النفط أزمة اقتصادية جديدة في نيجيريا

20/02/2017النفط أزمة اقتصادية جديدة في نيجيريا

 غادة إسماعيل :باحث دكتوراه اقتصاد- جامعة عين شمس
مقدمة
أشارت صحيفة "فاينانشيال تايمز"، إلى أن الدولة الواقعة غرب أفريقيا، والتى كانت ضمن النجوم الساطعة في القارة خلال الطفرة النفطية تعتمد على عائدات البترول بنحو 70% من الإيرادات و90% من عائدات التصدير.
والصراع على عائدات النفط في نيجيريا ليس هو السبب الوحيد في ما تشهده من اضطرابات، فمشكلات هذا البلد الأفريقي الكبير كثيرة ومعقدة ولا يمكن اختزالها في سبب واحد. ومن هذه الأسباب الاختلافات الثقافية والدينية والعرقية بين مواطني الدولة.
السيطرة على النفط واحتكار عائداته وتركزها في دائرة ضيقة من أبناء مجتمع يعيش أكثر من نصف سكانه تحت خط الفقر، أجج لهيب الصراعات العرقية والاضطرابات الدينية التي تشهدها نيجيريا والتي ازدادت في السنوات الأخيرة. وتولي الولايات المتحدة أهمية خاصة للنفط في دول غربي القارة الأفريقية بصفة عامة ونيجيريا بصفة خاصة، وهي تعتبر واحدة من أهم مناطق العالم إنتاجاً للطاقة خاصةً في ظل عدم استقرار الأوضاع في دول الشرق الأوسط.

أولاً: أزمة دلتا النيجر
 



 تضم منطقة دلتا النيجر الواقعة في جنوب نيجيريا، الثروات النفطية والغازية لنيجيريا التي تستمد سبعين بالمئة من ايراداتها من النفط، وتملك الشركة الوطنية النفطية النيجيرية وشركات أخرى متعددة الجنسيات من بينها "شل" و"شيفرون" و"اكسون موبيل" و"ايني" منشآت نفطية في هذه المنطقة. وتقوم حركة التمرد باستمرار بتفجير منشآت نفطية ووعدت بمواصلة تحركاتها حتى الإصغاء لمطالبها وتتمثل مطالبها وكغيرهم من المتمردين النيجيريين السابقين، "منتقمو دلتا النيجر" بتوزيع أفضل للعائدات النفطية وبحكم ذاتي سياسي أوسع.
ومن أبرز الأزمات التي تعرضت لها  نيجيريا خلال الربع الأخير من عام 2016، هو قيام العديد من المسلحين بمهاجمة خط أنابيب رئيسي في دلتا  النيجر وهذا ما أكده نينجي جيمس رئيس مجلس إدارة لجنة نيمبي للغاز والنفط، مبيناً أن الهجوم على خط الأنابيب الذي ينقل النفط الخام للتصدير، تم من قبل مسلحين مستخدمين في ذلك الديناميت، ومن جانبها أعلنت مجموعة "منتقمو دلتا النيجر" مسؤوليتها عن الهجوم، ومن ثم، فعمليات التفجير للمنشآت النفطية في نيجيريا مستمرة منذ أشهر، مما كان له أثر بالغ في نسبة الإنتاج، حيث أدت عمليات التفجير إلى خفض انتاج البلاد من 2.2 مليون برميل يومياً الى 1.4 مليون برميل يومياً وهو أدنى مستوى منذ 20 عاماً.



 
ليس هذا فحسب، فإن استمرار هذه العمليات التخريبية بإلحاق المزيد من خسائر عائدات الحكومة التي تواجه تضخماً وركوداً اقتصادياً، وقد خسرت نيجيريا قبل أشهر موقعها كأول دولة مصدرة للنفط في أفريقيا بعدما تقدمت عليها أنغولا وفقاً لإحصائيات منظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" حيث أصبحت نيجيريا تنتج 1,5 مليون برميل في اليوم مقابل 1.78 مليون في انجولا. وهكذا انخفض إنتاجها بحوالي 21,5 % مقارنة بإنتاج البلاد في يناير 2015م (أى بانخفاض 41300 برميل في اليوم) ويرجع ذلك إلى الاضطرابات التي تحدثها الجماعات الارهابية في منطقة الدلتا. وحلت محلها جنوب أفريقيا كأول اقتصاد في القارة الافريقية، التي تخلت بدورها مؤخراً عن هذا الموقع لجنوب أفريقيا، أكبر اقتصاد أفريقي.



