحصول عليهم يقوموا بتسليمهم إلى التجار الهولنديين. ونظرا لان هذه التجارة كانت تدر ارباحا طائلة فقد دخلت دول أخرى في مجالها فقدم الانجليز والفرنسيون وبدأوا يقيمون الحصون والمراكز التجارية لصالحهم. وتألفت الشركات البريطانية التي أخذت تحتكر التجارة في الرقيق.
 وخير مثال على ما قام به الانجليز من جهود في تجارة الرقيق منذ القرن السادس عشر، والذي لا ينسى من ذاكرة التاريخ، القرصان الانجليز سيرجون هوكنز (Sir John Hawkins) أول بريطاني يؤمن بجدوى تجارة الرقيق التي تحقق ارباحا تفوق ارباح الاتجار في الذهب أو العاج، والذي بدأ مغامراته في هذا المجال عندما رسي في سيراليون، لأول مرة في الثامن من مايو 1511 واسر أربعمائة افريقي، ثم قام ببيعهم للأسبان في العالم الجديد وذلك مقابل 35 جنيها للأفريقي وتبعه في هذا المضار عددا اخر من التجار الانجليز.
وفي عام 1640 بدأ الانجليز يصدرون الرقيق إلى مستعمراتهم ومستعمرات الدول الأخرى في الأمريكيتين،  حتى وصل عدد الرقيق الذين حصل عليهم البريطانيون في عام 1700 حوالي 15000 أفريقي، نقلهم الانجليز عبر الأطلسي وزاد هذا العدد إلى 40000 في عام 1800 وبلغ عدد السفن البريطانية التي كانت تعمل بنقل الرقيق حوالي 192 سفينة يتبع ليفربول وحدها 107 سفينة ويتبع لندن 58 سفينة بالإضافة إلى أربع سفن تخص لانكستر، وكان مع هذه السفن 5000 افريقي وصارت منطقة سيراليون أهم المصادر الرئيسية للرقيق في القارة الافريقية وكان تجار الرقيق يقيمون مخازن وحظائر لحفظ الرقيق المخطوفين وكانت تلك المخازن تقام داخل قلاع وصل عددهم في عام 1791 حوالي 40 قلعة، كان يتبع الهولنديون وحدهم 15 قلعة وللانجليز 14 قلعة، ولكل من البرتغاليين والدنماركيين 4 قلاع أما الفرنسيون فكانت لهم 3 قلاع.
من ثم، فقد كان دخول الدول الجديدة إلى ميدان تجارة الرقيق وبالاً على سكان افريقيا، اذ قامت هذه الدول مجتمعة بالعمل في الرق الجماعي واخذت بريطانيا مكان القمة في هذه التجارة حيث وصل عدد الرقيق الذين ارسلوا إلي الممتلكات البريطانية وحدها فيما بين اعوم 1680 , 1786 إلى مليونين ومائة وثلاثين الفا، وكان يموت 10% منهم أثناء تنقلاتهم لعدم الاهتمام بطعامهم أو صحتهم فضلا عن ضربهم وتنكيلهم أو قتلهم وهم مقيدين بالسلاسل أو هاربين من جحيم الاسترقاق، واذا قدرنا ان ما وصل إلى المستعمرات كان نصف ماخرج من افريقيا لأدركنا أي خلل تعرضت له افريقيا خلال القرن السابع عشر حيث قدر ما وصل إلى المستعمرات الاوربية كلها حوالي اربعين مليونا وهذا يعني ان قارة افريقيا خسرت قرابة ثمانين مليونا على الأقل.


ثانيا: تأثير تجارة الرقيق على إنسانية الأفريقي:
لقد حاول الأوروبيون ترويض الأفارقة لسحق آدميتهم وتحويلهم إلى آلات بشرية بلا مشاعر ولا حقوق ولا لغة ولا دين ولا حياة روحية، فكانت الأساليب المتبعة في التعامل مع الرقيق هي الشنق على الأشجار وقطع الأيدي والمذابح الجماعية التي هلك فيها ما يزيد على عشرة ملايين إفريقي، فتجارة الرقيق الأوروبية لا يستطيع أحد أن يحصي ضحاياها على وجه التحديد.  
وكانت تجارة الرقيق سيئة على سكان افريقيا واختلف هذا السوء من مكان لآخر، وازداد السوء على الضحايا حيث كان يموت واحد من بين كل ستة من الاسرى وقد أثرت تجارة الرقيق على الانتاج الافريقي في مجالين:
*المجال الاول:
 انها أجبرت غرب افريقيا على تصدير أغلى مواردها الخام واعني بذلك الايدي العاملة البشرية حيث نقل الملايين من الفلاحين والحرفيين للعمل في المزارع والمناجم الامريكية وحققوا بذلك ارباحا طائلة وثروات ضخمة ليس لوطنهم ولا لأنفسهم بل لدول اوروبا وأمريكا .
*المجال الثاني:
أن أفريقيا مقابل تصدير أغلى شبابها كانت تحصل على سلع مصنعة في اوروبا وهذا ما ساعد على تدمير افريقيا، ناهيك عن استيراد كميات ضخمة من البنادق والبارود وكان المقابل لهذه الاسلحة هو الرقيق وقد ساعد ادخال الاسلحة النارية على احداث ثورة في مجال القنص والقبض على الرقيق ذلك لان الاسلحة النارية كانت اكثر يسرا جنبا إلي جنب مع الطلب على الأسلحة النارية، وقد ساعد هذا الازدواج على انتشار الحروب والصراع بين القبائل الافريقية فأحدث دمارا في الانتاج وفتكا بالقوى البشرية وتشتيتا للسكان. كما أثار الفزع والخوف في نفوس الناس، وعندما بدأ التكالب الاوروبي على غرب أفريقيا كغيره من المناطق الأخرى كان الانقسام والتشتت هو طابع الجماعات البشرية في افريقيا مما سهل على الغزاة الاوربيين مهمتهم في السيطرة على أجزاء القارة المختلفة وكان هذا من أسوأ الاثار التي نجمت عن تجارة الرقيق .

ثالثا: التأثير الاجتماعي:
ومع قدوم الأوروبيين إلى افريقيا منذ القرن الخامس عشر حدثت تطورات هامة في غرب افريقيا حيث كانت تجارة الرقيق ورواجها بمثابة عامل جديد برز ليؤثر على شكل الحياة في المنطقة وليمثل عامل هدم سكاني فيها ، في الوقت الذي كان يشهد فيه السكان تطورا في نواحي حياتهم المختلفة،  فلقد ترتب على تجارة الرقيق ورواجها نقص خطر في عدد السكان أدى تدمير الهيكل السكاني بعد نقل عدد كبير من الجنسين إلى العالم الجديد وكانت الاثار الديمغرافية اخطر مما يمكن تصوره بسبب النقص الخطير في عدد سكان المنطقة من جهة، وبسبب الاساليب التي اتبعت في جلب الرقيق نفسه وحرق القرى وتدمير مساحات واسعة في انحاء المنطقة من جهة أخرى، يضاف إلى ذلك الأمراض التي انتشرت بين السكان نتيجة لذلك أو لما نقله الاوربيون انفسهم من امراض لم تكن تعرفها المنطقة قبل وصولهم إليها .
ولعل من أهم الاثار التي احدثتها تجارة الرقيق هي تلك الفوضى والحروب بين السكان أنفسهم وفقر في الأيدي العاملة والإنتاج وانهيار العديد من الإمارات الإفريقية، بسبب الأسلحة النارية التي استخدمت في عمليات القنص وتعقب الرقيق وما اعقب ذلك من خلافات بين الزعماء الوطنيين وشن الحروب ضد بعضهم البعض وحرق القرى دون اسباب ومحاربة بعضهم بعضا للقبض على أكبر عدد من الرقيق لإرسالهم إلى العالم الجديد وقد أدى هذا إلى تدمير السكان من الداخل والقضاء على مجتمعهم القبلي وبالطبع ترتب على هذا وجود حالة من القلق والفوضى وعدم الاطمئنان بين سكان هذه المجتمعات، كما انتهك الاسترقاق الحرمات ودمر المقدسات وأفسد أخلاق حكام إفريقيا وأهاليها وشوه كذلك الحياة الاجتماعية وأغرق الكثير من الأفارقة في الجهل والفقر والمرض، والتي لم تفق منها أفريقيا تماما حتى الآن، وعندما تم تحرير العبيد تركوا بلا تجارب وبدون تعليم بعد قرون من العبودية ، فخلقت فيهم التبعية والخوف. هذه المؤثرات هي التي ولدت العجز والإهمال اللتين امتاز بهما الكثير من الأفارقة، حتى يومنا هذا.
في نهاية القول فقد شهدت افريقيا بعد الكشوف الجغرافية قيام تجارة الرقيق في اثمن شيء بها الا هو سكانها طوال ثلاثة قرون ونصف، حققت خلالها أوروبا أرباحا خيالية، وأصبحت هذه السلعة هي الأساس الذي بنت عليه تلك الدول الاستعمارية اقتصادها ورخاءها، كما بنيت شهرة موانئ ومدن كميناء ليشبونة في البرتغال وميناء ليفربول في انجلترا، على عظام الرقيق الأفريقي ودمائه.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:
    1 ـ حمد آدم كلبو، "الإسلام في إفريقيا، ذكرى مرور 14 قرن هجري"، مركز البحوث والدراسات الإفريقية بجامعة إفريقيا العالمية،بالخرطوم، نوفمبر 2006م.
    2 -عبدالجبار محمود السامرائي ، تصدير الرَّقيق إلى الخليج والجزيرة العربية
    http://www.alwahamag.com/?act=artc&id=348
    3 - هاني جودة،  أثر تجارة الرقيق عـــلى أفريقيا
    http://hani-jouda.blogspot.com.eg/p/normal-0-false-false-false-en-us-x-none_4646.html
    4 -  محمود عبدالغني صباغ ،خمسون عاماً على إبطال الرقيق: قصة تجارة العبيد في الحجاز [1855 -1962م]
    https://mahsabbagh.net/2012/09/07/slavery-in-hejaz/

 

عثمان بن فـُودُيِ ودوره في نشر الإسلام في غرب افريقيا

عثمان بن محمد فـُودُيِ بن عثمان بن صالح بن هارون، الملقب بالفقيه أمير المؤمنين، شيخ الإسلام، هو رجل اتسم بكل معاني الشهامة والشجاعة مع الدين والورع والتقوى، وقام بمحاربة الفساد العقدي والسلوكي والسياسي، وواجه عدداً من المشكلات التي يعيشها مجتمع بلاد (الهوسا).
ذلك المجاهد، واحد من أبطال أفريقيا العظام، الذين جاهدوا من أجل رفعة الدين الإسلامي ونشره في أرجاء القارة الأفريقية، وخاصة في منطقة غرب أفريقيا، فكان لعمله عظيم الأثر في بناء دولة اسلامية على النهج الصحيح، ليس هذا فحسب، بل هو واحد من أولئك الأبطال الذي تصدى وبقوة لأعنف وأشرس الحملات الوحشية، التي شنها قادة الاستعمار- إسبانيا والبرتغال وفرنسا وأمريكا-، لطمس الهوية الأفريقية، وتصوير الأفريقي على أنه ذلك الوحش الهمجي الذي يأكل لحوم البشر، وأن التمدن والتحضر الذي حدث ويحدث للأفارقه، يرجع بفضل الاستعمار الأوروبي لبلادهم، في حين أن القارة الأفريقية قد شهدت العديد من الممالك الإسلامية، التي قامت بإفريقيا وبالتحديد في منطقة غرب أفريقيا، وحكمت شعوبها بإسم الإسلام، وأقامت نظم حكمها على أسسه ومبادئه وتعاليمه، ومن بين هذه الممالك كانت مملكة صكتو الإسلامية التي  قامت في القرن التاسع عشر الميلادي، وقد كان المجاهد والقائد الهمام عثمان بن فودي هو قائد هذه الخلافة.

