دولة كانِم المسلمة في السودان

10/10/2019


 


بقلم : م.م معتز محمد الكنعاني


     شهدت مناطق متعددة من إفريقيا, وخصوصاً الشمال والشمال الغربي قيام دول عديدة على مرّ التأريخ, كان بعضها دولاً ترفع شعار الإسلام وتروّجه بين صفوف الشعب وإن لم يكن الحاكم عادلاً, وعلى كل حال كانت تلك الدويلات اسلامية بمعنى من المعاني.


     ومنها دولة كانم التي نشأت حول بحيرة تشاد, وكان لها دور في نشر الإسلام إلى حد ما, إذ أنشأ فيها المسلمون المساجد والمدارس, وأصبحت لها مكانة متميزة في افريقيا وذلك لموقعها حيث كانت ملتقى لعدة طرق تجارية متجهة شمالا نحو البحر المتوسط وشرقاً نحو حوض النيل[1].


     ورد ذكر (كانِم) في المصادر القديمة على أنها من بلاد البربر في أقصى المغرب, في السودان[2], ولعل هذا الوصف يعني انها كانت تمتد إلى الغرب من السودان باتجاه ليبيا, ويصف موقعها مرجع آخر على انها "وراء الصحراء من بلاد زويلة"[3].


     لم تكن (كانِم) قد ظهرت حتى مطلع القرن التاسع الميلادي, ولكن كانت هناك هجرة من عدة قبائل أخذت بالتزايد إلى مساحة واسعة تمتد من دار فور إلى بحيرة تشاد[4], ومن أولئك المهاجرين قبائل (الزغاوة), الذين ظلّوا على الوثنية حتى النصف الأول من القرن الحادي عشر[5].


     إن قيام دولة (كانِم) حول بحيرة تشاد كان له دور مهم في نشر الإسلام واللغة العربية في السودان الأوسط, مما جعلها تثير اهتمام المسلمين آنذاك لما تؤدي من دور ثقافي وديني, خصوصاً بعد أن بسطت نفوذها على قبائل شرق السودان على حدود مصر وبلاد النوبة[6].


     ومن البديهي سبق مصر إلى الإسلام في القارة الإفريقية, وبالتالي فإن الاسلام جاء إلى كانم من مصر على الأغلب وهناك آراء تقول أن الذين نشروا الإسلام فيما بعد هم أفارقة[7], ولعل ذلك بعد أن قويت دعائم الإسلام في أجزاء من شمال افريقيا مثل مصر, وهجرة قبائل عربية على نطاق واسع إلى مناطق من شمال ليبيا وتونس والجزائر, والمغرب حيث هبطت تلك القبائل عبر الطرق الصحراوية ثم هاجرت شرقاً إلى السودان الأوسط[8].


     وقد شكّل مجيء الإسلام عاملاً أساسياً لتوحيد تلك القبائل, كما ساهم في تهذيب العادات القبلية السائدة أنذاك, كما يمكن القول أن العرب المسلمين في (كانِم) عملوا على اضعاف النظام الديني الوثني في المنطقة, مما ساعد على وصول حاكم مسلم أو إسلام الحاكم الموجود بالفعل وذلك عندما أعلن ملكها دخول الإسلام هو وحاشيته , وحثّ رعاياه على اعتناق الدين الإسلامي فتكونت دولة اسلامية منذ 1090م على يد (هوميه جيلمه), وقد دام حكم (جيلمه) اثني عشر سنة (1085م-1097م) , وكان لتحوله إلى الإسلام صدى كبير, إذ صارت للإسلام مساحة واسعة في منطقة السودان[9].


     وكان للطبقة الارستقراطية دور هام في نشر الاسلام؛ لأن العرب المسلمين كانوا يستهدفون الملأ من القوم لعرض الإسلام عليهم, فإذا ما اعتنقوا الإسلام انتشر من الارستقراطيين إلى غيرهم من خلال تأثيرهم الطبقي في سائر أفراد المجتمع, وأبرز هؤلاء الذين انتشر الاسلام من خلالهم زعماء القبائل[10].


      وآخر الملوك الذين حكموا (كانِم) كان الماي عثمان (1279م-1300م) وهو الحاكم التاسع عشر من سلسلة الملوك السيفيين, وأهم ما يميّز عصره الحروب الطاحنة من قبائل التبو أو التدا البربرية كما أخذت قبائل الكانوري تهدد الحدود الشرقية لمملكة كانم[11].


     أما العملة السائدة والتي كان يتعامل بها أهل كانم فهي قطعة قماش كانوا ينسجونها في بلادهم ويطلقون عليها اسم (دندي) ويبلغ طول الثوب منه عشرة اذرع كما يتعاملون بالخرز وقطع النحاس والورق على اساس تسعيرها بالقماش[12], وقد أجادوا صناعة الفخاريات واتقنوا عمل التماثيل البرونزية, فأصبح لهم مجتمع متقدم يعترف بمكانة المرأة وحقوقها[13].


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] - فكرة المقال والاقتباس: ينظر: دولة كانم وجهودها في نشر الاسلام في السودان الأوسط, د.زبن خلف نواف, كلية التربية للبنات-قسم التأريخ, جامعة الانبار, مجلة جامعة الانبار للعلوم الاسلامية, العدد الثاني, 2011م, ص54.


[2] - ينظر: ياقوت, أبو عبد الله, معجم البلدان, دار إحياء التراث العربي, بيروت,2008م, مج4, ج7, ص116.


[3] - البكري, أبو عبد الله بن عبد العزيز, المغرب في ذكر بلاد افريقيا والمغرب والجزائر, 1857م, ص11.


[4] - ينظر: محمود, حسن أحمد, الإسلام والثقافة العربية في افريقية, مطبعة لجنة البيان العربي, القاهرة, ج1, 1967م, ص255.


[5] - ينظر: المصدر نفسه, 155


[6] - ينظر: دولة كانم وجهودها في نشر الاسلام في السودان الأوسط, د.زبن خلف نواف, كلية التربية للبنات-قسم التأريخ, جامعة الانبار, مجلة جامعة الانبار للعلوم الاسلامية, العدد الثاني, 2011م, ص55.


[7] - ينظر: الغنيمي, المد الإسلامي في غرب افريقيا, ص 125.


[8] - ينظر: الغنيمي, عبد الفتاح مقلد, حركة المد الإسلامي في غرب افريقيا, مكتبة نهضة الشرق, القاهرة, 1985م: ص122-123.


[9] - شلبي, موسوعة التاريخ الاسلامي والحضارة الاسلامية, ج6, ص289-290.


[10] - الغنيمي, المد الإسلامي في غرب افريقيا, ص 126.


[11] - ينظر:الشيخلي, تاريخ الإسلام في افريقيا وجنوب شرق آسيا, ص115.


[12] - ينظر: زكي, المسلمون في العالم اليوم افريقية الاسلامية, مكتبة النهضة المصرية, 1958, ص89.


[13] - ينظر: المصدر نفسه, ص173.

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثاني من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
20/07/2019
العدد الثاني من مجلتي الافريقية

المجلة