مفهوم الدولة عند إفريقيا جنوب الصحراء "قراءة تاريخية"

27/01/2020

   بقلم الدكتور: عبد الله عيسى/ سوريا


      تحاول هذه الورقة الإجابة على السؤال التالي من الناحية التاريخية: هل عرفت إفريقيا جنوب الصحراء نمط الدولة المركزية قبل الاستعمار الأوروبي؟ أم أنَّ الاحتلال هو الذي أقام الدولة وأنشأها؟


     بالرغم من وجود نظريات عديدة لنشأة الدولة، كالنظرية الثيوقراطية المرتبطة بالدين وبتفرعاتها عبر نظرية الحق الإلهي المباشر وغير المباشر، والنظريات المادية المرتبطة بالبشر وبتفرعاتها عبر نظرية القوة ونظرية الأسرى ونظرية العقد الاجتماعي، إلا أنَّ هناك خلافات كثيرة حول وجود أو عدم وجود دولة في إفريقيا جنوب الصحراء في فترة ما قبل المرحلة الاستعمارية؛ حيث اختلفت التفسيرات في هذا الشأن، ما بين قائلين بالتفسيرات النظرية؛ أي تلك التي ترى وجوداً للنزعة المركزية الإفريقية، ونمطاً لجماعات الصيد والجماعات البشرية المنقسمة والدولة البدائية، وما بين الآخذين بالتفسيرات الموضوعية التي تتبنى رأيين: أحدهما نمط نظم اللادولة، مستشهدين بجماعات الصيد والأسر الممتدة والنظام المشتت العام والكلاسيكي، والقائم على تراتب الطقوس الدينية. والآخر، نمط نظام الدولة، والذي يستشهد بوجود زعيم ومؤسسات سياسية ومجلس للكبار، ومن وظائفه الموافقة على ترشيح الملك، وإسداء النصح، والموافقة على القوانين واستقبال الزوار. بناء على ما تقدم من معطيات فضلا عن طريقة اختيار الملك وتحديد وظائفه ثم منع إساءته للسلطة، كل ذلك يدلل لدى أصحاب التوجه الأخير على هذا الوجود القديم للدولة في إفريقيا.[1]   


     وجدير بالذكر هنا، أنَّ البعض قال بوجود ثلاثة أنواع للدولة في إفريقيا قبل الاستعمار: الأول، نمط الدولة الأولية الرعوية الزراعية والحرفية، والثاني، نمط الدولة العسكرية التجارية في مرحلة تجارة الصحراء. والثالث، نمط الدولة المفترسة في عصر تجارة الرقيق.


     ويؤكد كثير من مؤرخي إفريقيا المحليين أنّه كان لإفريقيا ماضٍ ذو مغزى قبل مجيء الأوروبيين بوقت طويل. وأكدوا بأنَّ الإفريقيين ظلوا يصنعون تاريخهم لوقت طويل قبل أنْ يتصلوا بأوروبا. وهناك من يرى بأنَّ فضل إقامة دولة في إفريقيا إنما يرجع للأوروبيين بعد اتصالهم بالقارة عن طريق تجارة الرقيق والذهب والعاج.


      ويرى أحد المؤرخين أنَّ أغلبية الشعوب الإفريقية لم تُشكل دولاً بالمعنى الحقيقي للكلمة، لأنه لم يكن بها طبقات، وأنَّ الدولة والطبقات الموجودة بها، لم توجد إلا في حالة جنينية قبل وصول الأوروبيين. لكن البعض يقول بأنَّ التأثير الخارجي ظلّ مقتصراً على السواحل فقط حتى عام 1885م. وأنَّ هذا التأثير انحرف في جوانب مختلفة، لكنه لم يمس الجهاز العسكري والأيدلوجي.[2]


     معطى القول، عرفت إفريقيا العديد من النظم السياسية قبل الاستعمار، ومع أنّه لا توجد دساتير مكتوبة تقر بهذا الأمر وتؤكده، إلا أنَّ ممارسة الحياة اليومية لدولها في تلك الفترة، قد اعتمدت على الأعراف التي شاهدها الأوروبيون وكتبوا عنها.


     لذا فإنَّ المجالات الإفريقية لم تنتظر الأوروبيين حتى يأتوا إليها في القرن 19م ويُعلِموها شكل الدولة ونظمها؛ فقد نهضت ببلاد السودان سلطنات وممالك إسلامية يشهد عليها التاريخ في الفترة ما بين القرن 10 و18م ؛ نذكر منها غانة ومالي وماسينا وسنغاي وكانم بورنو في السودان الغربي والأوسط، ثم هناك سلطنات دارفور وكونج في السودان الشرقي. وكل هذه الممالك والسلطنات، برزت بها مدن ومراكز إسلامية، كجني وتنبكت وأغاديس وكانو وزاريا انتهاءً بسنار ودنقلة وسواكن.


     وفي هذا الإطار، أشار المؤرخون الغربيون إلى دور العلماء العرب في المعلومات التي أوردوها عن مدن وممالك بلاد السودان، وعن الإدارات الجيدة، والنظم المعقدة الخاصة بالضرائب والتجارة، وكيف تخطى هذا التنظيم الاقتصادي والتجاري حدود المملكة المكتفية ذاتياً، ليتعدى حدود المجتمع القبلي، ولينظم حياة سكان المنطقة جميعاً ويحكمهم.


     إنَّ مجموع المعطات التاريخية التي طرحناها تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنَّ إفريقيا جنوب الصحراء، تعرفت على نظام الدولة ومؤسساتها قبل اتصالها بالأوروبيين خلال المرحلة الاستعمارية[3].


 


[1] ــ حسن حميدي عبد الرحيم، 2002، دراسات في النظم السياسية الإفريقية، سلسلة الكتب الدراسية، جامعة القاهرة، ص. 29. 


[2] ــ أحمد عبد الدايم ، 2003، تاريخ إفريقيا الاقتصادي في عصر ما قبل الاستعمار، القاهرة، منشورات وحدة الإعلام والتوعية بالشؤون الإفريقية، معهد الدراسات الإفريقية ص. 36. 


[3] ــ عبدالله عيسى، 2017، الإسلام وبدايات التدخل الأوروبي في غرب إفريقيا مابين القرنين 15و 17م، المكتب العربي للمعارف، القاهرة، ص. 34.

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثالث من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
30/01/2020
العدد الثالث من مجلتي الافريقية

المجلة