طلائع المسلمين إلى شمال افريقيا

07/03/2019


الباحث: م. م معتز محمد الكنعاني


      لم يدخل شمال افريقيا في الإسلام لولا الفتح الإسلامي الذي كان على مراحل عديدة, إذ حدث ذلك بشكل تدريجي خصوصاً بلاد المغرب العربي الواقعة في القسم الشمالي الغربي من القارة, وتضم الأقاليم الممتدة من (برقة) إلى المحيط الأطلسي غرباً, وتشمل كل ما يلي مصر غرباً حتى المحيط الأطلسي مروراً (بتونس) و(سبتة) و(طنجة).


       امتاز فتح مصر والمناطق المجاورة باليسر والسهولة؛ وذلك لعدة عوامل منها رغبة أهل مصر بالإسلام, حتى أن بعض مناطقها أسلمت من دون قتال, ومنهم من آمن بالنبي صلى الله عليه وآله منذ أن عرف الرسالة الإسلامية, فالمقوقس -عامل هرقل في مصر- عاهد المسلمين على أن يدخلوا مصر من دون قتال وهذا ما حصل بالفعل, وقبل ذلك لما بلغه كتاب الرسول صلى الله عليه وآله , كان جوابه أحسن اجوبة الملوك حينذاك, وقد تضمّن ما يدلّ على إيمانه بالنبي (صلى الله عليه وآله), كقوله (بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط: سلام عليك, اما بعد, فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه, وما تدعو إليه, وقد علمت أن نبياً قد بقي, وقد كنت أظن أنه يخرج بالشام ...)[1], ولعله لم يصرّح بالإسلام خوفاً من الروم, وخصوصاً ملكهم هرقل.


       وقد صرح رسول الله صلى الله عليه وآله بأن مصر ستفتح وتدخل في الإسلام وأوصى بمعاملة أهلها معاملة حسنة طيبة, وأشار إلى انهم سيكونون عوناً وعدة في سبيل الله, فقد ورد عن أم سلمه أنه (صلى الله عليه وآله) قال: (( الله في القبط, فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة واعواناً في سبيل الله ))[2].


       أما غرب مصر فالسكان الأصليون لتلك المناطق هم (البربر), وهم أقدم أمة عرفها التأريخ في الشمال الإفريقي, وقد اختلف المؤرخون في كون البربر من العرب أو لا؛ لأن انساب البربر قد تأخر تدوينها حتى قرابة القرن الرابع الهجري[3].


       اتجه المسلمون إلى بلاد المغرب بعد دخول الاسكندرية في سنة 22هـ/642م, وبدأوا بفتح برقة (أنطابلس), ولقد كانت الطرق التي تربط بين (مصر) و (برقة) مأمونة إلى حدٍ ما, فقام المسلمون بعدة مهمات استطلاعية منها إلى مدينة (زويلة) وما جاورها, ومنها إلى (النوبة) جنوبي مصر, وبعد نجاح عمليات الاستطلاع جاء الفتح حتى أصبح تحت حكم المسلمين من (برقة) إلى (صبراته)[4].


        وفي سنة 25هـ/645م قام المسلمون بإرسال سرايا استطلاع اخرى إلى مناطق لم تكن قد فتحت من قبل بالكامل, وقد التحق الكثير من رجال القبائل العربية بالجيش الإسلامي, وكان معظمهم من القبائل اليمنية مثل قبيلة (مهرة), و(غنث), و(ميدعان) من (الأزد), وبعض رجال القبائل الذين كانوا بقيادة الفارس الإسلامي المقداد بن الأسود الكندي, كما كان معهم بعض من قبائل (لخم) و(جذام)[5].


       حتى تم تجهيز جيش يتراوح بين خمسة إلى عشرين ألف جندي –حسب اختلاف المصادر[6] خاض عدة معارك في (الواحات الغربية) من (فزان) و (ودان) و (زويلة) و (السودان), وحاصر (طرابلس) وفتحها, ثم حامية الدولة البيزنطية في مدينة (قابس)[7].


       وهكذا تم بسط نفوذ المسلمين في شمال افريقيا, بعد أن كانت تحت سيطرة الروم, ولولا رغبة اهلها بالإسلام وحسن إسلامهم فيما بعد لم يبق للمسلمين أثر هناك كما زال وجودهم عن الاندلس.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] - علي الكوراني العاملي, مصر وأهل البيت, مكتبة مدبولي: ص15.


[2] - الحر العاملي, وسائل الشيعة: 11/101.


[3] - ينظر: محمود شيت خطّاب, قادة فتح المغرب العربي, دار الفكر للطباعة والنشر, ط7, 1404هـ- 1984م, 1/ 14- 15.


[4] - ينظر: أ.د جاسم لطيف جاسم, البحث: جيش العبادلة ودورهم في فتح المغرب العربي الصحابي "عبد الله بن الزبير انموذجا", كلية التربية/ جامعة سامراء.


[5]- ينظر: ابن عبد الحكم, فتوح افريقية والأندلس, ص35؛ وينظر: البلاذري, فتوح البلدان, ص226.


[6]- ينظر: المالكي, رياض النفوس, 1/101؛ ابن عذاري, البيان المغرب, 1/9؛ عبيد الله بن صالح, نص جديد, ص216؛ ينظر أيضاً: طه, الفتح الاستقرار, ص 113-114.


[7] - ينظر: عبد الله بن صالح, نص جديد, ص216؛ النويري, نهاية الأرب, 2/4؛ (المؤلف مجهول), الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية, تحقيق: د. سهيل زكار (الدار البيضاء 1979م), ص 238؛ ابن أبي دينار, المؤنس, ص27

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثاني من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
20/07/2019
العدد الثاني من مجلتي الافريقية

المجلة