قمع المتظاهرين في نيجيريا

26/12/2018


بقلم الباحث : معتز محمد الكنعاني


       أخذ الاهتمام العالمي بحقوق الإنسان يتصاعد شيئاً فشيئاً بعد الحرب العالمية الثانية؛ لما جرى فيها من انتهاكات أصابت شعوب العالم بالذهول والصدمة, ولم تنتهي تلك الانتهاكات بعد توقف الحرب فقد حدثت حروب عديدة بعد ذلك منها حرب فيتنام التي امتدت لعشرين سنة تقريباً (1955-1975م), كما لم يخل العالم من مجازر وإبادات جماعية غالباً ما قامت بها جهات حكومية.



       ولقد كانت إفريقيا مرتعاً لجرائم الإبادة الجماعية حتى تسعينات القرن الماضي, وأبرزها المجازر الجماعية في الحرب الرواندية (1990-1993م) إذ ارتكبت فضائع قلّ نظيرها في التأريخ, منها مَقتَل ثمانمائة الف خلال مئة يوم في إبادة عرقية ارتكبها متطرفو قبائل الهوتو في حق قبائل التوتسي, ولكن بعد هذه الحادثة بعدة سنوات أخذ الوضع الإنساني يتحسّن تدريجياً بسبب تبدّل بعض الأنظمة الاستبدادية وحصول انتعاش اقتصادي استدرج يد جريمة لتنخرط في العمل فتلاشت العصابات المسلحة في المجتمع تاركين السلاح للدولة.


      


         لكن الوضع الانساني العام لم يمسِ وردياً لدرجة غياب الظلم والتعسّف مطلقاً, بل برز تنكيل حكومي بمن يعلو صوته متظاهراً أو يمارس شعائراً لا تروق للسلطة, فقد تعرّض بعض المسلمين الشيعة إلى معاملة ظالمة وتعسفية في نيجيريا[1] طالت متظاهرين سلميين إذ وصلت لحد إطلاق الرصاص الحي والقتل بدم بارد, لقد كان الشرطة يلاحقون الناس العزّل وإن هربوا منهم خوفا ًمن الرصاص, حتى خلّف القمع غير المتوقع العشرات بين شهيد وجريح.


        يبدو أن بعض المناطق في إفريقيا تأبى مغادرة الظلم والاستبداد والجرائم الوحشية سواء كانت شعبية أو حكومية وخصوصاً ما يحصل في نيجيريا, فبعد أن تلبدت زاريا بمجزرة[2] يندى لها جبين الانسانية, نكأت السلطة جرح الجماهير المهضومة لثلاثة ايام في أواخر أكتوبر الماضي (2018م) حين أطلقت الشرطة النار على مسيرة سلمية في اربعينية الإمام الحسين (عليه السلام), وقد كان للجيش عدة هجمات قبل هذه الحادثة خصوصاً ما نقلته ووثقته وكالات أنباء عالمية[3].


       لقد بالغت نيجيريا في ارتكاب مخالفات جهنمية لحقوق الانسان, إذ تضمنت عمليات الإعدام  خارج نطاق القضاء, والاخفاء في غياهب السجون, والاعتقال بلا حق قانوني, وممارسات التعذيب وغيرها من ضروب المعاملة السيئة التي أدّت إلى الموت في الحجز في بعض الأحيان وقد أكدت ذلك منظمة العفو الدولية[4].


       إن مسلسل حوادث الإبادة الجماعية يجرُّ البلاد إلى الوراء ويحول دون حصول أي تقدّم أو رفاهية مادامت السلطة تسلب المواطنين حقوق التعبير والتظاهر وممارسة الشعائر الدينية وتغيّب رموز دينية مسالمة ولا تهدد الأمن والسلم الأهليين كالشيخ الزكزاكي[5] المحتجز لدى السلطات, فإن تحوّل أمن الدولة إلى أمن الحاكم والسلطة فمما لا شك فيه لن تستقر سلطة تقتل الأبرياء وتستفزّهم بالرصاص.


