اساطير افريقية

 



صياد السمك


   في بعض الأصقاع من أفريقية يكسب الناس قوت يومهم عن طريق صيد الأسماك في الأنهار العميقة، زعموا أن أخوين تركا منزلهما في الغابة وأخذا يسيحان حتى أتيا مكانا وجدا فيه صيدا كثيرا من الأسماك، ويحب الاخوان هذه الحياة ويقرران أن يستقرا في هذا المكان، وأن يتعلما صيد السمك.. وتربطهما الصداقة فيما بعد برجل عجوز وابنته.. كانا يعيشان بالقرب من هذا المكان وكانت الفتاة الجميلة دائبة في عملها ويقع أخيرا الاخوان في عشقها إلا أن الفتاة لم تستطع أن تقرر أيهما تتزوج ولكن جدتها تقول لها ناصحة:


  _تزوجي با فضلهما صيدا للأسماك.. كلا الشابين غريب عنا ولا نعرف عنهما إلا القليل.. أنظري أيهما يصطاد أكثر من غيره سمكا خلال الأسابيع القادمة.. أتركى كلا منهما يبحر ليصطاد وحده دون أن يساعده أحد وبعدها نستطيع أن نرى أيهما يفضل الأخر.


 وتفكر الفتاة في الأمر مليا وترى أن الخطة على الأقل قد تمنحها الوقت لكي تقرر أيهما تحب أكثر من الأخر، ذلك أن كلا من الشابين كانا على درجة من الوسامة والمهارة بحيث لا تستطيع أن تختار أيهما وتخبر أباها بما اقترحته جدتها ويخبر الوالد الشابين بأن أبنته سوف تتزوج أفضلهما صيدا للأسماك.


كان أكبرهما يدعى (سوكي) اما أصغرهما فكان يدعى (كانا) ويتفقان على أن رأي الفتاة سليم إلى درجة كبيرة، وانهما سوف يبذلان جهدهما في صيد أكثر ما يمكن من السمك.. وفي الصباح يتخذ كل منهما طريقا في البحر مختلفا عن الأخر، ويعود (كانا) في منتصف النهار بصيد رائع من الأسماك.


فتسأله الجدة:


_هل أديت صيدك في يومك هذا؟


ويجيبها(كانا):


_نعم.


_هل قطعت لي بعض الأخشاب.


ويقول (كانا):


_بالتأكيد.. سوف أحاول أن يكون لدي وقت لذلك.


وينطلق (كانا) ليقطع الخشب ويؤدي بعض الأعمال الأخرى حتى تخف الحرارة اللافحة ويعود(سوكي) في المساء مكدودا كما يبدو عليه ومعه حمل وفير من السمك ويقول والد الفتاة:


_لقد أضعت يوما بأكمله.


_هذه هي الطريقة التي أعمل بها.


وتتوالى الأيام ويعود (كانا) مبكرا ومعه حمل من السمك ويعود (سوكي)متأخرا يحمل آخر وكان يبدو مكدودا دائما بعد يوم طويل من العمل بينما يبدو(كانا) نشيطا مرحا، ويقول الأب:


_حسن.. أنه من اليسير أن نقول أيكما أحسن عملا، إن (كانا) يخصص ساعات قليلة للعمل مثله في ذلك مثل الفراشة التي لا تستطيع أن تبقى في مكان واحد ردحا طويلا من الوقت. إن (سوكي) هو العامل الحقيقي


وتعلق الفتاة:


_أنظر كيف أن (كانا) يساعد غيره، إن (سوكي) يقوم بعمله صيادا فحسب.


ويقول الأب مؤكدا:


_هذا ما ينبغي أن يكون. أن (سوكي) مثال للعامل المثابر الثابت.


وتحتج الفتاة:


_لكنه لا يصيد أسماكا أوفر عددا من (كانا).


ويجيبها الأب:


_إن الشاب المسكين لسيء الحظ، إنه يضطرب كثيرا فيفزع السمك منه، فإذا ما تزوجت منه فستجدين نصيبه من السمك قد تضاعف.