 
 في هذا الإطار حاول الرئيس محمد بخاري إجراء حوار سلمي مع مجتمعات دلتا النيجر بدلاً من استخدام القوة العسكرية، من أجل عودة إنتاج النفط إلى سابق عهده. إلا أن سكان دلتا النيجر تخوفوا من ذلك مبينا ان جنوداً نيجيريين دهموا بلدة أوبوروزا، وأطلقوا النار على السكان وضربوا بعضهم واعتقلوا آخرين.
ليس هذا فحسب بل هددت حركة متمردة في دلتا النيجر بإعلان "استقلال" هذه المنطقة النفطية في نيجيريا، متهمة الرئيس محمد بخاري بإدارته السيئة للبلاد وهي التي تتسبب في انقسامها.

ثانياً: أسباب الأزمة النيجيرية
 
سوء توزيع عائدات النفط واحتكارها في أيدي فئة قليلة العدد مرتبطة المصالح بالشركات الأميركية أدى إلى قيام العمال بإضرابات كثيرة، وقيام مسلحين نيجيريين بشن هجمات على أنابيب النفط وخطف رهائن من العاملين الأجانب في هذه الشركات، الأمر الذي جعل قضية النفط أحد مسببات الاضطرابات السياسية التي تشهدها البلاد.
سوء الأحوال الأمنية داخل الدولة.
1-    طمع الدول الأوروبية وتنافسها على النفط النيجيري، فمصالح أمريكا وبريطانيا في مجال البترول والغاز الطبيعي بعيدة من التطابق والتآلف. فبريطانيا ترى أنها الأولى والأحق بالإستفادة من بترول نيجيريا لكونها كانت مستعمرتها لفترة طويلة يضاف إلى ذلك أن نيجيريا عضو في رابطة الكومنولث فضلاً عن كون شركة شل البريطانية العالمية من أقدم الشركات وجودا في منطقة دلتا النيجر حيث آبار النفط النيجيري. وتذكر المصادر أن بريطانيا تعتمد على 10% من البترول النيجيري، ولذلك سيظل اهتمامها بهذه المنطقة قائماً. وقد قامت الحكومة البريطانية مؤخراً بتعزيز تعاونها الأمني مع نيجيريا وسمحت أبوجا بالقيام بدور تأمين المنطقة من خلال تعاون أمني بين بريطانيا ونيجيريا.
2 - الاشتباكات الطائفية والقبلية والسياسية، وذلك لأن النموذج النيجيري يطلق عليه دولة المتناقضات والاختلافات فهو مجتمع يتسم بالتنوع في البيئة والتنظيم الاجتماعي والطائفي والأثني المعقد والبيئة الثقافية المتعددة، مما جعل من الصعب على الحكومات المتعاقبة، خلق ثقافة مجتمعية موحدة أو تحقيق التقارب بين الفئات أو حتى على الأقل إيجاد طريقة للتفاهم بين الفقراء في المجتمع كطريق للتواصل مما أدخل البلاد في سلسلة من المواجهات والصراعات التي أثرت في الاستقرار السياسي والاجتماعي. وفي تحليل لوضع التعددية في المجتمع النيجيري والبحث عن أسباب الاضطرابات السياسية المتكرة ونلاحظ إن المجتمع يتألف من جماعات تغلب هويتها الخاصة على الهوية العامة وتتراوح العلاقة فيما بينها بين التعايش والنزاع وعدم القدرة على إيجاد مشتركات عامة، مما أدى لترسيخ الانقسامات وللتمادي في النزاعات واستمرار الخروق في الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمدنية.
ومما سبق يتبين أن السبب الأساسي للأزمة الحالية هو طمع الدول الأجنبية في ثروات الدولة مستغلين نقاط الضعف داخل الدولة والمتمثلة الإرث القديم من الاضطرابات العرقية والصراعات الدينية الناتج عن اختلاف اللغة والعرق والثقافة والدين داخل الدولة، بالإضافة إلى الفساد وسوء توزيع موارد وثروات المجتمع، مما أدى إلى وجود فجوات واسعة بين طبقات المجتمع نشأ عنها العديد من الصراعات.