مولده ونشأته
ولد المجاهد عثمان دان فودي في بلدة 'طقل' على أطراف إقليم 'جوبير' شمال نيجيريا الحالي سنة 1168 هجرية ـ 1754 ميلادية، وقد نشأ بن فودي، في أسرة متدينة ومثقفة بثقافة علمية عالية، حيث أنّ 85% من علمائه كانوا بين الآباء والأجداد والأعمام، وقد كان بينهم ، منذ صغره، مشتغلا بالدعوة إلى الله ، وكان والده معلم القرآن والحديث في قريته، وينتسب "عثمان" إلى قبيلة الفولاني العريقة في الإسلام، وفي هذه البلدة الصغيرة، وفي هذا الجو الديني الطاهر، نشأ "عثمان" فدرس اللغة العربية وقرأ القرآن، وقد ساعده والده على تنمية ملكة التعمق في العلوم الدينية لما رأى فيه من حبه للدين وخدمته. فأصبح بفضل تعليم القرآن أحد المجاهدين الذين أدخلوا الدعوة الإسلامية إلى إفريقيا، وأقاموا دولة عظيمة وكبيرة على منهج الإسلام.

أبنائه:
من أبناء المجاهد عثمان بن فودي، الشيخ محمد سعد: هو أكبر أبنائه، نشأ فتعلم القرآن، وقرأ النحو والتصريف، وفسر القرآن والحديث، وقد ظهرت فيه البركة والنجابة، والشيخ محمد بللو، وهو من خلف والده بعد وفاته، وقد نشأ هو الأخر على تعليم القرآن، كما كان لا يفارق والده الشيخ في مجالسه وفي مجالسه ضد أعداء الإسلام.

ـ بن فودي يعيد إحياء الدولة الإسلامية:
انتشر الإسلام في قلب القارة الإفريقية شيئاً فشيئاً، بالتجارة تارة، وبالجهاد تارة، والدعاة المرابطين تارة أخرى، وبالتدريج تحولت القبائل الوثنية إلى الإسلام، وقامت ممالك إسلامية في غاية القوة والاتساع مثل مملكة غانا، ومملكة مالي الضخمة وكانت تشمل كل من تشاد ومالي والنيجر والسنغال، وكانت هذه المملكة من أقوى وأعرق الممالك الإسلامية في إفريقيا، بالإضافة لمملكة "الصنغاي"، وغيرها من الممالك القوية التي دفعت بالإسلام إلى الداخل الإفريقي.
وبدوافع قبلية ودنيوية محضة، اشتعلت الفتن بين المسلمين ودب بينهم التفرق والخلاف، واقتتلوا فيما بينهم، وصارت الممالك تتقاتل فيما بينها، ، فاقتتلت مملكة 'الصنغاي' مع مملكة "مالي" حتى دمرتها، ثم قامت مملكة المغرب أيام حكم 'المنصور السعدي' بتدمير مملكة "الصنغاي"، كما انهارت مملكة "غانا" بالاقتتال الداخلي، وهكذا أكلت هذه الممالك الإسلامية بعضها بعضًا، فضعفت الممالك وانهارت، وبالرغم من انهيار الممالك الإسلامية الكبيرة، إلا إن القبائل المسلمة قامت بدورها في نشر الإسلام، واستكمال الدور الدعوي الذي كانت تقوم به الممالك وربما بصورة أفضل، ومن أشهر القبائل المسلمة " :قبائل الماندينج" وتنتشر في مالي والسنغال وجامبيا وغينيا وسيراليون وساحل العاج ، "قبائل الولوف والتوكلور" في السنغال ومالي ، "قبائل الهوسا" في النيجر وشمالي نيجيريا وبنين والتوجو وبوركينافاسو، وقبائل الكانورى، وينتشرون  في شمال شرق نيجيريا والكاميرون .
ولكن أعظم وأشهر القبائل الإفريقية وأشدها تحمساً لنشر الإسلام وتمسكاً به، كانت هي قبائل الفولاني وهي التي تحملت مسئولية إعادة نهضة الإسلام وإقامة الممالك الإسلامية من جديد.
وقد دخل  الفولانيون الإسلام على أيدي المرابطين في القرن الخامس الهجري، فتحمسوا له واستعلوا به، وكانوا في الأصل من الرعاة الذين يتحركون باستمرار سعياً وراء الماء والكلأ، وكان موطنهم الأصلي حوض السنغال، ولكنهم انتشروا في قلب إفريقيا من السنغال إلى تشاد إلى قلب وغرب إفريقيا في 4 هجرات شهيرة، تفرعت خلالها هذه القبيلة الضخمة إلى عدة فروع، ولكن أهم هذه الفروع وأكثرها أثراً في نشر الدعوة الإسلامية، وعودة النهضة الإسلامية للقلب الإفريقي، هي هجرة الفولانيين إلى نيجيريا، وفى هذا الفرع ظهر المجاهد والإمام الأمير الفولاني عثمان دان فودي، الذي أعاد المجد والعزة للإسلام بقلب إفريقيا.
لم يكن عثمان بن فودي من الرجال الذين يبحثون عن زعامة أو إمارة، وبمجرد حصوله عليها يكف عن سعيه وجهاده ويجلس للتنعم بما حازه وناله، بل كان يبغي نصرة الإسلام ونشره بين القبائل الوثنية، فكان يبغي الدعوة لهذا الدين في شتى أرجاء القارة السمراء. لذلك قرر عثمان بن فودي، العمل على إعادة بناء الدولة الإسلامية من جديد، وتوسيع رقعة الإسلام بالجهاد ضد القبائل الوثنية التي اجتمعت على حرب الإسلام ودعوته الجديدة.
فقرر عثمان بن فودي إتباع استراتيجية الجهاد على عدة محاور، وضم الشعوب الإسلامية تحت رايته، فضم إليه عدة شعوب وقبائل مسلمة كانت متناثرة ومختلفة فيما بينها، وبدأ بالتوسع في ناحيتي الغرب والجنوب الغربي، حيث قبائل "اليورومبا" الكبيرة، والتي هي أصل الشعوب الساكنة في النيجر ونيجيريا، فدانت له هذه القبائل ودخلت في دعوته، وأخذت الدولة الإسلامية في الاتساع شيئاً فشيئاً، حتى أصبحت أقوى مملكة إسلامية في إفريقيا وقتها.
وقد اتبع الشيخ "عثمان بن فودي" في محاولته لإصلاح الأوضاع الدينية والسياسية في هذه البلاد منهجاً علمياً دقيقاً، وذلك بالتركيز على ثلاث قضايا رئيسة:
الأولى: العناية التامة بتعليم العامة أصول الدين ومسائل التوحيد، وإبعادهم عما يناقض هذه الأصول أو ينافي كمالها، فحذر من عادات جاهلية وممارسات وثنية كالسحر والشعوذة.
الثانية: التحذير من البدع الشيطانية والعادات المخالفة للشرع الإسلامي.
الثالثة: محاربة فساد سلاطين بلاد (الهوسا)، ورفع الظلم والخوف عن الشعوب المغلوبة.
ولقد سعى الشيخ عثمان في سبيل تحقيق هذه القضايا إلى تكوين مجموعة من الأتباع المخلصين كان معظمهم من غير قبيلته، لنشر أفكاره وآرائه وتعاليمه الإصلاحية ودحض دعاوي المناوئين من علماء السوء. وكان للشيخ مجلسان للعلم: أحدهما للتدريس: يخرج إليه بعد صلاة العصر والعشاء، يدرس التفسير والحديث والفقه والسلوك وسائر فنون العلم.
والمجلس الآخر: للوعظ والتذكير: يخرج له كل ليلة جمعة، ويحضره الكثيرين، رجالا ونساء. كما كان يخرج إلى الآفاق القريبة والبلدان المجاورة للإفادة والوعظ أياما، ثم يرجع إلى بلده، حتى صار له صيت وشهرة، وصار يقصده الداني والقاصي، وتكونت من المستمعين إليه والحاضرين لمجالسه فئة منتظمة سماها (الجماعة)، وهم الذين صاروا له أنصارا في دعوته الإصلاحية بعد ذلك.
وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ وجماعته قد اتبعوا في بداية دعوتهم أسلوب الابتعاد عن الاحتكاك بالسلطات السياسية، وعدم الاختلاط بها حتى لا تفرض عليهم هيمنتها وسطوتها السياسية ومنهجها الذي يخالف الشريعة الإسلامية، وحتى لا تدخل أيضا حالة من المواجهة مع هذه السلطات يكون ضحيتها الشيخ وجماعته. وتعتبر هذه المرحلة هي المرحلة الأولى من المراحل التي مرت بها دعوة الشيخ عثمان بن فودي، وهي تحديدا ما بين 1774 ‏م - 1803 ‏م.
ومن السمات المميزة لهذه الفترة تركيز الشيخ عثمان بن فودي على دعوة الناس بكافة طبقاتهم إلى الله. وتعليمهم المبادئ الأساسية للإسلام، ومحو الأمية الدينية ورفع مستوى الوعي الاجتماعي، ويأتي في سياق هذه المرحلة مطالبة الشيخ عثمان بن فودي لحاكم غوبر (باوا جن غورزوا) في أول لقاء معه بعد صلاة عيد الأضحى في الفترة 1889 ‏م بما يأتي:
1- أن يحترم الحاكم أصحاب العمائم (العلماء).
2- ألا يقف في طريق أي شخص أو جماعة تريد الاستجابة لدعوته.
3- أن يطلق سراح المسجونين.
4‏- أن يمتنع الحاكم عن فرض الضرائب الباهظة على رعاياه.
ويرمي الشيخ من وراء هذه المطالب إلى أهداف سياسية بعيدة المدى، وليس في استطاعته أن يقوم بأكثر من الدعوة إلى الله، ثم إن مستوى التفكير والاعتقادات الدينية المخلوطة بالعادات الوثنية الجاهلية لا تسمح له بالخطاب السياسي في تلك الآونة، لأن عامة الناس تحتاج في تلك الفترة إلى تربية إسلامية صحيحة تبين لهم طبيعة وأركان الدين الإسلامي، ثم إن الدخول في معركة خاسرة مع دولة (غوبر) القوية وبقية ولايات (الهوسا) تعني انتحار حركة الشيخ عثمان بن فودي قبل نضوج بذرتها، ويعني إخفاقها في الوصول إلى الأهداف السياسية التي رسمتها من قبل.
والمرحلة الثانية من 1804 ‏م - 1810 ‏ه، التي رافقت دعوة الشيخ عثمان - رحمه الله - ، وبدأت بدخول الشيخ معركة مع سلاطين (الهوسا) بعد أن قويت شوكته، واستجاب لدعوته الشعب المقهور وكان الشيخ عثمان لا يتصل بالملوك في أول أمره، ولا يزورهم، لكن لما سمع أمير (غوبر) بأمره وبكثرة جماعته أرسل إليه يستحضره في جملة من العلماء، فحضره في جملة من حضره، ووعظه وطالبه بإقامة العدل بين رعيته وتطبيق أحكام الشريعة فاستجاب له الأمير، فكافأه وقلده منصب الإفتاء، وبدأ بعض العلماء يضمرون له العداء والكراهية لما ناله من حظوة ومكانة عند الأمير، لكن مع ذلك استمر أمر الشيخ يترقى عنده وتزداد جماعته، ويزداد تقديرهم له وطاعتهم إياه حتى بدأ الأمير يتوجس منه خيفة، فبدأ يغري الشيخ بالمال، ويستهويه بالعطاء، لكن الشيخ أبى أن ينساق وراء ذلك، فحاول اغتيال الشيخ في يوم عيد بعد أن استدعاه وبعض جماعته إلى قصره، لكن الله كفاهم شره، فنجوا منه سالمين، إلا أن الملك استمر في استفزاز الشيخ للدخول معه في معركة مسلحة، وهاجم جماعة عبدالله الفلاني أحد أتباع الشيخ، ونكل بهم، وقتل منهم الكثير، ونهب أموالهم، وهدد الشيخ بأن يفعل به مثل ذلك، إلا أنه توفي (عام 1789 ‏م)، فخلفه ابنه يعقوب وبعد وفاته (سنة 1794 ‏م) ورث عرش الإمارة ابنه (نافاتا)، ولم يخف هذا الأخير عداوته للشيخ بن فودي، إلى حد التفكير في قتله، لكن الله لم يوفقه، وعاجلته منيته عام (1801 ‏م) وخلفه ابنه (يونفا)، وهو أشد عداء لمنهج الشيخ الدعوي وأكثر كراهية للإصلاح، فأعلن عداءه السافر للشيخ، وطالبه بالجلاء هو وجماعته، فخرج الشيخ مع جماعته من قرية (طقل) عام 1218 ‏هـ إلى قرية (قدو) ومعه خمسة آلاف، ثم تتابعت الهجرة إلى الشيخ حتى بلغوا خمسة آلاف شخص. فأرسل الأمير إلى الشيخ يعلن عليه الحرب، فبايعت الجماعة الشيخ، فأصبح قائدا وأميرا بعد أن كان إماما موجهًا ومن هنا بدأ يدخل حروبا مع هذا الأمير إلى أن كتب الله له النصر، وأقام دولة إسلامية عاصمة خلافتها (صكتو)، وأذعنت له باقي إمارات (الهوسا)، وبقي يحكم بلاد (الهوسا) حتى توفي عام 1817 ‏م، واستمرت هذه الدولة بخلفائها وأمرائها مئة عام حتى أسقطها الاحتلال البريطاني عام 1903 ‏م