وفي هذه الاثناء تستيقن الفتاة أنها تؤثر (كانا) زوجا لها أذ رأت فيه أكثر مما رأت في (سوكي)ولكنها كانت تضطرب أشد الاضطراب حين يبدو(كانا)كسولا طائشا بالقياس إلى أخيه.. وذات يوم يصل (كانا)مبكرا كما أعتاد أن يفعل وتقرر الفتاة أن تتحدث معه فتقول له:


_إنك لتعلم أنني أتوقع منك عملا متواصلا حتى أرضى بك زوجا.


_إنني أعمل كما تعودت أن أعمل، إنك بالتأكيد لا تحبين أن أخدعك بجهود زائفة أقوم بها.


_ لا أعني ذلك، ولكن لماذا لا تمكث أكثر مما تمكث لكي تعود حاملا مزيدا من السمك.


ويقول (كانا)


_إنني أعود دائما ومعي حمل كامل، وإن مجيئي بأكثر منه جهدا ضائع لا فائدة منه.


كان حديثه معها مقبولا ولكن الفتاة لم تكن لتقتنع به.


_إن أبي يعتقد أن (سوكي) أفضل منك عملا.


ويتساءل (كانا)


_وما رأيك أنت فيما يقول؟


فتجيب الفتاة:


_أخشى أن يكون ذلك هو الحق.


ويقبل (سوكي) مكدودا يائسا ويشغل كل واحد من حوله ليعد له الطعام، ويرى أنه يقضي المساء في دعة، بينما يشارك (كانا) الناس في الرقص والغناء حول النار وينزعج الأب لهذا أكثر مما كان من قبل فيقول لأبنته:


_ حسن.. إنني لمسرور أن وضعت هذين الرجلين موضع الاختبار ولم أستغرق وقتا طويلا لأستوثق أيهما يفضل الأخر.. عندما ينتهي الحصاد فسوف تتزوجين (سوكي).


وتغضب الفتاة لأنها كانت تحس أن (كانا) يعمل القليل من أجلها، فإن كان راغبا حقا في الزواج منها، فقد كان عليه بالتأكيد أن يواصل العمل أكثر مما يعمل ليثبت أنه أحسن العاملين أنها لا ترغب في الزواج من (سوكي).


وإذا هي تحاور جدتها:


_هذا جميل أبي.. ولكنني لا أظن أن زواجا من رجل يعمل من الصباح حتى المساء ثم يأوي إلى داره مكدودا لا يقوى على التحدث أو الغناء يمكن أن يكون مصدر سكينة وسرور.


ولكن جدتها تسألها:


_ إذا أنت في الواقع ترغبين في الزواج من (كانا).


وترد الفتاة في عجلة:


_بالطبع لا.. إنه يظهرني بمظهر مضحك.


وتخفي جدنها بسمة بدرت منها وتمسك عن الكلام في هذا الأمر ولكنها في صباح اليوم التالي وبعد أن ينصرف الرجلان إلى الصيد كما اعتادا كل يوم تعرض عليها اقتراحا.


_ لماذا لا تزورين (سوكي) إنه شيء يبعث على السأم أن يبقى طيلة اليوم وحده، احملي إليه بعض الطعام واذهبي إليه لعل ذلك يتيح لك فرصة أفضل للتعرف عليه، ليكن تسالك إليه ضربا من المفاجأة اللطيفة له وقد تجدين فيه شخصا يختلف عما تظنين.


لم تكن الفتاة راغبة في القيام بهذه المحاولة أولا، ولكنها عقدت العزم على الذهاب وقد بلغ منها الجهد في التفكير في الأمر حدا جعلها تشعر أن من الخير ان تفعل شيئا.. لذلك فهي تلف بعض الطعام ثم تنطلق إلى المكان الذي يسعى(سوكي) للصيد فيه، كان الطقس شديد الحرارة وكانت النفس تضيق به، وكانت تشعر بالأسف ان تقوم بمثل هذه المهمة ولكنها تواصل السير، فترى من بعيد نهرا وتقبل في دعة وهدوء إلى البقعة التي توقع أن تجد (سوكي) يصطاد السمك، وتصيبها الدهشة حين تلمح بعض الشباك ملقاة على الأرض وتنظر مرة أخرى فتشاهد شبحا نائما تحت الشجرة فتأخذها الدهشة ولكنها تظن أن (سوكي) قد أستلقى لينال قسطا يسيرا من الراحة فتأوي إلى الظل لتستريح كذلك وتمضي الساعات ويصحو(سوكي) من نومه أحيانا ثم يتثاءب ويتمطى أحيانا أخرى، وينظر إلى الشمس ثم يروح في نومه مرة أخرى، وأخيرا يفيق عندما يميل قرص الشمس بعد الظهيرة ويسعى إلى شباكه ويبدأ الصيد، وتقف الفتاة على قدميها دون أن تنطق بكلمة واحدة وتتسلل راجعة من حيث أتت، وتعود إلى الدار حيث كانت جدتها تراقب مجيئها وتألها:


_ هل فاجأت(سوكي).


