افريقيا بين الشتات والاتحاد

23/12/2019


بقلم: معتز محمد الكنعاني


     تتأرجح بلدان افريقيا كغيرها من بقاع أخرى في العالم بين تصاعد نداءات تطالب بالوحدة من جهة, وبين الواقع الراهن الذي يكرّس صراعاً بارداً على اكثر من صعيد من جهة أخرى, فالتجاذب الناتج من رغبة توحيد الصف بين البلدان, والتنافر الناشئ من الاختلاف في الدين والمذهب والقومية والقبيلة وغيرها, كل ذلك يجعل القارة بين طرفي تناقض, كل منهما يفرض تخطيطاً دولياً افريقياً معيّناً.


     فإن اختارت إفريقيا الاتحاد([1]) ستنعم بوحدة الموارد الاقتصادية وستواجه في نفس الوقت تحديات جمّة, منها معارضة دول اوربية استفادت من ثروات افريقيا, فإن اتحدت وطورت مصادر الدخل تعقّد الموقف على دول كانت تمتص بعض خيراتها, زد على ذلك امتناع أُسَر افريقية حاكمة جمعت ثرواتها من جرّاء الحكم الفردي.


     وإن اختارت الفرقة التي هي واقعها, لم تدرك فوائد الاتحاد المرجوّة, وبقيت بعض دول افريقيا تعاني مشاكل اقتصادية وجيوسياسية كالموقع الجغرافي الحبيس المانع من الاطلالة البحرية.




     وهكذا نجد أن الدول الإفريقية امام تحدٍ مصيري وفي مواجهة خيار صعب, ألا وهو إيجاد نحو من التحالف الاستراتيجي المتكفل بإذابة كل عقبات تطوير الاقتصاد, فإن لم تنجح كل الدول في تحقيق ذلك لا بد من إيجاد نحو من الاتحاد غير المعهود في الأروقة السياسية, ولكن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة.


     فهناك خيار كثيراً ما نسمع به وهو اتحاد افريقي يضم جميع دول القارة, ولكن يبدو انه قد واجه تحديات صعبة, فلا مانع من دراسة خيار آخر وهو اتحاد الدول الإسلامية الافريقية مع دول إسلامية خارج القارة, وعدم البقاء في فخّ وهم الحدود القاريّة, فلعل الخيار الثاني لا يواجه صعوبات بنفس درجة الخيار الأول, خصوصاً ان الوحدة الإسلامية حلم يراود جميع المسلمين في العالم, في سبيل انشاء دولة من أقصى مشارق آسيا إلى أقصى مغارب إفريقيا, وعلى أسس مدنية وحضارية تحترم حقوق الآخرين في عباداتهم وطقوسهم ما لم تهدد مصالح المواطنين المسلمين, وتوفر وحدة اقتصادية "زراعية وصناعية وتجارية" تنافس أقوى اقتصادات العالم الحديث وقد تتغلب عليها.


     وليس ما تقدّم بخيار مستحيل أبداً, وإنما تكمن العقبات في أمرين, أحدهما شحة الإرادة التي تدفع بهذا الاتجاه, والآخر الموانع الوهمية التي نحملها في أذهاننا مُشَكِلةً عقباتٍ كؤودٍ, ورفع تلك العقبات يتمثل في أمرين أيضاً, الأول بيان أهمية الاتحاد الدولي لشعوب العالم لحث كل الشعوب الإسلامية إنشاء دولة اسلامية على أسس العدل والاستقامة والإنصاف وإشاعة الخلق الحسن, وطاعة الله تعالى, وإذابة المشاعر السيئة ومذام الأفعال ومساوئ الصفات بالتربية الإسلامية ذات الصبغة الأخلاقية الحميدة, والصفات الكريمة, فلا يجد العالم الآخر من المسلمين سوى العدل والإنصاف والصدق والأمانة وحسن الخلق وطيب العشرة وكرم الطباع.


      وتوزع الثروات من خلال أفضل الخدمات التي تقدمها الدولة لأبنائها في التعليم والصحة والطرق, والقروض الحسنة الميّسرة, وتُبنى العلاقات الدولية على أساس الإحترام المتبادل, والعلاقات المتكافئة التي تحفظ كرامة الجميع, والاتفاقيات المتوازنة, فمن شاء من غير المسلمين ان يدخل في الإسلام من دولة اخرى لا يمنعه مانع ولا يحبس دون الوصول إلى الاتحاد الإسلامي, وكذلك من أراد من المسلمين الالتحاق بدولة أخرى لا اسلامية لا يردعه الاتحاد الإسلامي ولا يمنعه من مقصوده وهدفه, وهكذا تتحقق حرية المعتقد في العالم فتحظى دولة الاتحاد الإسلامي باحترام شعوب العالم.


     وليس بغريب حصول الاتحاد بين عدة بلدان متجاورة, بل قد حصل بالفعل في مثل الإمارات العربية المتحدة, والولايات المتحدة, زد على ذلك حصول تكتلات اقتصادية تقلل من تأثير الحدود المصطنعة ولا ترفعها,  كالاتحاد الأوربي الذي يسمح للمواطن الاوربي بالتنقل من دون قيود داخل القارة, كما يتيح له استعمال عملة واحدة هي "اليورو" في أي بلد من بلدان الاتحاد الأوربي, فضلا عن جميع الايجابيات التي يتمخض عنها الاتحاد في أوربا بالنسبة لشعوب القارة الاوربية.


     وبالتالي لا يوجد مانع من حصول اتحادات اخرى كالاتحاد الاسلامي العالمي, ولا مجال للاستسلام أمام صيحات ترتفع لمنع حصول المسلمين في افريقيا او في غيرها على حقوقهم في تعزيز الوجود, وتدعيم القدرات, وبناء جسور التواصل فيما بينهم في مختلف القارّات, ولا مانع من دخول دول افريقية اخرى من وسط أو جنوب القارّة لتنعم بالعزة والقدرة التي تتمتع بها دول الاتحاد الاسلامي تحت مظلة الإسلام.


    إن الإتحاد الاسلامي هدف وغاية جميع المسلمين في العالم, ومقدمة لإنشاء الدولة العالمية التي تمتاز بالعدل والقسط, ولعل هذا الهدف يساهم في تحقيقه عدد غير قليل من شعوب إفريقيا؛ لِلذي كابدوه من الظلم والاضطهاد منذ بداية الاستعمار إلى اليوم.


 


  


1.    المراد هو الاتحاد الكامل كسائر الدول المستقلة, وليس الهيئة القارية(AU)التي هي عبارة عن هيئة قارية تتألف من الدول الأعضاء البالغ عددها (55) دولة والتي تتكون منها دول القارة الإفريقية. تم إطلاقها رسميًا في عام 2002 كخليفة لمنظمة الوحدة الأفريقية (OAU ، 1963-1999), ينظر الرابط:  https://au.int/en/overview

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثاني من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
20/07/2019
العدد الثاني من مجلتي الافريقية

المجلة