ـ بن فودي وبناء كوادر إسلامية:
لقد كان عثمان بن فودي رجل دولة من الطراز الأول، وداعية مجاهداً مخلصاً لدينه وأمته، ولقد أدرك أن بقاء الدعوة إلى الله والدولة الإسلامية التي بناها في غرب إفريقيا لن يصمد طويلاً، إذا لم تتحرك هذه الدعوة وتنتشر مبادئ الإسلام بين الناس، وأيضاً إذا لم تتسع وتتمدد دولته الإسلامية التي بناها بجهاده سنين طويلة.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف السامي اتبع بن فودي سياسة حكيمة تقوم على بناء الكوادر التي تواصل حمل الراية ونشر الدعوة، وكان لعثمان بن فودي عين فاحصة تستطيع انتقاء النجباء والأبطال وحملة الدعوة، خاصة وأن فتوحاته التي قام بها في غرب "نيجيريا" قد حركت الحماسة والحمية للإسلام في قلوب الكثيرين، ومن هؤلاء الكثيرين انتقى بن فودي ثلاثة من التلاميذ المخلصين فكان لهم أعظم الأثر والدور الكبير في خدمة الإسلام والمسلمين، كان أولهم الشيخ "آدم"، وهو أحد طلاب العلم من أهل الكاميرون، وقد أختاره الشيخ عثمان لحبه للجهاد ونشر الدين الإسلامي، وبعد أن زادت الفتوحات التي قام بها عثمان بن فودي، حماسه فبدأ يدعو الناس إليه وإلى نشر الإسلام في القبائل الوثنية، فلما وصلت أخباره للأمير عثمان بن فودي أرسل يستدعيه من الكاميرون سنة 1811 ميلادية ـ1226 هجرية، فلما حضر جلس معه وكلمه عن مبادىء الحركة وعقيدة السلف، وأقنعه بوجوب الجهاد فى سبيل الله لنشر الإسلام فى قلب القارة الإفريقية، فوجد الشيخ لآدم بهذه الدعوة مبتغاه، فأعطاه بن فودي رايته البيضاء وهى رايته فى الجهاد، وكلفه بمواصلة  الجهاد حتى ينشر الإسلام فيما يلى نهر البنوى جنوباً وهو فرع كبير من فروع نهر النيجر العظيم، فقام الشيخ آدم بالمهمة على أكمل وجه، حتى أدخل بلاد الكاميرون كلها فى الإسلام، وكافأه الأمير بن فودى بأن جعله أميراً على الكاميرون، وظلت الإمارة فيهم حتى احتلال الإنجليز للكاميرون سنة 1901 ميلادية ـ 1319 هجرية .
أما التلميذ الثاني  فكان "حمادو بارى" أحد جنود عثمان بن فودى، والذي اشترك معه  معركة الجهاد الأولى ضد أمراء "جوبير" الوثنيين، وبتواصل الجهاد، ظهرت شجاعة وإخلاص "حمادو" لنشر الدين، فكلفه المجاهد بن فودي بفتح بلاد الماسنيا ـ واقعة في دولة مالي حاليا ـ،  ونجح حمادو في مهمته خير نجاح، فكافأه "عثمان" بأن أعطاه لقب الشيخ، وجعله أميراً على منطقة الماسنيا، وأمره بمواصلة الجهاد لنشر الإسلام، وتقديرا لما فعله معه بن فودي، أثبت الأمير حمادو الشيخ،  أنه من أنجب وأفضل تلاميذ الإمام عثمان بن فودى، فقد نظم دولته على نسق دولة الخلافة الراشدة، حيث قسمها إلى عدة ولايات، وأقام على كل ولاية والياً وقاضياً ومجلساً للحكم، كهيئة استشارية للحكم الإسلامي ، وعمر البلاد فازدهرت دولته بقوة ووصلت إلى "بوركينافاسو" و"سيراليون" و'غينيا بيساو".
أما "الحاج عمر"، فكان التلميذ الثالث، وأصله من قبائل الفولانى عشيرة عثمان بن فودى، ولد العام 1797 هجرية، أي أنه كان في أوائل شبابه، والإمام عثمان بن فودى، فى أواخر حياته، ولكن هذا الشاب، قدر له أن يجتمع مع الإمام، حيث كان محباً للدعوة والجهاد، فلما اشتد عوده قرر الرحيل إلى بلد الإمام بن فودى ليراه ويسمع منه وبالفعل ذهب إليه ورآه الإمام فوجد فيه النجابة والفطنة والشجاعة، فنصحه بأن يذهب إلى المجاهد حمادو الشيخ، ويلتحق بخدمته، لعله أن يكون خليفته، بعد رحيله في قيادة المملكة الإسلامية هناك، وبالفعل نجح "الحاج عمر" أن يلتحق بخدمة "حمادو الشيخ" ويخلفه بعد رحيله، وقاد القبائل الإسلامية قيادة عظيمة وكان جيشه يقدر بأربعين ألف مقاتل، وحارب الوثنيين والفرنسيين على حد السواء، وتولى أولاده من بعده قيادة المسلمين فى هذه المنطقة التى ابتليت بأشرس هجمة صليبية فى تاريخ البشرية .
من هنا، فقد استطاع الإمام المجاهد عثمان بن فودى، أعظم أمراء إفريقيا أن ينجح في بناء قاعدة عريضة من المجاهدين والقادة والأمراء، الذين قادوا الأمة المسلمة فى قلب إفريقيا، وأقاموا أعظم الممالك الإسلامية في هذه المنطقة التي لا يعرف عنها الكثيرين من أبناء المسلمين الآن.

ـ وفاة الإمام والمجاهد عثمان بن فودي
بعد صراع مع المرض لمدة عام، توفى الإمام المجاهد الأمير عثمان بن فودى عام 1818 ميلادية ـ 1233 هجرية، وعمره (63) وخلفه ابنه الشيخ الإمام محمد بَللو، فرحل ذلك المجاهد البطل بعد أن أدخل الدعوة السلفية إلى القلب الإفريقي، وأبقى للإسلام دولة قوية ظاهرة صامدة أمام هجمات الأعداء، حتى بعد وقوعها فريسة للاحتلال الغربي، بقيت القلوب حية، مجاهدة، تقاوم الأعداء، تحافظ على دينها وعزتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر :
_ عبد الرحمن زكى، تاريخ الإسلام في غرب إفريقيا، الشيخ عثمان بن فودي والطريق لاستعادة الهوية
 http://islammemo.cc/zakera/safahat-mansia/2006/03/04/1498.html
- مجلة قراءات إفريقية - العدد الأول –أكتوبر 2004م
-  http://www.alukah.net/world_muslims/0/61607/
- تامر بدر، عثمان بن فودي، http://islamstory.com/ar/
- دولة الشيخ عثمان بن فودي | شبكة الهداية الإسلامية
www.alhidaya.net/node/2046