ثالثاً: تداعيات الأزمة
 
التأثيرات الاقتصادية:
ارتفع معدل البطالة الرسمي بنسبة 70% في الربع الأول من العام الجاري، مقارنة نفس الفترة من عام 2015، إلى 12.1، جاء ذلك في الوقت الذى قفزت فيه أسعار المواد الغذائية وغيرها من السلع مع ارتفاع معدلات التضخم التي بلغت 16.5% في يونيو الماضي وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عقد من الزمان. كما أفاد مسئولون أواخر الشهر الماضي أن الإيرادات الحكومية في النصف الأول من العام في أكبر دولة منتجة للبترول في أفريقيا جاءت عند نصف توقعات الحكومة ما يشير إلى أن خطط الحكومة لدعم الاقتصاد من خلال زيادة الإنفاق على البنية التحتية سوف تتعثر. وأشار ايفون مهانجو، الاقتصادي في «رينيسانس كابيتال»، إلى وجود إحجام واضح من قبل السلطات النقدية للانتقال إلى التحرير الكامل للعملة باعتباره سبباً قوياً لتوقعات ضعف الاقتصاد الكلي.
وأضاف: "حتى لو سمحت الحكومة بتعويم سعر الصرف فسوف تمر فترة من الزمن قبل أن تجذب القطاعات المستثمرين من جديد".
يشكو الموظف الذي ينفذ إضراباً عن العمل في أحد الفنادق الكبرى في لاغوس، أونيلي فنسنت، من "ارتفاع الإيجارات وأسعار المواد الغذائية"، ويقول إن «كل شيء ارتفع ما عدا أجور الموظفين»، فيما يعاني الاقتصاد النيجيري من تراجع أسعار النفط. ويعمل فنسنت في فندق "ساوثرن صن" الفخم الذي تؤمه النخبة السياسية ورجال الأعمال. فهو وزملاؤه المضربون الذين يحتجون على ارتفاع غلاء المعيشة، ليسوا وحدهم الذين تأثروا بالعواقب المتتالية للتراجع العالمي لأسعار النفط، في نيجيريا التي تعد القوة النفطية الأولى في أفريقيا.

التأثيرات الاجتماعية:
يرى الكثير من النيجيريين وبخاصة علماء الاجتماع أن سوء توزيع العائدات النفطية تسبب في آثار اجتماعية سلبية على المجتمع النيجيري، فقد زاد من حدة الصراع الطبقي. كما شهد المجتمع شرائح اجتماعية مترفة أصبح لها ثقافتها الخاصة وأساليب معيشتها التي تتناسب مع دخولها المرتفعة، ونجم عن ذلك مظاهر لا تخطئها العين في أماكن السكن ووسائل المواصلات. هذه الفوارق الطبقية تسببت في مشاعر من الحنق لدى السواد الأعظم من الشعب النيجيري والذي راح بدوره يكيل الاتهامات لهذه الشرائح تارة بالفساد وأخرى باحتكار الثروة في دوائرها الضيقة التي لا تخرج عن الأقرباء والمعارف.
أثرت الأزمة الحالية على معدلات البطالة مما أدى لأرتفاع معدلات البطالة، وانخفاض مستوى معيشة الفراد داخل الدولة.



التأثيرات السياسية:
الشركات الأمريكية المحتكرة لاستخراج النفط النيجيري تسببت في مزيد من الاحتقان السياسي الذي تشهده البلاد. فالولايات المتحدة الأمريكية تولي أهمية خاصة للنفط في دول غربي القارة الأفريقية عموماً ونيجيريا خصوصاً، حيث تعتبر نيجيريا واحدة من أهم مناطق العالم إنتاجاً للطاقة خاصةً في ظل عدم استقرار الأوضاع في دول الشرق الأوسط.
وتأتي نيجيريا على رأس الدول الأفريقية التي تصدر النفط إلى الولايات المتحدة، حيث يحتل النفط النيجيري المركز الخامس بالنسبة لها بكمية تبلغ 1.5 مليون برميل يومياً.
كما أن بريطانيا تعتمد على 10% من البترول النيجيري، ولذك سيظل اهتمامها بهذه المنطقة قائما. وقد قامت الحكومة البريطانية مؤخرا بتعزيز تعاونها الأمني مع نيجيريا وسمحت أبوجا بالقيام بدور تأمين المنطقة من خلال تعاون أمني بين بريطانيا ونيجيريا.