وتجيب الفتاة:


_ لم أقترب منه إطلاقا.. أرجو ألا تقولي شيئا.


ويعود(سوكي) إلى الدار متأخرا قليلا ويبدو كما هي العادة_ مكدودا ومعه حمل ثقيل من السمك.


أما (كانا) الذي عاد من عمله من ساعات بعد ان أدى أعمالا مختلفة عجيبة فلم يبد تعليقا.


وتسأل الفتاة (سوكي):


_هل قضيت يوما شاقا يا (سوكي)؟


ويومئ سوكي برأسه موافقا.


_إن حياة الصياد ليست هينة، لم يكن حظي مثل حظ (كانا).


ولكن الفتاة تقول وهي تنصرف عنه:


_إنني لأتساءل أهو حقا الحظ؟


وتغضب الفتاة من الطريقة التي كان (سوكي) يخدعهم بها وتصمم على أن تفضح أمره لكسله ونفاقه وتخبر جدتها في اليوم التالي، بأنها سوف تزور (سوكي) في الحقيقة وتعد الطعام مرة أخرى وتنطلق إليه وتتسلل ثانية إلى البقعة التي يصطاد فيها، ومرة أخرى تشاهد (سوكي) يغط تحت الشجرة بينما تمتد شباكه في استرخاء وتعود إلى جدتها وتخبرها الحقيقة وتقول:


_ أريد منكما_ أنت وأبي _ أن تذهبا معي فتشاهدا بنفسيكما فينتهي هذا الزعم.


ويصغي الأب إلى القصة ولا يستطيع تصديقا، ويلح في أن يلتمس لموقفه تفسيرا، ولكن الفتاة تذكره بأنها قد راقبت (سوكي) ساعات في اليوم الذي انقضى وأنه لم يؤدي عملا ما.


ويقترح الأب:


_ربما كان يشكو المرض.


وتقول الفتاة في تهكم:


_ولهذا فقد تناول عشاء خفيفا مما يأكل المرضى.


_لا أحب مع ذلك.. التجسس عليه.


وترد الفتاة عليه:


هراء.. إنه ظل يخدعنا أسابيع.. هيا بنا.


وتتقدمهما إلى الغابة حتى إذا تراءى النهر لهم تشير الفتاة اليهما الفتاة بالسير على مهل وحذر وينظرون من خلال أغصان الأشجار فتتراءى لهم تلك الصورة التي بدت للفتاة ومن قبل: الشباك ملقاة على شاطئ النهر (وسوكي) يغط في نومه.


وتهمس الفتاة:


_ماذا أقول لكما؟


ويقول الأب محتجا:


إن الرجل لخليق بأن ينال قسطا من الراحة.


ولكن الفتاة تقول:


_لقد كان يستريح منذ مطلع الصبح وسيظل في راحته حتى الظهيرة إذا ما كان لكما أن تراقباه.


وتطلب الفتاة من الآخرين الرقود والانتظار، وكلما تغفو عيونهما توقظهما الفتاة مرة أخرى ومع ذلك فلم يغير هذا الموقف من حدة شعورهما، وإن كانت قد صممت على أن يعرفا كيف ان (سوكي) كان يخدعهم جميعا.


ويصحو (سوكي) بعد عدة ساعات وينظر حوله إلى الشمس ثم يدلف إلى عمله فيجمع بعض السمك من شباكه، ويجد أن حمله قد أصبح _إلى حد ما_ ثقيلا فيقذف ببعض السمك في النهر ويأخذ طريقه إلى القرية في خطى وئيدة، ويسرع الثلاثة عائدين إلى الديار من طريق جانبي قبل أن يصل (سوكي) ويعدون النار فإذا به يصل إلى القرية ويلقي بنفسه متهالكا وتقول له الجدة:


_أرجو أن تحضر لي بعض الحطب وقودا للنار يا (سوكي).