المرأة في أفريقيا.. دور اجتماعي متباين

لعبت المرأة الأفريقية دورا هاما في بناء المجتمع الأفريقي، حيث تمتعت بمكانة متميزة أكثر من غيرها لفترة طويلة. فإلى المرأة يرجع الفضل في قيام المجتمع الزراعي الذي على أساسه تتألف باقي المجتمعات الأخرى، بل وتبنى الحضارات، فكثير من العلماء يؤكدون أن هناك علاقة متداخلة بين المرأة والأرض وإبرازها على أنها ذات طابع ديني أو غيبي، فكلما حملت المرأة الأفريقية وانجبت طفلا، زادت خصوبة الأرض، وزاد محصولها.
واعتبرت المرأة في المجتمعات الأفريقية البدائية الأساس في تكوين الأسرة والحفاظ عليها ، بل كانت هي العائلة فحسب، دون الأب؛ للاعتقاد بأن الأُم وحـــدها هـــي التـــي تنجـــب الأولاد، وتحمــلٍ نتيجة روح أو طيف يزورها وهي نائمة، فيلقــي فــي رأســها بــذرة الطفــل الــــذي ينحــــدر إلــــى رحمهــــا ويــــستقر وينمــــو حتــــى يولــــد،  ثم تقوم بحمايته حتى يتمكن من تدبير أمور حياته بمفرده، ولهــــذا الــــسبب اعتبروا المرأة أكثر قدرة وأعلى قيمة من الرجل، حتى وصل الأمر إلى أن  عرف بعض العلماء "البشرية على أنها أنثوية الأصل".
كما يختلف دور المرأة في القارة أفريقيا من دولة لأخرى أو من منطقة لأخرى حسب العادات والتقاليد أو التاريخ أو الثقافة أو الدين، الخاص بتلك الدولة، أو المنطقة. فدور المرأة في دول شمال أفريقيا تختلف عن شرق وغرب أفريقيا وكذلك عن وسط وجنوب أفريقيا، وإن كانت المرأة في مضمونها وكيانها واحدة لا تتغير.

ــــ المرأة في الشمال الأفريقي
تتميز المرأة في دول شمال أفريقيا بدورها المؤثر في الحياة الاجتماعية وكذلك السياسية، بل يكون وجودها بارز وتمنح فرصا أكثر من الرجل، خاصة في دولة كالجزائر، وهي أحد أهم دول شمال أفريقيا التي تحصل فيها المرأة على حقها، وحصلت على ذلك منذ أن قاتلت جنبًا إلى جنب الرجال خلال حرب الاستقلال الجزائرية في عام 1962، مما جعلهن يحققن إحساسًا جديدًا بهويتهن وقدرا من قبول الرجال بهن في الساحة. وفي أعقاب الحرب، حافظت النساء على التحرر الجديد الذي حصلن عليه،  ثم شاركت النساء في تطوير وبناء الدولة الحديثة. وقد أعطت الجزائر للمرأة حق التصويت والترشح للمناصب السياسية كما أنها تتساوى مع الرجال في الحقوق والواجبات وأمام القانون، خلافا للدول أخرى في المنطقة.
كما تمثل الجزائريات نسبة 70% من العاملين في المحاماة, و60% من القضاة. كما تهيمن النساء على المجال الطبي والعلوم، كما تعد المرأة الجزائرية أحد أول نساء دول شمال أفريقيا في العمل كسائق سيارات الأجرة وحافلات النقل العام. كما تزداد أعداد النساء العاملات في قطاع الأمن والشرطة، عاما بعد عام،  وبشكل مطرد أصبحت المرأة تساهم في الدخل المادي للأسرة أكثر من  ما يساهم به الرجل.
وفي تونس حصلت المرأة التونسية على دور هام في المجتمع التونسي في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة ، مثل الوصول إلى التعليم العالي، والحق في طلب الطلاق، وفرص عمل معينة. وقدم هذه الإصلاحات في حين لا تزال تونس دولة إسلامية. صحيح أن المرأة في تونس تتمتع بكل هذه الحريات والحقوق، و هي حقوقٌ غالباً ما يحرمن منها النساء في البلدان المجاورة.
وازداد هذا الدور منذ يناير 2011 وبداية الثورة في تونس حيث كان للمرأة التونسية دوراً غير مسبوقٍ في الاحتجاجات، التي أودت بحكم الرئيس بن على زين العابدين، ورغم كافة الحقوق التي منحت للمرأة التونسية فإن وضعهن وحقوقهن داخل المجتمع التونسي لا يزال يتأرجح بين ما تمنحه الشريعة الإسلامية و بين ما تمنحه الحقوق المدنية العلمانية المتوفرة وفق القانون.
أما في المغرب فقد عاشت المرأة المغربية قبل الإسلام كمملوكة أو جارية، أما بعد وصول الإسلام في المغرب، فقد أصبح لها كياناً وحقوقاً ودوراً في ظل الدين الاسلامي الذي كرم المرأة وحررها من العبودية والانكسار فحصلت المرأة في المغرب على ثلاث حقوق أساسية وهي الحق في العيش، والحق في أن تحترم كأم، والحق في تملّك الأعمال التجارية والعمل.
وحينما خضعت المغرب للاستعمار الفرنسي عاشت النساء المغربيات في وحدات الأسرة التي هي "الأسر المغلقة" وعزلت المرأة داخل البيوت للقيام بالأعمال المنزلية، والتطريز، والحرف اليدوية، وقد سمح لها أحيانًا بحضور المدارس القرآنية، والذهاب إلى الحمام المغربي. وانتهى تدريجيا هذا الشكل من الحياة بعد استقلال المغرب عن فرنسا عام 1956، وأصبحت المرأة المغربية قادرة على الذهاب الى المدارس التي لا تركز فقط على تعليم الدين. وفي عام 2004 حدثت تطورات قانونية ضخمة أعطت للمرأة المغربية الحق في تطليق زوجها، وحضانة الأطفال، وتعديل بعض حقوق الملكية والميراث. ورغم ذلك فإن المرأة المغربية قليلة الحقوق مقارنة مع تونس والجزائر.
وعن المرأة الليبية، فقد كان لها دور ومكانة في القوانين المستحدثة على قدر كبير من الأهمية، خاصة بعد تغيير النظام السياسي ، كما حدث في العديد من دول الشرق الأوسط. وقد قال بعض المراقبين أن النظام قد بذل جهوداً في موضوع تحرير المرأة واعتبارها عنصراً مهماً في القوة العاملة التي تفتقر إليها ليبيا ، كما اعتبر مراقبون آخرون أن للنظام مصلحةً في توسيع قاعدته الاجتماعية والسياسية عبر تسويق فكرة تحرر المرأة،  مع كل ذلك فقد التزم القادة الليبيون بالالتزام بتحسين وضع المرأة الليبية في إطار القيم الأخلاقية العربية والإطار الإسلامي العام ، بل كان محور ثورة 1969 هو تمكين المرأة وإعطاءها مكانة أعلى.
وفي السودان تواجه المرأة العديد من التحديات حيث أنها تناضل من أجل أن يكون لها دور مؤثر في المجتمع السوداني، فبالرغم من حدوث تغيرات إيجابية في ما يخص المساواة بين الجنسين في السودان. منذ  عام 2012، واحتلت النساء 24.1? من الجمعية الوطنية في السودان. كما شغلت المرأة السودانية نسبة كبيرة من البرلمان الوطني وهي أعلى من العديد من الدول الغربية. فإن عدم المساواة بين الجنسين في السودان لا يزال موجوداً، لا سيما موضوع الختان والتفاوت في نسبة النساء إلى الرجال في سوق العمل، حيث منحت مؤسسة فريدوم هاوس التي تعنى بحقوق الإنسان السودان أدنى مرتبة بين الأنظمة القمعية لعام 2012. بينما حصلت دولة جنوب السودان على ترتيب أعلى قليلا ولكنها ظلت بين الدول المصنفة "غير حرة". وبناء على نتائج دراسات أجريت عام 2012 حصلت السودان في عام 2013 على المرتبة الـ 171 من أصل 186 دولة في العالم في تصنيف التنمية البشرية. واعتبرت السودان من الدول القليلة غير الموقعة على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. وهذا ما جعل المجتمع الدولي، يهتم بضرورة أن يكون للمرأة السودانية حقوق اجتماعية ومدنية وكذلك سياسية، مثلها مثل الرجل.
على النقيض نجد أن وضع المرأة ودورها جنوب السودان يختلف تماما عن شماله فمنذ الإعلان عن استقلال جنوب السودان في 9 يوليو 2011 والسيدات يشغلن 5 من 29 حقيبة وزارية، كما شغلت 10 نساء منصب نائب وزير من أصل 28. كما نشطت المرأة في جنوب السودان وساعدت على الاستقلال، وكان ذلك بتأمين الغذاء والمأوى للجنود، والاهتمام بالأطفال، ورعاية الجرحى أثناء جهادهم السياسي الطويل للاستقلال. وكمثال على ذلك تشكيلهن "لكتيبة البنات".

ــــ المرأة في شرق أفريقيا
لا يختلف دور المرأة ووضعها في شرق أفريقيا كثيرا عن دورها في دول الشمال الأفريقي، حيث نجد أن المرأة الأثيوبية تواجه الصعوبات الجسدية طوال حياتها، نظرًا لقسوة الأرض والطقس في أثيوبيا، حيث تتحمل المرأة ـــــ لكون الاعتماد عليها بالدرجة الأولي في تكوين العائلة ـــــ المشقة في حمل المواد الثقيلة لمسافات طويلة على ظهرها ، لعدم توفر وسائل مواصلات مناسبة، وكذلك القيام بطحن الذرة يدويًا، والعمل في المنزل، وفي المزارع بالإضافة لتربية الأطفال، والطبخ. كما تعاني المرأة الإثيوبية من تدني الخدمات الصحية، فلا تستخدم أغلبية السيدات في أثيوبيا أية وسائل لمنع الحمل، حيث تصل معدلات الخصوبة إلى 5.23 طفل لكل سيدة، لذلك تصاب السيدات بمرض الإيدز بمعدلات أكبر من إصابة الرجال، وطبقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية فإن 59% من السيدات في أثيوبيا قد تعرضن للأذى الجنسي والجسدي على مدار حياتهن كاملة. وطبقًا لنفس التقرير الصادر عن نفس المنظمة فإن 74.3% من إناث أثيوبيا في المرحلة العمرية ما بين 15-49 قد تعرضن لعملية تشويه الأعضاء التناسلية للإناث (ختان الإناث)، لذلك نجد المرأة الأثيوبية كثيرا ما تعاني لغياب حقوقها.
أما المرأة الأوغندية فكانت دورها دائما تابع لدور الرجل، بالرغم من تحملها كافة المسؤوليات الاقتصادية والاجتماعية، في المجتمعات التقليدية الأوغندية، فكانت تُعلَّمُ الفتيات منذ طفولتهن الانصياع لرغبات آبائهن وإخوتهن الذكور، وبعدما تتزوج تنصاع لرغبات أزواجهن، مما أنتج تبعيتهن للرجل في معظم مجالات الحياة العامة. وحتى الثمانينات، كان من المفروض على المرأة أن تركع عند التحدث إلى رجلٍ في بعض المناطق الريفية في أوغندا، هذا مع العلم أن المرأة في الوقت نفسه كانت تتحمل المسؤوليات الأساسية لرعاية الأطفال وزراعة المنتجات الأساسية، وفي القرن العشرين، قدمت النساء مساهمات كبيرة لزراعة المحاصيل والغلال ذات النفع الاقتصادي.