رابعاً: السيناريوهات المتوقعة
مشاركة أمريكا ونيجيريا وتعود المنفعة على نيجيريا.
مشاركة أمريكا ونيجيريا وتعود المنفعة على أمريكا.
سيطرة أمريكا على النفط النيجري.
استقلال اقتصاد ونفط نيجيريا عن أي دولة.
عدم سيطرة أمريكا على النفط وتدميرها للنفط النيجري من خلال العمليات الإرهابية وتفجير خطوط الغاز.
الاتفاق بين أمريكا ونيجريا ومن ثم ضعف نيجريا واستغلال ثرواتها من قبل القوى الأجنبية.

خامساً: التوصيات والمقترحات
1-تحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع عائد ثروات المجتمع، لسد الفجوة أو الحد من الآثار السلبية للفجوة والفروق بين طبقات المجتمع وتحوله لمجتمع متعاون متكامل يستفاد من بعضه البعض ويحقق أهداف وطنه.
2- الحفاظ على ثروات المجتمع، فهي ملك الأجيال القادمة أيضاً من خلال بذل جهد مؤثر يؤدي إلى تحسين إدارة قطاع النفط، بحيث يخدم الأجيال الحاضرة والمستقبلية، ويحقق التنمية المستدامة والمستقبلية لهذه الدول.
3-اتخاذ خطوات تنفيذية لتفعيل نظام الإنذار المبكر للأزمات، من خلال توفير نظم الإنذار المبكر التي تتسم بالكفاءة والفاعلية في تطوير أدوات التحليل، والتنبؤ بالأزمات، وتوفير القاعدة المعلوماتية، وتدريب الكوادر المسؤولة عن إدارة الأزمات بشكل مستمر، وإقامة أنظمة اتصال وتنسيق مع كافة المؤسسات ذات الصلة بمواضيع الأزمات المالية في الداخل والخارج، وإقامة أنظمة اتصال مع المؤسسات الإقليمية والدولية من أجل التشاور.
4-تنويع مصادر الدخل القومي، وعدم الاعتماد على النفط كمورد استراتيجي ورئيسي مع وضع خطط واستراتيجيات لمواجهة الأزمات المستقبلية.
5- ضرورة الإعلان عن نطاق سعر نفطي جديد تعلنه أوبك، بحيث تكون هذه السياسة السعرية بعيدة عن تقلب سعر صرف الدولار الأمريكي، ويمكن الاختيار من تسعير النفط بعملاتها المحلية أو بسلة من العملات الأجنبية.
 بتشكيل صناديق لضمان استقرار مستويات الإنفاق الحكومي، يتم من خلال
6- تحويل الفائض من الإيرادات العامة للدولة؛ حتى يتجنب اقتصاد دولة نيجيريا الآثار التضخمية التي يمكن أن تنتج عن ارتفاع مستويات الأسعار النفطية، وأيضًا تجنب الاقتصاد للآثار الإنكماشية الناجمة عن انخفاض مستويات الأسعار لقطاع النفط.
7- يجب على الحكومة النيجيرية التوجه نحو ترشيد النفقات العمومية، لاسيما على مستوى ميزانية التسيير وترشيد الواردات وتعزيز مراقبة عمليات تمويل التجارة الخارجية بغية تفادي كل أشكال تهريب رؤوس الأموال.
8- سد العجز في الميزانية البالغ 11 مليار دولار من موارد الدولة وليس بالديون الخارجية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع

1- Opec The official website
2- The OPEC Annual Report
3- The world factbook
4- Nigeria Economy - 2003
5- Democracy: How Has It Fared? especialy, Protests Over Fuel Prices. An analysis article written by Tokunbo Adedoja & Joseph Ushiageli.

-قسم البحوث والدراسات -الجزيرة نت.
- صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية.
-البترول لعنة يتمنى النيجيريون ألا تزول، هناء دكروري، الأهرام، 24 يناير/كانون الثاني 2004م.
-الخبر أونلاين/الوكالات / 28 مايو 2016 (منذ 7 أشهر).
-حقك هدفنا المواطن, الخميس 29/سبتمبر/2016م.





اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

المكتبة

المسلمون في غرب أفريقيا .. تاريخ وحضارة
تاريخ الاضافة
11/09/2016
المسلمون في غرب أفريقيا .. تاريخ وحضارة

المجلة