ويتنهد سوكي:


_لقد لقيت في يومي عملا شاقا.. لا يقوى عليه (كانا).


ويقول (كانا):


_ها هو الحطب.


ويلقي به (كانا) امامها على الأرض.


وبعد العشاء يصرح الأب أن لديه حديثا يريد أن يقوله:


_لقد كنتما تصيدان السمك لأسابيع أنقضت إنني لأشعر أن الوقت قد حان لكي أعطي كلمة القبول لمن يتزوج أبنتي.


وتلوح ابتسامة على ثغر (سوكي) وينظر إلى (كانا) في نشوة الظفر وإن كان يتظاهر بالتواضع.


_ أخشى أن تجدوا ان قراركم النهائي عسير.. إنني أعلم أن أخي لا يصمد في عمله كما يجب ولكنه سريع وماهر، وعلى العكس إنني لا أدعي لنفسي المهارة ولكنني أحب أن أؤدي عملي إلى نهايته وأن أستمر فيه حتى أنجزه.


وتصيح الفتاة في غضب:


_غش.


ويرمقها (سوكي)في دهشة:


_ماذا تعنين بهذا؟


_أقصد أنني لا أريد أن أتزوج منك برغم هذا.. إنني بعدما شاهدتك بالأمس واليوم أوقن تماما أنك رجل كسول ومخادع كذلك، فقد ذهبت لزيارتك أمس.


وتقول الجدة في شيء من الدهاء:


_ذهبت لتقدم إليك مفاجأة.


وتستأنف الفتاة الحديث:


_إنني أنا من تلقيت المفاجأة.. ذلك أنني شاهدتك تنام طيلة اليوم تقريبا وأنك تعمل ساعة من النهار أو ما يقارب من ذلك وبعدها تعود مدعيا أنك متعب.


ويستغرب منها ذلك فيقول:


_كيف تقولين مثل هذا، لو صدق أبوك وجدتك هذه القصة لكان أمرا نكرا.


وتقول الجدة:


لقد شاهدنا ذلك بأنفسنا، لقد ذهبنا جميعا لزيارتك مرة أخرى اليوم.


ويغضب (سوكي) غضبا شديدا محاولا تبرئة نفسه ولكن دون جدوى ويتفق الأب مع أبنته على أن (كانا) هو الرجل اللائق الذي تتخذه زوجا لها، وتوضع الزينة ليوم العرس ويسخط كل من في القرية على (سوكي) إلى حد أنه كان يرحل إلى الشاطئ ليعمل عملا أكثر مشقة مما كان يفعل من قبل ليكسب قوته.


وفي كل يوم نقابل فيه إنسانا مشغولا بعمله ولا يتسع وقته لمساعدة غيره لابد أنه يذكر قصة (سوكي) وصيد السمك.. فليس كل من كان مشغولا عن الناس بعمله هو أكثرهم أداء له.


 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


 



الصباح والمساء


كان الصباح والمساء أخوين


   أنجب الإله"  ماهو "الصباح، فوهبه ثروة عظيمة، ورعية لا حصر لها، وأنجب ولده الثاني المساء،


فلم يهبه سوى القرع اليابس، وخرز النانا، وخرز الأزامون، وفي يوما ما، مرض الصباح، وقال الطبيب: (دواؤه خرز النانا، وخرز الأزامون).


وراحت الرعية تبحث عن الدواء، وعند المساء فقط وجدت الرعية الدواء، فقال لهم المساء: (كم تعطونني ثمنا لهاتين الدرتين؟) فأعطوه مائة صدفة ثمنا لكل واحدة من الخرزتين. وبرأ الصباح من مرضه، وجلس المساء وحيدا يفكر: (يجب أن يمرض الصباح كثيرا، فأحصل على المزيد من الأصداف). وتوصل المساء إلى وسيلة، بوضع أوراق القرع اليابسة في طريق الصباح. وهكذا، كلما أراد المساء، سقط الصباح مريضا. وشيئا فشيئا انتقلت الثروة العظيمة إلى المساء، فجاءت الرعية إليه، وجعلوه ملكا عليهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


 


 



الطائر المصفر


إن للطيور الصغيرة _كصغار الناس_ طموحا وهي تسعى إلى تحقيقه في بعض الأحيان عن طريق الكفاية والاستحقاق، وفي البعض الأخر عن طريق الدهاء، زعموا أن طائرا صغيرا قد عقد العزم على ان يحقق غايته سواء عن طريق الخير أو الشر،         كان صوته خافتا نحيلا وكان يتوق فوق كل هذا إلى أن يتمكن من أن يجعل صفيره عاليا ولكن يستطع أن يجعل صوته الخافت أعلى مما هو الأن.