(قرية أوموجا) ملاذ النساء المعذبات في كينيا
رغم أن المرأة الكينية لديها تأثير متدفق في رعاية كل الأسرة والاهتمام بهم وهذا ما يعترف به الكثير من أصحاب السلطات الكينية، ولكن على الورق فقط، أو في الندوات والمؤتمرات، وهذا ما جعل بعض من النساء الكينيات تلجأن للتخلص من قهرها ودحض دورها، بالعيش بعيدا في وحدة بعيدا عن الرجل وتسلطه.  فأنشأت قرية للنساء فحسب، يحرم دخول الرجال إليها، وبدأت فكرة القرية بـ15 امرأة قررن أن يبتعدن عن القهر المعنوي والجسدي للرجال، وأطلقوا عليها أسم “أوموجا“ أي الوحدة باللغة السواحيلية، وتبعد عن العاصمة الكينية نيروبي 350 كيلو مترا ويعيش فيها حاليا 47 امرأة  و200 طفل،  يعقدن مجلسهن اليومي تحت "شجرة الكلام"، لاتخاذ كثير من القرارات المهمة بعد أن عانين كثيرا من  ظلم الرجال.
وتزعمت هذه القرية سيدة تدعى ناجوسي لوكيمو، والتي لجئت إلى القرية بعد أن  تعرضت للاعتداء على يد 3 جنود بريطانيين، من عناصر الأمم المتحدة، عندما كانت ترعى الماعز والأغنام، وعندما عادت الي بيتها أخبرت زوجها عن تلك الجريمة، لكنه لم يرحمها، بل زاد من تعذيبها، ففرت من المنزل، لتلقي مرارة الجوع والعطش والخوف لمدة 90 يوما، في الصحراء، وخلال هذه الرحلة، التقت بالعديد من النساء، اللاتي عشن تجارب مشابهة، وتنقلن معا بين المزارع، وحاولن بيع الخضراوات من أجل العيش، ثم قررن تأسيس قريتهن على نحو بسيط للغاية، وكسب دخل منتظم، يوفر الغذاء والكساء والمأوى للجميع.
ومع مرور الأيام أصبحت قرية "أوموجا"، ملاذا للنساء المعذبات، والهاربات من ظلم الرجال، وأصبحن يكسبن عيشهن من رعى الأغنام والماعز، وصنع الإكسسوارات وبيعها للسياح دون وجود للرجل.

ــــ المرأة في وسط أفريقيا
حظيت المرأة في جمهورية إفريقيا الوسطى، بدور مميز بالقياس الى الدول الأفريقية الأخرى، فاعتبرت أفريقيا الوسطى هي أول دولة إفريقية يكون رئيس مجلس وزرائها سيدة، هي السيدة إليزابيث دوميتين، في الفترة ما بين 1975 و1976, وتعد بذلك أول سيدة تتولى هذا المنصب في جمهورية أفريقيا الوسطى وفي القارة الأفريقية كلها, كما كانت السيدة جين ماري روث رولاند أول مرشحة لرئاسة الجمهورية في إفريقيا ، أما السيدة كاثرين سامبا بانزا الناشطة في مجال حقوق المرأة وخصوصًا مكافحة تشويه الأعضاء التناسلية للإناث والعنف بجميع أشكاله فهي أول رئيسة  لدولة أفريقيا الوسطى، حيث تولت رئاسة المرحلة الانتقالية في الدولة منذ 23 يناير 2014 وهي بذلك تعد أول امرأة تتولى منصب الرئاسة في دولتها وفي القارة الأفريقية، وهذا ما يعطي انطباعا على أن دور المرأة في أفريقيا الوسطى أتى ثماره.

أما جمهورية الكونغو الديمقراطية فلم تصل النساء هناك إلى موقف المساواة الكاملة مع الرجل، رغم نضالهن المستمر حتى يومنا هذا. وتأكيد النظام الحاكم على أهمية مساهمة المرأة في المجتمع،  وبالرغم من أن المرأة تتمتع ببعض الحقوق القانونية، مثل الحق في التملك والحق في المشاركة في القطاعات الاقتصادية والسياسية، فأن العرف والقيود الاجتماعية لا تزال تحد من الفرص المتاحة لهن.
ونتيجة للضغوط المستمرة على المرأة في منطقة وسط أفريقيا وخاصة في الكاميرون نجد أن بعض النساء من جماعة الأندلو في الكاميرون تقوم بإقرار عقوبات ضد الرجال الذين يرتكبون أعمال عنف ضد النساء، فحينما تتعرض المرأة للضرر تطلق صيحات معينة، وتردد النساء ذات الصيحات وراءها، ويتركن كل شيء ويذهبن إليه أو يكوًن جسرا، ويذهبن إلى مكان وجوده ويبدأن في الغناء والرقص، مرددين الصيحات المنددة بذلك الرجل، وفي يوم العقاب تلبس النساء ملابس الرجال ويمسحن وجوههن ويغطين أجسادهن بورق الشجر.. ويسرن في تظاهرة لمنزل الجاني ويقذفنه بأنواع من الثمار الضارة حتى يعود لها الحق.
كما أن للنساء التشاديات دور أساسي في دعم الاقتصاد، حيث اعتبروا المحللين أن المرأة في تشاد هي الدعامة الأساسية لاقتصاد الدولة، لذلك يتم الاعتماد عليها بشكل كبير عن الرجل خاصة في المناطق الريفية، حيث يفوق عددهن عدد الرجال.

ــــ المرأة في غرب أفريقيا
يشكل الدور الاجتماعي للمرأة في مالي من قبل تفاعل معقد بين مجموعة متنوعة من العادات والتقاليد في المجتمعات العرقية، وخاصة مع صعود وسقوط إمارات قبل الاستعمار، وأثناء الاستعماري، وبعد الحصول على الاستقلال، والانتقال إلى مرحلة التحضر، كل هذه الاحداث أثرت بشكل أو بأخر على دور المرأة ووضعها في مالي، فنجد أن تعداد النساء في مالي أقل بقليل من نصف السكان، كما نجد أن نسب الأم في في بعض المجتمعات يؤثر بشكل كبير في تحديد المَلِكْ الجديد لمالي.
ورغم أن نسبتهن ضئيلة بالنسبة للرجال في مالي، الا انه كان دائماً لهن دورا حاسما في الهيكل الاقتصادي والاجتماعي لهذا المجتمع الريفي الزراعي، ونجد أن المرأة والرجل متساويان أمام القانون في مالي، ولكن لا يزال دور المرأة يتأثر بالعادات الاجتماعية والسمات الاقتصادية التي قد تحد من تصرفاتهم.

أما في منطقة الساحل الأفريقي (سيراليون، ساحل العاج، غينيا، ليبيريا )، تنتشر جمعية الساندي والتي تحاول أن تحمي المرأة وتؤكد على دورها في بناء المجتمع، فهي تسهم في تعليم البنات بعض المهارات كما إنها تركز علي العمل في مجالات التمييز الطبقي بإعطاء النساء الكبيرات في السن السلطة، وفي مجالات العمل والخدمات بشكل عام وفي مجال البعثات التبشيرية حيث تعيش البنات في مدارس منفصلة لعدة أيام، وتستفيد القيادات النسوية ماديا أيضا من الرسوم التي تدفعها الأسر لالتحاق بناتهم بالمدارس.
وإذا نظرنا لدور المرأة في ساحل العاج فنجد أن النساء هناك يشكلن أقل من نصف سكان البلاد في عام 2003 وقد تغيرت الأدوار الاجتماعية والفرص المتاحة للجنسين منذ عهد الاستعمار الفرنسي. فمنذ وصول ساحل العاج إلى الاستقلال في عام 1961 وحتى عام 1990 كانت المرأة أدنى وضعًا من الرجال في ظل القانون. ولكن جلبت التغييرات القانونية عقب وفاة الرئيس فيليكس هوفويت-بواني تحسّن في الفرص القانونية والتعليمية للنساء على كافة الأصعدة، كما تمكنت بهذه التغييرات المرأة في ساحل العاج من تَقَلُّدِ أعلى المناصب الحكومية وفي عالم الأعمال.


بالرغم من تمسك المجتمع بالتقاليد والعادات إلا أنها تختلف اختلافاً كبيراً من منطقةٍ إلى أخرى و تتبع عادةً السياق الاجتماعي. ويعيش داخل ساحل العاج أكثر من 60 مجموعة عرقية، تعطي كل من هذه المجموعات دوراً تقليدياً مختلفاً خاصاً للنساء، كما تؤثر الأديان المتواجدة في البلاد على وضع المرأة بشكل عامٍ.
وكما يحدث في النيجر من أن النساء اللاتي يعشن هناك هن مسلمات بنسبة 98%، فمعظم التشريعات التي تحمي المرأة في هذا البلد منبعها الإسلام، كذلك في نيجيريا يختلف دور المرأة بحسب متغيرات الدين والموقع الجغرافي، وبشكل عام فإننا نستطيع تقسيم دور المرأة في المجتمع النيجيري إلى النساء في شمال نيجيريا والنساء في جنوبها.
فنجد أن جمعية الاعتصام، تهتم بالتضامن الفطري بين النساء وممارستهن لسلطتهن في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية، كما أنها تعبر عن أحد أشكال التضامن بشكل طريف، فالرجل الذي يعتدي علي امرأة ولا يأخذ بعين الاعتبار النقد الذي يوجه إليه أو الشكوي منه، يتم اتخاذ شكل من أشكال الحرب الاجتماعية عليه، فتعتصم النساء ويعلن الحرب على الرجل المخطئ، ويغطين رؤوسهن بغطاء معين ويمسحن وجوههن بالرماد، ويلبسن لباسا قصيرا.. ويقمن بغيرها من مظاهر وممارسات.. وما لم يدفع الرجل تعويضا، حتي ترفع النساء اعتصامهن.
أما في موريتانيا فنجد أن الدين والشريعة الإسلامية يتحكم بشكل كبير في مسار حياة المرأة الموريتانية, وقد يقتصر تعليم بعض الفتيات على حضور بعض المدارس القرآنية، لتعلم بعض آيات من القرآن وتحقيق الحد الأدنى من مهارات القراءة والكتابة، وتتولى الأم تعليم ابنتها بعض الشؤون العائلية والمنزلية ورعاية الأطفال. أما الأب فيكون اهتمامه الأكبر هو تجهيز بناته للزواج، حيث تتعرض الفتيات المراهقات غير المتزوجات إلى النقد الاجتماعي الشديد.
كما نجد أن عوامل متعددة أثرت على دور المرأة في المجتمع الموريتاني في أواخر الثمانينات إثر تطبيق الشريعة الإسلامية في مناطق غرب إفريقيا والتي منحت المرأة بعض الحرية في مناحي المجتمع والاقتصاد؛ كما أثر التطور الاقتصادي المتسارع في موريتانيا في التأثيرات التي باتت تتضاءل للمجتمع البدوي والتي أعيد النظر بها.

