افريقيا ضحية التبذير والتقتير

02/11/2019


بقلم : م.م  معتز محمد الكنعاني


تتعرض المنتجات الغذائية في معظم أنحاء العالم إلى التلف عمداً أحياناً وبسبب الإهمال أحياناً أخرى, وقد تصل نسبة الإتلاف إلى الثلث, وهي نسبة عالية جداً, هذا ما أكدته منظمة الأغذية العالمية في أحد تقاريرها الذي أشار إلى احصائيات تؤكد وجود هدر في الغذاء بمختلف أنواعه[1].




وفي نفس الوقت نجد أن أزمة الغذاء في أماكن أخرى من العالم تتفاقم؛ لأسباب مختلفة منها الحروب وسوء الظروف الجوية كالفيضانات والجفاف, والآفات الزراعية كالجراد, وانعدام البنى التحتية وعدم توفر أنظمة ري ومخازن ملائمة لتخزين الطعام بالشكل الصحيح, وهذه الاسباب كافية لحصول مجاعة في بعض البلدان.


ومن تلك الأماكن التي تحدث فيها المجاعات من حين لآخر هي القارة الإفريقية؛ لأسباب كثيرة مرّ ذكر بعضها, إذ لم تخلو افريقيا من فقر مدقع أو مجاعة مُهلكة لعقود من السنين أو أكثر, ويشير الخبراء إلى أن ثلثي السكان الذين يعانون من جوع حاد موجودون في عدة دول – معظمها افريقية – وهي جمهورية الكونغو الديمقراطية, وإثيوبيا, ونيجيريا, ودولة جنوب السودان, والسودان, وأفغانستان, وسوريا, واليمن[1].


وقد ركزت تقارير الأمم المتحدة على جنوب السودان إذ كشفت ثلاث منظمات أممية عن نقص حاد في الغذاء في جنوب السودان واليمن[2], ولعل هناك فقراء في اماكن أخرى لم يصلها الإعلام ولا المنظمات الدولية ولا غيرها لعدم الفائدة السياسية من التطبيل للجوع فيها, فتلتهم المجاعة بهدوء المئات أو الآلاف دون أن يلتهم أحدهم فتات من جبال الطعام التي تلقى في النفايات.



فقد أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أن هناك هدراً حول العالم في الطعام قد يصل إلى اكثر من الثلث خلال مراحل مختلفة ابتداءً من جني المحاصيل الزراعية وتخزينها مروراً بسوق التجزئة حتى طهي الطعام وإلقاء الفائض عن الحاجة في القمامة, علماً أن ما ينتج من غذاء يكفي لإشباع أكثر من ضعف سكان الكرة الأرضية, ولهذا بدأ التسائل أين يذهب الطعام؟!, فأصدر المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة (تشو دونغ يو) تقريراً أستهلّه بقوله "بينما نسعى جاهدين لإحراز تقدّم نحو الحدّ من فقد الأغذية وهدرها, لا يمكن أن نكون فعّالين إلّا إذا كانت جهودنا مستنيرة بفهم قوي للمشكلة, فكيف يمكننا السماح بإلقاء الطعام عندما يستمر أكثر من (820) مليون شخص في العالم في معاناتهم من الجوع كل يوم"[1] , إن هذه الظاهرة لم تسبب النقص في الغذاء فقط, وإنما تشير إلى نقص حاد في الشعور الانساني والتعاطف بين بني البشر, فهم بين متخوم يكاد أن يموت من كثرة الطعام, ومحروم مُشرف على الهلاك من الجوع.


ولأجل توفير حل ولو نسبي لتقليص الهدر بالطعام وتحويل الفائض إلى المحتاجين قام برنامج الغذاء العالمي World Food Programe التابع لمنظمة الأمم المتحدة United Nations باستخدام تطبيق Share The  Meal   الذي يسّهل عملية التبرّع بوجبة من الطعام؛ لتقليص الإسراف وسد حاجة فقير.


 ولكن مثل هذا التطبيق لا يحل شيئاً من الازمة التي لو تأملنا حجمها بدقة لوجدناها أكبر من أن تحل بهذه الطريقة, فالصحيح أن يشعر كل انسان بالمسؤولية الملقاة على عاتقه لسد حاجة محتاج, وعدم الإسراف والتبذير, واحترام الطعام, وإدراك أن هناك من هو بحاجة لكسرة من الخبز لتنقذ حياته فلا نستخف بما في أيدينا من طعام ونتصرف بلا مسؤولية, ونحن نرى شفاهاً ذابلة وعيوناً آمله, فلنبذل ما نستطيع ولو كان قليلاً؛ لأن الحرمان أقل منه.



وهذا ما حصل تماماً في العراق عندما دخل عدة ملايين لزيارة سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام مشياً على الأقدام إلى كربلاء المقدسة في مسيرة مليونية سنوية انعدم نظيرها في التأريخ الإنساني, إذ يبذل العراقيون للزائرين في زيارة الاربعين الطعام والشراب وسائر الخدمات لأكثر من اسبوعين, فلا يشعر الزائر بجوع ولا عطش, سوى انه معزّز مكرّم كأمير سائر والطعام حوله ما مشى, إنها حقيقة تشبه الخيال ودرس عملي لو تأملته لقلتَ انه محال, بل هي حقيقة تجسّدت بالكرم والجود والسخاء, وآيات تتلى على مسامع شعوب العالم وحكوماته ومنظماته الدولية.


ولعل ما يحصل في الطريق إلى كربلاء يوقظ ضمائر زعماء العالم إذا تسائلوا: كيف استطاعت جهود شعبية أن تطعم وتوفر سائر الخدمات لأكثر من عشرين مليون زائر خلال ثلاثة أسابيع تقريباً؟, ولم تستطع حكومات العالم ومنظماته الدولية من انقاذ شعوب أكلتها المجاعات, وكان من حقها أن تأكل لا أن تؤكل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] - جاء ذلك في تقرير أممي يجيب عن السؤال: أين يهدر الطعام.


[2] - جاء ذلك في تقرير أممي يشير إلى أن (113) مليون انسان يعانون من انعدام الأمن الغذائي.


[3] - https://ar.wfp.org/news/world-food-programme-consider-suspension-aid-houthi-controlled-areas-yemen-ar برنامج الأغذية العالمي.


[4] - https://news.un.org/ar/story/2019/10/1041701

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثاني من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
20/07/2019
العدد الثاني من مجلتي الافريقية

المجلة