ويقول لنفسه:


  _ لو أنني ظفرت بشيء أصفر فيه فسوف أفعل ذلك، ثم راح في الغابة يتصيد بحثا عن شيء يجعل منه لنفسه صفيرا، ولكن لم يجد شيئا فدير خطة بالغة الدهاء، كان يعيش إلى جواره طائر كبير جميل يميل إلى أن يعامل غيره من الطيور في شيء من الازدراء.


وذات يوم يزور الطائر الصغير الطائر الكبير ويدور بينهما ما يبدو أن يكون نقاشا عارضا:


_لقد سمعت إن الديدان ستقل نوعا ما هذا الصيف.


_في الواقع إن هذا لا يعنيني.. إنني أستطيع أن أطير أميالا إذا ما دعت الضرورة، إنني لأتوقع أن أجد كثيرا منها.


_أشك في ذلك، أما أنا فلا يعنيني كذلك لأنني أستطيع أن أطير بدون طعام.


_ماذا تقصد من أنك تستطيع أن تطير دون طعام؟


_لقد كنت أدرب نفسي، وفي بعض الأحيان كنت لا أذوق الطعام أياما متتاليات، أعتقد أنني أستطيع ان اصوم أسابيع دون أن يصيبني شيء كثير من العناء.


_ها.. حسن.. إذا كنت أنت تستطيع ان تصوم أسبوع فإنني أستطيع أن اصوم أسبوعين.


_هل أنت راغب في مراهنتي على ذلك؟


_بالطبع أرغب.. عليك أن تمدني بأربع وعشرين من الديدان الكبير أن أنا كسبت الرهان.


_سوف أطير معك.. أؤكد تماما أنك لن تقوى على الصمود أسبوعين بدون طعام.


_آه.. سترى.. والأن ما هو الطريق لذلك؟


_إن السبيل القويم لذلك هو أن نحبس انفسنا كل في عشه، ولما كنت أصغر منك حجما فأفضل أن أقوم بذلك، سأقوم بالأعمال الأولية أولا، سوف أختم عليك في عشك تماما بحيث لا يرى منك سوى ثقب صغيرا لعينيك وسوف يكون في وسعك أن ترى أنني قد حبست نفسي في عشي وأن ترى انه ليس ثم تدليس، وبعدها تستطيع ان تضع على عينيك ما يعصبهما.


ويقبل الطائر الكبير الرأي في تحمس، لقد كان شديد التمسك برأيه وكان مقتنعا أن في وسعه أن يعمل ضعف ما يعمل غيره،


  ويقبع في عشه متلطفا بينما يغدو الطائر الصغير يبني حوله حائطا، ويلتف به الحائط من كل جانب إلا من فتحة صغيرة يستطيع منها أن يراقب الطائر الأخر.


ويواصل الطائر الصغير البناء حول نفسه حتى لم يعد يراه احد تماما وينزع الطائر الكبير قطعة الجبس من فوق عينيه ويستقر في مكانه صائما.


أما الطائر الصغير الماكر فقد أستطاع أن يحشر نفسه في أضيق مكان وان يترك في الواقع من حوله ثقبا يسمح له أن يخرج ويدخل ويحصل على طعامه دون أن ينتبه له الطائر الغبي الكبير لذلك.


ويصحو الطائر الصغير مبكرا وينفلت ليحصل على بعض الطعام ويعود حين تطلع الشمس التي لم يكن يراها كل منهما دائما، بل كانا يحسان دفئها ويسأل الطائر الصغير:


_كيف حالك؟


_جميل إنني لا أعباء بالجوع على الأقل _كيف حالك؟


_جميل أيضا، يقولها وهو يحرص على أن لا يبدو مقنعا.