وفي السنغال نجد أن التقسيم التقليدي للعمل هناك جعل المرأة السنغالية هي المسؤولة عن المهام المنزلية مثل الطهي والتنظيف، ورعاية الأطفال. كما أنها مسؤولة عن نسبة كبيرة من العمل الزراعي، بما في ذلك إزالة الأعشاب الضارة والحصاد، وزراعة وحصد المحاصيل المعتادة مثل الأرز، أما الرجل وخاصة مع التغيرات الاقتصادية، والتمدن الذي تشهده معظم الدول الأفريقية، بدأ يذهب ليبحث عن العمل خارج نطاق حدوده فلجأوا للهجرة إلى المدن، وهذا ما زاد من العبء على كاهل المرأة السنغالية خاصة الريفية في إدارة موارد وغابات القرية ومطاحن الدخن والأرز فيها.
وهذا الدور جعل لها مكانة متميزة في بناء المجتمع هناك، حيث قامت وكالة التنمية الريفية الحكومية السنغالية بتنظيم نساء القرية وإشراكهن في نشاط أكبر في العملية التنموية، كما تلعب المرأة السنغالية  دوراً بارزاً في لجان الرعاية الصحية في القرى وبرامج ما قبل الولادة وما بعدها. أما في المناطق الحضرية . فقد لوحظ تغيير في الثقافة التي كانت تنظر للمرأة كإنسان درجة ثانية،، كما نجد أيضا أن المرأة السنغالية مؤثرة بشكل كبير في المجتمعات التقليدية، حيث استخدِمت النساء من طبقة النبلاء كمؤثراتٍ في الكواليس السياسية. كما أن نسب الأم يمثل الوسيلة الوحيدة لأن يصبح شخص ما أميرٍا أو ملكاً.


وفي بنين بدأ دور المرأة يتطور ووضعها يتحسن بشكل ملحوظ منذ استعادة الديمقراطية والتصديق على الدستور، وإصدار قانون الأحوال الشخصية والأسرة في عام 2004، ولكن العادات والتقاليد التي تحط من قدر المرأة وتضعها في مكان غير متكافئ مع الرجل لاتزال تهيمن على تصرفات الأشخاص بشكل عام، كما يستمر وقوع حالات من تعدد الزوجات والزواج القسري رغم وجود قانون بتجريم هذه الأفعال ، إلا أن الفساد يعرقل عمل الشرطة، والخوف من وصمة العار الاجتماعية يجعل من القصاص الحقيقي أمرًأ مستحيلًا، ويحدث ذلك أيضًا في جرائم العنف المنزلي، فرغم تجريمها قانونيًا بعقوبة تصل إلى 3 سنوات إلا أن تردد النساء في الإبلاغ عن هذه الحالات يجعلها متكررة الحدوث وعلى نطاق واسع.

ــــ المرأة في الجنوب الأفريقي
في أنغولا نجد أن دور المرأة هناك يتحدد في النشاط الزراعي حيث تقوم دولة أنجولا على النشاط الزراعي كما هو حال العديد من الدول الأفريقية، فتشارك السيدة الأنجولية في الأعمال الزراعية بالإضافة إلى الأعمال السياسية والمصالح الاقتصادية، فضلًا عن تكوين الأسرة وإنجاز العمل المنزلي، كما أن معظم السكان يعملون في الأنشطة الزراعية وخاصة في المناطق الريفية في أنغولا، لكن الكثير من العمل الزراعي يكون على عاتق المرأة هناك، كما تشارك المرأة الأنغولية في تأسيس الأسرة والمجتمع والسياسية، وتساهم أيضًا في العديد من الأمور الحياتية الخاصة بالقبيلة أو العائلة التي تنتمي إليها بالإضافة  إلى الاعتبارات الشخصية. وبما أن الأسرة الأنغولية عادة ما تكون أعدادها كبيرة. فالنساء هن من يعددن الطعام للأسرة ويتوجب عليهن أداء جميع الأعمال المنزلية الأخرى. وحيث أن دورها كان كبيراً في إنتاج الأغذية، فقد أحتلت المرأة مكانة متساوية نسبياً مع الرجل الذي قضى جزءا كبيرا من وقته في الصيد أو الاعتناء بالماشية.

تأتي جزر القمر في مقدمة الدول العربية الأفريقية من حيث منح المرأة حقوقها، والاعتراف بدورها المتميز، حيث تشغل المرأة 20 % من المناصب الوزارية، كما تحتفظ الزوجة عادة بالأرض أو المنزل في حالة الطلاق. بالإضافة لكون المرأة لا تعاني ضغوطًا لإنجاب الذكور دون الإناث، كما أن تنظيم الأسرة مقبول على نطاق واسع وتدعمه حملات توعية تديرها الدولة. بالرغم من الوضع الاقتصادي المتدني و كون أزواج النساء في جزر القمر هم عادة من المزارعين أو العمال إلا أنهن و في كثير من الأحيان يتحركن بحريةٍ أكثر من نظرائهنَّ في أوساط النخبة الاجتماعية. فالنساء هناك عموماً لسن منعزلات. وقد شكلت النساء في جزر القمر نسبة 40.4% من قوة العمل في  بداية التسعينيات، وهو رقم أعلى قليلا من المتوسط بالنسبة لدول إفريقيا جنوب الصحراء .وعلى نطاق الحياة السياسية في جزر القمر  لعبت المرأة دوراً محدوداً فيه.
وفي مدغشقر تعيش المرأة عمرًا أطول من الرجال، ولكن دورها محدود لكونها لا تملك نفس الفرص التي يملكها الذكور في التعليم والعمل. ، ويزيد في مدغشقر (عموماً) متوسط عمر النساء على متوسط عمر الرجال.
كما تعاني الإناث في مدغشقر من الزواج المبكر والإنجاب في سن صغيرة جدًا، وحسب التقاليد يقمن بخدمة أزواجهن. فأقل من ثلث نساء مدغشقر ينجبون في سن أكبر من 19 سنة.  وحتى النساء اللاتي يحاولن تأجيل عملية الحمل والإنجاب غالبًا ما قد يفشلن في الحصول على وسائل منع الحمل المناسبة، ويترتب على ذلك ارتفاع حالات الإجهاض، وبالرغم من نص الدستور على مساواة المرأة بالرجل فإن المرأة عادة لا تحصل على حقوق التملك و لا على فرص عمل متساوية مع الرجل في مناطق معينة.


أما مالاوي فتعد مالاوي أحد أفقر دول العالم، كما أن نصف الإناث في مالاوي يجبرن على الزواج قبل سن 18 سنة حسب إحصائيات الأمم المتحدة لعام 2012، بذلك تمتلك مالاوي أحد أكبر معدلات زواج الأطفال  في العالم. وتتعرض الفتيات الصغيرات بدءًا من سن 7 سنوات إلى تقاليد جنسية عنيفة. وفي عام 2015 وضعت مالاوي قرارا بتجريم زواج الأطفال تحت سن 18 سنة، ومع ذلك فالتقاليد والعادات تدفع الأهل لعدم الالتزام بالقانون وتزويج بناتهم تحت السن القانوني. بالإضافة إلى الدوافع المادية حيث تلجأ العديد من الأسر لتزويج فتياتها للتخلص من أعباءها المادية على الأسرة.
وكما في الدول الصناعية الأخرى، فإن دور النساء في موريشوس يتغير دراماتيكيا ، وأحد أهم الأسباب التي كانت وراء هذا التغير هو تأثير المرأة في العديد من الوظائف التي أنشئت في الثمانينات في مناطق التصدير، بالرغم من الأجور المتدنية في أغلب الأحيان إلا أن دور المرأة سابقاً كان قد انحصر فقط في دور الأم والزوجة ـــــــ والتي منحتها بعض الحرية الاجتماعية ــــــ إلا أنها الان تتدرج من الأفضل إلى الأفضل.
تتمتع المرأة في جزر سيشل بنفس حقوق الرجل السياسية والاقتصادية والمدنية كالرجل، وهذا يرجع لكون النظام الاجتماعي في جزر سيشل هو نظام أمومي، تسيطر الأم على مقدرات المنزل، وتتحكم في توجه العائلة و مستقبل الأبناء، ففكرة الأمومة لديهم عادة اجتماعية حتى دون زواج، لذلك تحتل المرأة هناك مكانة ودورا بارزا يحترمه الجميع، لكن حسب القانون فإن الدعم المادي يجب أن يأتي من الرجال، فأهميتهم تكمن في الحصول على دخل مادي ، ولكن دوره يعتبر نسبياً هامشياً، تعتمد السيدات الأكبر عمراً على تحصيل الدخل من أفراد العائلة .
منذ أن نشأت دولة سيراليون عام 1787 كان دور المرأة أساسياً في تطوير اقتصاد الأمة،  كما أنهن يلعبن دوراً مهماً في نظام التعليم، وذلك بإنشاء المدارس والكليات، لدرجة أنه تم إنشاء نصب تذكارية كعرفانٍ لمساهماتهن في هذا المجال مثل حنا بينكا-كوكر والسيدة لاتي هادي-فورستر وهي أول أمرأة تتخرج من كلية فوره بي فقد منحت شهادة الدكتوراه في القانون المدني من جامعة سيراليون.
تتميز دولة جنوب إفريقيا، بأن جميع الجماعات العرقية والأثنية هناك لديها معتقدات قديمة فيما يتعلق بأدوار الجنسين، وتستند في الغالب على أساس أن النساء في جنوب إفريقيا هن أقل أهميةً أو أقل استحقاقاً للسلطة، من الرجال، فمعظم المنظمات الاجتماعية التقليدية الإفريقية تركز على الذكور، والذكور يهيمنون على جميع مناحي الحياة، حتى في التسعينات من القرن السابق كانت بعض المناطق الريفية في جنوب إفريقيا لديها عادات تتماشى وهذا المفهوم الذي يعطي الرجل قيمة أعلى ، فعلى سبيل المثال تقوم الزوجة بالسير خلف أزواجهن ببضع خطوات تماشياً مع الممارسات التقليدية. ورسخ هذا المفهوم بعض المعتقدات الدينية مثل تركيز الأفريكانية ــــــ والتي تركز على الفهم النظري للكتاب المقدس ـــــــ على فكرة تستند ان مساهمات المرأة في المجتمع ـــــ عادة ـــــ ينبغي أن يوافق عليها الرجل، أما مجتمعات الجنوب إفريقيين من ذوي الأصول البريطانية فإنها تميل إلى أن تكون المجموعة الأكثر ليبرالية، بما في ذلك المسائل المتعلقة بأدوار الجنسين.
من هنا وحسبما ترى الناشطة النسائية الدكتورة "فاطمة بابكر" فى كتابها «المرأة الأفريقية بين الإرث والحداثة»، أن ما يحدث للمرأة الأفريقية من استغلال وقهر، واختلاف في التعامل ، من منطقة و دولة الى أخرى يعود للعقلية الذكورية الطبقية والرأسمالية المسيطرة على المجتمع الأفريقي، لذلك إذا أرادت المرأة تغيير العالم فلابد لها من رؤية ونظرية نسوية تلهمها وتفتح لها الطريق فى سبيل هذا التغيير .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
ـ علياء الحسين محمد كامل، النسب الأمومي ودور المرأة لدى شعب السرر بغب وجنوب السنغال، دراسة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية ، مجلة الشؤون الأفريقية (القاهرة : جامعة القاهرة ، معهد البحوث والدراسات الأفريقية ، المجلد 2 ، العدد 5 ، يناير 2014).ص 196.
ـ د. محمد عبد الغني سعودي، أفريقيه في شخصية القارة وشخصية الأقاليم، (القاهرة : مكتبة الأنجلو المصرية ، 2014).
ـ سماح دياب، المرأة الأفريقية بين الإرث والحداثة،
http://www.ahram.org.eg/
ـ شهرزاد أمسكان ،  أيُّ دورٍ للمرأة الأفريقية في بناء ثقافة السلام ودعم التحول الاجتماعي والاقتصادي للقارة
http://www.nadorcity.com/
ـ وضع المرأة الأفريقية.
http://www.aljazeera.net
ـ أمانى الطويل ،المرأة في إفريقيا.. تاريخ ومكانة وجمال
http://hadarat.ahram.org.eg