       إن مثل هذه الممارسات السلطوية غير الحكيمة من شأنها خلق أجواء غير ايجابية بين مكونات الشعب الواحد وتسلب روح التلاحم والمودة والتعاطف بينهم وتمهّد لانتهاكات مستقبلية لا تُحمد عقباها, كما لو حدثت بين مكونين شعبيين وخرجت عن السيطرة, أو قد تواجه بردود فعل عنيفة لا تحمد عقباها, ولات حين مندم.


       إن غرور السلاطين وخيلائهم وتجبرهم ليأذن بحرب من الله عليهم لا تذر منهم ديّاراً, ولا تبقي لهم آثاراً, وقد حذّر أمير المؤمنين (عليه السلام) مالك الأشتر من مثل هذه الانحرافات, إذ قال له: (... إياك ومساماة[6] الله في عظمته والتشبه به في جبروته, فإن الله يذل كل جبّار ويهين كل مختال, أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك, ومن لك فيه هوى[7] من رعيتك, فإنك ألّا تفعل تظلم, ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده, ومن خاصمه الله أدحض حجته[8], وكان لله حرباً حتى ينزع[9] ويتوب ...)[10].


 


___________________________________


[1] - على الرغم مما قامت به من تشريع قانونين ينصّان على كون "اﻟﺘهديدات ﺑﻌﻤﻠﻴﺎت اﻹﺧﻼء اﻟﻘﺴي بدون إﺷﻌﺎرات ﻗﺎﻧﻧﻴﺔ ﺗﻌﺘﺒ إﺟاءات ﻏﻴ ﻗﺎﻧﻧﻴﺔ، ... وأن ﻋﻤﻠﻴﺎت اﻹﺧﻼء اﻟﻘﺴي واﻟتهديد ﺑﻤﺜﻠﻬﺎ ﺗﺼﻞ إﻟﻰ حد اﻟﻤﻌﺎﻣﻠﺔ اﻟﻘﺎﺳﻴﺔ واﻟﻼإﻧﺴﺎﻧﻴﺔ واﻟﻤﻬﻴﻨﺔ" حسب ما أفاد تقرير منظمة العفو الدولية (2017/2018م).


 


[2] -  في يوم السبت 12/12/2015 حاصر عدد من رجال الشرطة الحسينية في مدينة "زاريا" التي كان يتم فيها التحضير لمراسم ولادة الرسول الأكرم (ص) التي تبدأ من أول ربيع الأول كما كل عام وبدأوا بإطلاق النار فسقط العشرات من الرجال والنساء والأطفال قتلى وعدد من الجرحى، بعدها خرجت النساء بالتكبيرات والنداءات فقاموا بسوق عدد منهنّ إلى أحد مراكز الجيش فتبين فيما بعد أنه تم قتلهنّ ولم تعرف أعدادهم.


 


[3]    https://bit.ly/2SsLKjy


[5] - ابراهيم يعقوب زكزكي (5 مايو 1954م) عالم دين شيعي نيجيري ولد في زاريا في ولاية كادونا في نيجيريا وهو رئيس المنظمة الإسلامية  وزعيم الشيعة في نيجيريا, قتل ثلاثة من أبنائه وهم: أحمد وحميد وعلي عندما أقدمت الشرطة النيجيرية على اطلاق النار عليهم في مسيرة مؤيدة للقدس الشريف في يوم القدس العالمي سنة 1914م, تنظر: الموسوعة الحرة ويكيبيديا.


[6] - مساماة: سمو.


[7] - لك فيه هوى: تميل إليه.


[8] - أدحض: أبطل.


[9] - ينزع: يقلع عن ظلمه.


[10] - عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى واليه على مصر مالك الأشتر (رضوان الله عليه), نشر العتبة العلوية المقدسة/ قسم الشؤون الفكرية والثقافية: ص 16.

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

المكتبة

المسلمون في غرب أفريقيا .. تاريخ وحضارة
تاريخ الاضافة
11/09/2016
المسلمون في غرب أفريقيا .. تاريخ وحضارة

المجلة