المعرفة الدينية عند المصريين القدماء والهكسوس

25/06/2019


م.م معتز محمد الكنعاني


 


       لا شك في عدم تطابق عقائد القدماء من المصريين كالفراعنة مع ما جاء به الأنبياء, بل لا شك في عبادتهم للأوثان, لكن الملاحظ أن بعض عقائدهم لها علاقة بما بلّغ به الانبياء عليهم السلام, فهل يا ترى أخذ المصريون الفراعنة عقائدهم من أنبياء أقدم من يعقوب ويوسف وموسى, أم أن هناك أمر خفي يفسّر ذلك التشابه الذي سنتعرض له بشيء من الاختصار.


       لو لحظنا البعث والنشور كمفهوم نجده مفهوماً سماوياً أكّده جميع الأنبياء عليهم السلام, بل هو أصل من أصول الشرائع السماوية لا تختلف فيه, حتى أننا نجد أن الحياة بعد الموت حقيقة تصرح بها الديانات الابراهيمية الثلاث, وفي نفس الوقت نلحظ البعث والنشور عند المصريين عقيدة يؤمنون ويتمسكون ويصرحون بها, ويرتبون أثار هذه العقيدة على بعض سلوكياتهم مثل ترك الطعام عند القبور ظناً منهم أن الميت عندما يعود للحياة سيستفيد من الطعام الذي يتركوه, كما نجدهم يضعون الشراب والأثاث والأدوات وتماثيل الخدم والصنّاع في مقبرته؛ لأنهم أعتقد بنفعها له في عالم الآخرة.


       وكذلك الحساب بعد البعث والنشور حقيقة أكدتها جميع الأديان السماوية, فنجد المصري القديم آمن أن الإله سينصب ميزاناً لوزن الأعمال, إذا نجد أن لهذا الميزان عند المصريين صوراً كأنهم يعتقدون بميزان حسّي.


       ولا شك في تشريع الصلاة في جميع الأديان السماوية, لكن كيفيتها تختلف من دين إلى دين مع الاحتفاظ بجامع مشترك هو الخضوع والتذلل للمستحق للعبادة وهو الإله الذي يعتقد العابد بإلهيته, وإذا بحثنا في عقيدة المصريين القدماء نجدهم يلتزمون بالصلاة والدعاء في أوقات محددة في الليل والنهار ويؤدونها في أماكن مخصصة وهي المعابد, ولكنهم يضعون التماثيل ويعبدون من دون الله أصناماً اتخذوها آله, وليس هذا من الإسلام أو الأديان الابراهيمية في شيء.


       وكذلك وجود الجنة والنار من بديهيات الديانات الحقّة, لكننا نجد أن لها أثراً ووجودا في عقائد المصريين القدماء مع كونهم وثنيين, فالمصري القديم يؤمن بان المؤمنين بالإله سيفوزون بجنة ونعيم, وأن الكافرين بالإله سيلاقون ناراً وجحيماً, لكنهم جعلوا لكل من الجنة والنار مخلوقات قاموا برسم صورها, وجعلوها أما تساعد الموتى أو تذبحهم وتبقر بطونهم وتمنع عنهم الطعام والشراب في العالم الآخر[1].


       أما الإيمان بالملائكة فهو بلا خلاف بين الاديان السماوية الإبرهيمية سمة من سمات المؤمنين بالله عز وجل وكتبه ورسله, ولا نجد هذا الإيمان عند المصريين القدماء إطلاقاً, إذ "لم تشر إليها نصوصهم ولم تصوّر على جدران مقابرهم أو معابدهم كما لم يكشف عن تماثيل خاصة بها"[2], لكننا نجد الإيمان بالملائكة عند الهكسوس الذين حكموا مصر في زمان نبي الله يوسف عليه السلام, وقد جاء في القرآن الكريم ما يؤكد ذلك, ويشير إلى علمهم بالملائكة وصفاتها, وذلك في حادثة النبي يوسف عليه السلام ومراودة امرأة العزيز وبعض نسوة المدينة اللاتي قطعن أيديهن, إذ قال تعالى {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ}[3], فالآية الكريمة تؤكد معرفة الهكسوس للملائكة.


ولكن قد يسأل سائل ما الذي يجعل من أقوام وثنيين يعرفون البعث والحساب والجنة والنار والملائكة ؟!, ألم يكونوا منكرين لما جاء به الأنبياء ورافضين لدعواتهم ؟!, فهل هناك تفسير لذلك!.


       من البديهي أن الأنبياء عليهم السلام منذ آدم عليه السلام حتى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلّم قد ذكروا الحقائق الآنفة الذكر, وهكذا عرف الإنسان البعث والنشور والحساب والجنة والنار والملائكة منذ بداية وجوده, وليس بغريب أن ينقل هذه المعرفة من جيل إلى جيل, ومن قوم إلى قوم في بلدان وبقاع مختلفة, فإذا مرّت هذه المعرفة بقوم وآمنوا بها توارثوها وإن جحدوا إيمانهم بالإله الواحد وأشركوا أو عبدوا الأصنام, لأن الإيمان بالغيب باقي والإعتقاد بالعالم الآخر لا يزال, وهكذا نعرف أن المصريين القدماء والهكسوس قد وصلتهم المعرفة الدينية قبل مجيء يوسف وموسى عليه السلام, وكونهم انحرفوا عن التوحيد فيما بعد لا يمنع من إطلاعهم على ما جاء به الأنبياء وإن كان ذلك بعيد تأريخياً عنهم إلى حدٍ ما.


 ______________________


[1] - ينظر: د.محمد راشد, ملوك مصر القديمة, دار الكتاب العربي, دمشق القاهرة, 2012م: 298.


[2] - يالمصدر نفسه: 81.


[3] - يوسف: 31.

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثاني من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
20/07/2019
العدد الثاني من مجلتي الافريقية

المجلة