بوركينا فاسو بلد الأحرار وشعب يصعب إفساده

     تعتبر بوركينا فاسو أحد أهم دول القارة السمراء التي تتوسط غرب أفريقيا، فهي دولة داخلية لا تملك سواحل بحرية، يحيطها ستة دول هي مالي من الشمال، النيجر من الشرق، بنين من الجنوب الشرقي، توغو وغانا من الجنوب وساحل العاج من الجنوب الغربي. تقع بوركينا فاسو ضمن دول الصحراء الكبرى في أفريقيا. وتتميز بثرواتها الطبيعية التي لا مثيل لها، وأهم تلك الثروات المنجنيز، الذهب، النحاس، الحديد، الفوسفات، وحجر الكحل، النيكل، البوكسيت، القصدير، الزنك، الفضة. كما تمتلك ثروة حيوانية قوية، فهي أكبر مصدر للماشية للدول المجاروة؛ كما تملك كميات هائلة من مناجم الذهب، ناهيك عن غزارة الأمطار، فأراضيها يملأها الخير؛

-أصل التسمية
     "بوركينا فاسو" لم يكن هذا الاسم يطلق عليها هباءً، فذلك الاسم الذي اطلقه عليها، الرئيس الثائر "توماس سنكارا" في الرابع من أغسطس عام 1984، حيث وجد أن هذا الاسم هو الأنسب ليطلق على شعب ثائر أراد أن يتخلص من براثن الاستعمار، ليعيد كرامته، فأطلق عليها بوركينا فاسو ليدلل من خلاله على كرامة شعبه وشهامتهم! كما تعرف بوركينا فاسو في اللغة المحلية: بأنها "أرض الناس الصالحين"، أو "الشعب الذي يصعب إفساده"،
    فالاسم يتكون من اللغات الثلاث الأكثر أصالة في البلد؛ وهم، اللغة الموشية وهي لغة أكبر القبائل الموجودة في بوركيا فاسو، وتعني السكان الأصليون والغالبية، ولغة جولا أو البمبارا، وتعني بلد الأحرار أو الأشراف، أو الطاهرين،؛ وهي لغة تجارية يعرفها أكثر التجار، وهي ليست تابعة لقبيلة واحدة, وهي معروفة حتى في دول مالي وتشاد وساحل العاج؛ أما لفظ فاسو فتعني في اللغة الفلاتية، وطني الأم، وهي لغة منتشرة بين الشعب ـ كما يرجع لهتين اللغتين الفضل في نشر الإسلام في بوركينا فاسو، ومن ثم فإن التسمية جاءت لتدل على حب الوطن. وقد كان يطلق عليها قديمًا اسم "فولتا العليا" نسبة إلى النهر الذي يمر بالمنطقة، أما عن اللغة الرسمية في البلاد والتي يعرفها الكل تقريباً هي الفرنسية.



- سكان بوركينا فاسو.. نشاط بشري متنوع
     وكباقي الدول الأفريقية، يتوزع سكان بوركينا فاسو البالغ عددهم 15 مليون نسمة، بين العديد من العرقيات والإثنيات الكبيرة، هي: الوالتايك والماندي (الموسى)، فيما يتوزع باقي السكان بين إثنيات قليلة العدد نسبيًا، وهي: الفلاني، لوبي، بوبو، سنوفو جورونسي، بيسسا، وجورمانش، ويشكل كل من البوبو، والجورونسي واللوبي منفردين أقل من 10% من السكان، ويسكن شعب البوبو الجنوب الغربي، ويقطنون قرى كبيرة حيث يشيدون منازل تشبه القلاع، جدرانها مبنية من طوب اللبن وسقوفها من القش. وتبنت مجموعة الجورونسي التي تسكن حول كودوجو التغيرات الحديثة بسرعة أكبر من شعوب الموساي. يسكن شعب اللوبي في منطقة جاوا، وقد كانوا منذ أمد طويل صيادين بارعين ومزارعين مهرة، أما الآن يهاجرون للعمل في المدن والمناطق المحيطة بها.
أما مجموعة الماندي، فتشمل شعوب البوسانسي، والماركا، والسامو، والسنوفو. هذه الشعوب فروع لمجموعات الماندي التي تسكن في مالي وغينيا وفي شمال ساحل العاج، وفي الوقت نفسه يوجد في بوركينا فاسو عدة آلاف من الرعاة الرحل من الفولاني والطوارق، يتجولون بخرافهم وماعزهم وبعض المواشي الأخرى في المناطق الرعوية في الجزء الشمالي من بوركينا فاسو. وهناك أيضًا عدد قليل من التجار الهوسا الذين يسكنون المناطق الحضرية.
     وتعتمد بوركينا فاسو في اقتصادها على تصدير الماشية، حيث تعد تربية الأبقار النشاط الأكثر أهمية في اقتصاد بوركينا فاسو، فيوجد بها ما بين 2 و3 ملايين رأس من الأبقار والماعز والأغنام. ويشكل التصدير ما بين ثلث إلى نصف عائد الصادرات.

 


     كما توجد معظم الأراضي الصالحة للزراعة في أودية الأنهار، لذلك يستغل المزارعون معظمها تقريبًا لزراعة المحاصيل الغذائية، مثل: الفول، والذرة الشامية، والدخن، والأرز، والذرة، والفونيو وهو عشب بري حامض تستخدم بذوره حبوبًا غذائية، أما المحاصيل النقدية فهي القطن، والفول السوداني وجوز الشيا وهو نبات تحتوي بذوره على دهن يستخدم في صناعة الصابون.
وتصدر بوركينا فاسو المواشي إلى ساحل العاج وغانا، والقطن وجوز الشيا إلى فرنسا، وتستورد الغذاء والمعدات الزراعية من فرنسا ومن الدول الأعضاء في الجماعة الأوروبية.
كما يذهب العديد من الشباب المزارعين إلى غانا وساحل العاج للعمل في مزارع الكاكاو والبن لمدة عامين أو ثلاثة، ويشكل ما يبعثون به من مال إلى وطنهم جزءًا مهمًا من الدخل القومي في بوركينا فاسو.
     كما يعتمد المواطنون في بوركينا فاسو على الدراجات النارية، في التنقل، حيث توجد في شوارع العاصمة "فاجادوجو" عددا مهولا منها فلا يوجد شخص تقريبًا لا يملك هذه الوسيلة من المواصلات والتي سهلت على الشعب التنقل حتى بين المدن.

 


-الزي البوركيني بين التمدن والأصالة
في العاصمة يلبس الشباب (البنطلون والتي شيرت) ولكن في المدن الداخلية يلبس المواطنون ألبسة محلية واسعة فضفاضة مزخرفة وبألوان زاهية, وطاقية خاصة بهم تلمس فيها الثقافة الإسلامية.  
وفي الأعياد يقوم الأطفال بعد الخامسة مساءاَ بالتجمع فرقا فرقًا, وفي أيديهم علب صغيرة ويمرون على البيوت يجمعون النقود، ومن عادات القرى تجمع أهالي القرية في مكان واحد يشبه الساحة وأداء الرقصات المحلية, وهي من التجمعات النادرة لكامل القرية, وتكون فقط في عيدي الفطر والأضحى.
ومما يلفت النظر في شوارع العاصمة بعد دخول أوقات الصلاة أن ترى عشرة أشخاص أو عشرين شخصا أقاموا صلاة الجماعة؛ إذ يتجمع التجار والعاملون في الدكاكين والحانات ليصلّوا أمام محلاتهم بشكل يعكس إسلاماً خالصا متمكنًا في تلك الشعوب.



-لمحة تاريخية
كانت بوركينا فاسو (فولتا العليا) سابقًا جزءًا من مملكة غانا، ثم مملكة مالي الإسلامية، ثم خضعت لمملكة صنغاي الإسلامية، وبعد تفتت المملكتين ظهرت مملكة (فولتا)، التي اتخذت من مدينة واجادوجو عاصمة لها- وما زالت- ثم ما لبثت مملكة (فولتا) أن وقعت تحت الاستعمار الفرنسي، حالها كحال باقي الممالك والدول الواقعة في غرب القارة السمراء التي استعمرتها فرنسا في القرن التاسع عشر، حيث وقع المستعمر الفرنسي معاهدة مع مملكة (فولتا) عام 1896 انضمت بموجبها إلى مملكة السنغال العليا، ويذكر المؤرخون أنه عندما حاول مواطنو فولتا العليا نيل استقلالهم وقعوا تحت ضغوط استعمارية قوية، تم على إثرها تفتيت أراضيهم بين دول ساحل العاج ومالي والنيجر، وظلت على هذا الحال حتى استعادت فولتا العليا وحدة أراضيها في مستعمرة واحدة يسيطر عليها الاحتلال الفرنسي، وكان ذلك في عام 1947، وظلت على ذلك الحال حتى نالت استقلالها التام عام 1960.

