مفكر من الجزائر

07/09/2019


معتز محمد الكنعاني


 


       لا شك في اختلاف سمات الحضارات لدرجة إحداث تباين يبدو لأول وهلة كأنه تناقض أو تنافس متولّد من نزاع فكري انعكس على الاختلاف الحاصل في خصائص الحضارة اللاحقة مقارنة بسابقتها, فانبثق من هذا الاختلاف اصطفاف بين الحضارات المتقاربة ثقافياً أو جغرافياً أو كان العدو الحضاري واحداً.


       وقد شكّل هذا التنازع الفكري بين الحضارات تراشق نقدي يستهدف الإطاحة بالمتبنيات الفكرية للطرف الآخر, وإثبات صحة ما عليه الناقد من ثوابت فكرية وقناعات أيدلوجية, وقد برز المستشرقون كناقدين للحضارة الإسلامية خصوصاً ولللمشرق عموماً, وفي ذات الوقت برز كُتّاب تعرّضوا للحضارة الغربية بالدراسة والنقد والتصحيح, ولم تعدم الحضارة الإسلامية وجود نقّاد تعرّضوا للمتبنيات الفكرية الغربية, وتراهم ينجحون تارة ويخفقون تارة أخرى.


وفي نفس المجال أجد مفكراً إفريقياً جزائرياً يطل علينا من بين ركام الآمال المحطمة والطموحات المهزومة لدى الشباب العربي المسلم, فيُحسن التعامل مع الخصم الحضاري الغربي –إن صحّ التعبير-, فيُوجِّه سهام النقد الواعي, ويعيد ضبط بوصلة التفكير النقدي, ويصحح أصول النقد الحضاري للغرب, وينشئ مشروعاً حضارياً جديداً يتمثّل بالمقاومة الثقافية للاستعمار الجديد.


       ذهب مفكرنا بعيداً في دراسة الحضارة الغربية وتعمّق في غورها, وتناول أطرافها تنقيباً وتأملاً ودراسة وبحثاً, وهو في عقر دار الغرب .. فرنسا, فقد تزوج امرأة فرنسية واختلط بأقاربها, وبات يجمع المعلومات ويقرأ ويدرس , ثم كتب ما يُعدُّ من أهم كتب النقد الحضاري للغرب.


ومما كَتَب:



  • الظاهرة القرآنية صدر عام 1946.

  • شروط النهضة, صدر 1948, وقد طرح فيه مفهوم (القابلية للاستعمار).

  • وجهة العالم الإسلامي, صدر 1954.

  • فكرة كومنولث إسلامي, صدر 1958.

  • القضايا الكبرى.

  • الصراع الفكري في البلاد المستعمرة.

  • تأملات 1961.

  • في مهب المعركة 1962.

  • مذكرات شاهد للقرن - الطفل , صدر 1965.

  • مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي, صدر 1970, وهو من أهم ما كتب في القرن العشرين.

  • مذكرات شاهد القرن – الطالب , صدر 1970.

  • دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين, وهي محاضرة القيت 1972.

  • بين الرشاد والتيه , صدر 1972.

  • المسلم في عالم الاقتصاد , صدر 1972.


       هذه المؤلفات تمثّل وعياً يساعد النقّاد على فهم الحضارة الغربية كما فهمها وعاشها المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973م), "والمتأمل في أعماله الفكرية يجدها تعالج مسألة واحدة تدور حول محور واحد , وهو مشكلة الحضارة, باعتبار أن الحضارة هي الإطار الذي ينظم كل هذه الأجزاء التي نسميها في مكان ما مشكلة سياسية, وفي مكان آخر مشكلة اقتصادية , وفي مكان ثالث مشكلة أخلاقية ومن هنا يرى مالك أن مشكلة كل شعب في جوهرها هي مشكلة حضارية, ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية"[1] , ويتعمّق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها.


 


      ويرى مالك أن الحضارة الغربية لم تأت للعالم بالرفاه المادي فقط وإنما جاءت بالتخلي عن الاهتمام بالجانب الروحي , فطارت بجناح واحد, فتخلّف ضميرها عن الزيادة المطردة في الجانب العلمي؛ فهي تعاني من نقص في الجانب الأخلاقي , وهكذا استطاع التنبؤ لنهاية الحضارة الغربية قريباً.




       ورغم تغرّب مالك في أوربا, ودراسته فيها, بقي فكره مسلماً مقاوماً متحرراً من سطوة الفكر الغربي, فلم تتغرّب أخلاقه ولا أفكاره, وحافظ على روح المقاومة المناهضة للاستعمار وجاهد بقلمه , وكتب "إلى الشعب الجزائري الثائر .. إنني أحيي كفاحكم أيها الشعب الكريم؛ لأن عدالة القضية تخلع عليه القداسة, إنني أحييه؛ لأن كفاح الطفل الجزائري: سبيل مستقبله, ولأن كفاح المرأة الجزائرية من أجل أمن بيتها وسعادة أسرتها, ولأنه كفاح الشهداء, ولأنه كفاح الأبطال الذين يريقون دمائهم من أجل الحق المقدس للطفل والمرأة ... ولأن كفاحكم أيها الشعب الكريم من أجل البقاء والكرامة والحرية, إن الله الذي يبارك صراع الأبرار يبارك كفاحك ويقوده إلى النصر تحت الراية المقدسة التي كتب عليها وعده الصادق: {وكان حقاً علينا نصر المؤمنين}[1]..[التوقيع:] مالك"[2].


       وهكذا يتبيّن من قلم مالك مدى وعيه وجهاده بالكلمة, وهما عاملان كادا أن يكونا مفقودين من الأجيال الناشئة في خضم الإعلام المضلل وظلام الفتن.


 


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] - عماد الدين ابراهيم, نقد الحضارة الغربية في فكر مالك بن نبي, المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية, العتبة العباسية المقدسة, سلسلة نحن والغرب: ص6.


[2] - سورة الروم: الآية 47.


[3] - مالك بن نبي, مشكلات الحضارة - وجهة العالم الإسلامي, دار الفكر المعاصر , بيروت لبنان, إهداء الكتاب, ص:7.

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثاني من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
20/07/2019
العدد الثاني من مجلتي الافريقية

المجلة