دخول الإسلام
     عرفت بوركينا فاسو الإسلام منذ قرون طويلة، حيث يُرجع المؤرخون بداية دخول الإسلام إلى أرض الناس الصالحين في القرن الخامس من هجرة النبي صلى الله وعليه وسلم، طبقًا لما ذكره المؤرخ البوركيني "جوزيف كي زيربو" في كتابه: (تأريخ إفريقيا السوداء)، حيث أشار أيضًا إلى أن بوركينا فاسو عرفت الإسلام في نفس الفترة التي دخل فيها الإسلام والمسلمين إلى مملكة غانا، انطلاقًا من أن بوركينا كانت في تلك الفترة جزءًا من مملكة غانا.
 ويقول المؤرخون: إن انتشار الإسلام ودخوله إلى دول غرب إفريقيا، ومنها بوركينا فاسو، بطبيعة الحال، يمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: تبدأ 640 م، وتنتهي حوالي 1050م، والتي تم فيها فتح المسلمين لدول الشمال الإفريقي، وتحديدًا بعد أن تم فتح مصر، حيث اتجه بعدها العرب والمسلمون إلى الغرب، واستطاعوا أن ينتصروا على الجيوش الرومانية ومن ساعدهم من الأهالي ولاسيما البربر، وتذكر كتب التاريخ أن العرب والمسلمين وقعوا صلحًا مع البربر، شريطة أن يقدموا ألف مقاتل إلى جيش المسلمين، أملاً في أن يتحول هؤلاء البربر إلى الإسلام.
     المرحلة الثانية: حيث توقف الإسلام قليلاً عن الانتشار في الغرب الإفريقي في أواخر القرن العاشر الميلادي الرابع الهجري، وأرجع المؤرخون ذلك إلى ثورات البربر وحروب الروم، وفتن ملوك المغرب، إلا أن ظهور حركة المرابطين(في القرن الحادي عشر) كان له دور كبير في تعظيم الروح القومية لدى قبائل البربر، الأمر الذي ترتب عليه اجتذاب عدد كبير من قبائل البربر نحو الاندماج في الأمة الإسلامية، الأمر الذي كان له دور كبير في نشر الدعوة الإسلامية، وأرجع المؤرخون ذلك إلى القرنين الحادي عشر والسابع عشر، في منطقة غرب إفريقيا والسودان الغربي خاصة بين الزنوج.
كما تشير كتب التاريخ إلى أن البربر أول من أدخلوا الإسلام في السنغال والنيجر وغانا، كما تمكن البربر عام 1076م من طرد الأسرة الحاكمة في غانا، الأمر الذي ترتب عليه إسلام كثير من أفراد الشعب.
أما المرحلة الثالثة: فتمتد بين عامي 1750 : 1901م، وقد شهدت نهضة قوية للإسلام، حيث ظهور مشايخ الطرق، في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، بالإضافة لظهور عدد كبير من الدعاة المسلمين الأفارقة، يأتي على رأسهم (عثمان دانفوديو، ومحمد الأمين الكانمي، والحاج عمر بن إدريس، ومحمد المهدي).

-أحوال الإسلام والمسلمين
     يتضح مما سبق أن دخول الإسلام في هذه الدول أو المدن التي فتحت لا صلحا ولا عنوة، وبالتالي لم تشهد جزية ولا خليفة ولا واليا. ويعادل نسبة المسلمين 55 % على أقل تقدير، وتصل في بعض التقديرات إلى 75 %؛ فالإسلام هو الديانة الكبرى هناك، تليها المسيحية، ثم الأديان التقليدية أو البدائية الأخرى.
     وقد اعتمد العمل الإسلامي في بوركينا قديما على الجانب الدعوي التقليدي. حيث يمثل شيخُ القرية الإسلامَ، يستشار فيشير، يستنصح فينصح، يدعى لرقية المريض فيرقيه بآيات قرآنية وأدعية معينة؛ له الكلمة في المناسبات والخطبة في الجُمعات، كما يرجع الناس إليه في الفتوى. ويعلم الناس ويحفظهم قراءة القرآن، وفي مقابل هذا العمل الإسلامي يخدم الطلاب الشيخ، ويبيتون عنده إذا أرادوا، ويأتي أهل المستطيع منهم للشيخ بشيء من القمح أو الأرز أو الشعير أو المال؛ ولا تحديد لأي شيء نسبة ولا مقدارا. وهكذا فإن في مقابل العمل الإسلامي يعيش الشيخ –في الغالب- على العطايا.
ومع بداية نظام التعليم في العصر الحديث وظهور الحاجة إليه، بدأ الآباء يَخرجون بأبنائهم من الكتاتيب لدى الشيخ إلى المدارس الدينية أو القرآنية كما يفضل الفرنسيون، وكان ذلك في مقابل مدارس التعليم الحكومية المتبنية للتربية والتعليم الفرنسي، والقائمة على اللغة الفرنسية. والسبب في ذلك هو أن المشايخ كانوا يذهبون إلى حرمة الالتحاق بالمدارس الحكومية؛ من باب الولاء والبراء، أو كراهيتها على أقل تقدير. فأصبح الشعب البوركيني بين خيارين، المدارس الحكومية (Ecole)، أو المدارس الدينية (Madrasa)، علما أن بدايات نشأة المدارس الدينية لقي كذلك إنكارا من مشايخ الكتاتيب، لذلك فـأقل من 20% فقط من سكان بوركينا فاسو يستطيع القراءة والكتابة، وحوالي 32% من الأطفال يتلقى تعليمًا ابتدائيا، ولكن يذهب 6% منهم فقط إلى المدارس الثانوية.

     فميلاد المدرسة كان بداية العمل الإسلامي الجديد في بوركينا فاسو ولم يختلف الهدف في العمل الإسلامي في هذه الحقبة مع ذي قبل، فكلاهما يسعيان إلى تعليم الإسلام وتدريسه. إلا أن العمل الإسلامي امتاز عن المرحلة السابقة في محاولة تعليم العربية والنطق بها؛ على خلاف الشيخ قديما فهو يُعلّم ويدرّس القرآن والحديث ويفسر ويشرح معتمدا على تلقيه من شيخه السابق دون إلمام باللغة العربية. فالتحدث باللغة العربية والقدرة على القراءة بها من مميزات هذه المرحلة، ومن هنا توجه العمل الإسلامي من نطاقه التقليدي إلى شيء تقليدي؛ بثوب جديد، وأصبحت المدرسة محك العمل الإسلامي، منه يخرج الواعظ والشيخ والمحفّظ. وقد أسس بعضها الجمعية الإسلامية –أقدم مؤسسة إسلامية للنظر في شؤون المسلمين، وهي أهلية، وتقليدية، إلا أن أغلب المدارس تتسم بالطابع الفردي في التأسيس والرؤى والعمل.
وتطورت المدارس الدينية مما جعل بعض المشايخ الذين وقفوا ضدها بالمرصاد بالأمس يرسلون أبناءهم إلى الدراسة فيها تأهيلا لخلافتهم من بعد. ثم من المدارس الدينية -التي ينتهي كلها بالمرحلة الثانوية- لذلك بدأ البوكينيون يبحثون عن الدول العربية لمواصلة سير الدراسة. فالدول العربية بنظرهم أم الإسلام وحاضنته، وهكذا دخل العمل الإسلامي طورا جديدا.


الحضور المسيحي والسيطرة على مؤسسات الدولة
     إن الحضور المسيحي القوي يتعلق بنجاح مؤسسات التبشير، وتغلغلها في بعض مؤسسات الدولة، وأبرزها مؤسسة الحكم، والمؤسسة الاقتصادية، والمؤسسة التعليمية، وقد ارجع الدكتور سعيد زيري- رئيس اتحاد طلاب بوركينا فاسو بالجامعة الإفريقية العالمية- ذلك إلى تفشي الجهل بين المسلمين، نتيجة لإحجام الأهالي عن إلحاق أبنائهم بالمدارس التي تسيطر عليها مؤسسات التنصير، والتي تشترط على الراغبين في الالتحاق بها تغيير أسمائهم الإسلامية إلى أسماء مسيحية، مبينًا إن الأقلية المسيحية نجحت بمساعدة الاستعمار الفرنسي في التغلغل والسيطرة على كل مقدرات الدولة من خلال وصول أبنائهم لأعلى المراتب العلمية في ظل انسحاب أبناء المسلمين تمامًا من الساحة. كما يعاني الدارسون باللغة العربية للعلوم الإسلامية والشرعية من تردي أوضاعهم المعيشية، لضعف حضورهم في المؤسسات لأن كل المتخرجين من الكليات العربية والجامعات الإسلامية لا تقبل مؤهلاتهم مهما كانت لكون المدارس التي تعلم اللغة العربية لا تزال ضعيفة لذلك لا تقبل الدولة توظيف أي شخص ليس متخرجًا من مدرسة فرنسية؛ لاسيما الدعاة والأئمة؛ بسبب عدم اعتراف الحكومة المسيحية بهم.
من هنا، يتضح رغم العديد من الظروف الصعبة التي تمر بها بوركينا فاسو إلا أنها لا تزال في البلاد خيرا كثيرا؛ فهي أرض خصبة جاهزة لكل شيء، للتجارة والصناعة والزراعة والاستثمار والتعليم والتربية لصناعة إنسان وتأسيس حضارة، كل ذلك فقط يحتاج لأيدي عربية أفريقية تتعاون لتحقيق الخير والرفاهية لأرض الصالحين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر/
- دكتور عبد الغني سعودي ، شخصية القارة  وشخصية الاقليم، مكتبة الأنجلو المصرية،2004م.
- تاريخ الدول الإسلامية السودانية بإفريقيا الغربية، عبد الرحمن زكي، القاهرة: المؤسسة العربية الحديثة،1961م.
- سكوتوري، مستقبل العمل الإسلامي في إفريقيا الغربية: بوركينا فاسو نموذجاً، موقع اسلام أون لاين http://islamonline.net/3823
- - أحمد يوسف  مشاهداتي في بوركينا فاسو، موقع http://www.rassd.com/5-43944.htm

اصدارات المركز


اخر المقالات


المكتبة الصورية


المرئيات


قناة اليوتيوب


المكتبة

عنوان الكتاب المؤلف نوع الكتاب الطبعة الاصدار الناشر دار النشر
الإشكاليات التنموية للمؤسسات الصغرى في تونس سعد الحفظاوي الاقتصاد 1 2015-01-21 15:11:00 مجمع الأطرش مجمع الأطرش - تونس
خيانة القاهرة شيرين أبو النجا ادب 1 2009-01-21 15:09:00 مكتبة مدبولي مكتبة مدبولي - مصر
جغرافية القارة الافريقية وجزرها مجموعة مؤلفين جغرافية 1 2000-01-21 15:08:00 دار الجماهرية للنشر دار الجماهرية للنشر - مصر
التسوية السلمية لنزاعات الحدود في افريقيا د. نادية عبدالفتاح عشماوي سياسة 1 2015-01-21 15:07:00 المكتب العربي للمعارف المكتب العربي للمعارف - مصر
الأحوال العامة لجبل نفوسة في المغرب الأدنى د. حارث كريم جياد الفاعوري تاريخ 1 2020-01-21 15:04:00 دار امجد دار امجد - العراق

المواقع التابعة