وينقضي اليوم الثاني على نفس المنوال وإن كان تصريح الطائر الكبير بأن أمره على ما يرام قد شابه قليلا من التهجم. ويأتي اليوم الثالث ويتحقق الطائر الصغير من أن صوت ضحيته يجيء خافتا، وفي اليوم التالي يصبح صوته ضعيفا بشكل قاطع وينادي في يوه التالي مرتين قبل أن يتلقى ردا، ثم لا يسعه بعد ذلك أن يستجيب لأي نداء، ورغم هذا يواصل الطائر الصغير البقاء دفينا ثم يتسلل يجلب الطعام.


وتمر أيام ثلاثة بعد ذلك لا يستجيب الطائر الكبير للنداء فيذهب الطائر الصغير إليه ويفتح العش فإذا بالطائر الكبير ملقى بداخله هيكلا من العظام.


_مات من أيام مضت.. يا له من متباه.


ويلتقط الطائر الصغير عظمة فخذ الطائر الكبير ويضعها في منقاره ثم ينفخ فيخرج منها نغما جميلا.


_ها.. والأن في وسعي أن أصفر بأحسن قطعة فيه ويأخذ في الصفير وهو يطير مطوفا طوال اليوم محدثا طنينا مزعجا يصم الأذان، ويسبب هذا هرجا واضطرابا في الغابة، ذلك أن الطائر الصغير كان صغيرا نحيلا له ساقان كالعصى إلى حد جعل الضجيج الذي يحدثه يبدو مثار تعجب كثير، إن عصفور الكناري لا يسعه ان يغني بصوت أعلى منه، ويمضي الوقت بسبب هذا الصوت شيئا كثيرا من الازعاج ويعتزم طائر كبير من طيور الكناري وضع حد له ويقول آمرا:


_أعطني صفارتك هذه.


وينفش الطائر الصغير ريشه في غضب عظيم.


_لن اعطيكها.. لقد كلفني ذلك الذهاب آمادا بعيدة ولن أتنازل عنها.


_لا أظن أنك حصلت عليها من طريق الشرف ولكني لن أعباء بهذا.. اعطني إياها في الحال وإلا سيصيبك من ورائها الأذى.


ويضطر الطائر الصغير الذي لا يسعه الوقوف في وجه الكناري إلى أن يعطيه الصفارة ويطير بعيدا متوعدا إياه بالانتقام ..ويطير الكناري إلى منزله حاملا معه الصفارة ويقدمها لزوجته:


_إنني أريد منك أن تغني بهذه_ إنها ملك ذلك الطائر الأحمق الذي كان يرسل طنينا مزعجا في الأيام الأخيرة، سوف لن نردها إليه مهما كان الثمن، فإذا جاءك أحد ليستردها فعليك أن تكوني على حذر منه. 


وتقول أنثى الكناري:


_كيف أعرفه إن حام من حولي؟


_إنه صغير وله ساقان نحيلتان كالعصى لم نرى مثلهما من قبل نحولا.


_حسنا سوف أرقب هاتين الساقين.


وفي اليوم التالي يأتي الطائر الصغير النحيل حائما حول المكان بينما كانت أنثى الكناري تستريح في عشها فيقول لها:


_إنني جئت لأخذ صفارتي، إنني قد أقرضتها زوجك أمس لقد أخبرته أني سوف أعود بعد الظهيرة لأستردها.   


صحيح ما تقول؟.. من لعجيب أنه لم يخبرني بذلك.


 _أظنه قد نسي.. لا تهتمي بالأمر سوف أخذ الصفارة الآن .


وتهب انثى الكنار تنهشه.


_في الواقع لن تأخذها.. لقد سمعت عنك من زوجي كل شيء وكيف كنت مصدر ازعاج؟


_قد يكون ثم خطأ فيما تقولين، لم أكن لأفعل شيئا من هذا النوع، ربما يكون قد أختلط عليك الأمر بيني وبين غيري.


_لا..  لم يختلط على الأمر.. إنك لأنت الطائر الصغير ذو الساقين النحيلتين.. إنني لأعرفك حيثما تكون.. أذهب الأن فلن تأخذ الصفارة.


ويبتعد الطائر الصغير حانقا أشد الحنق ويجلس مطرقا يفكر في طريقة يسترد بها الصفارة فليس له من أحباب يقومون له بذلك لأن أحدا لا يحبه كثيرا، وهو لهذا يقرر اخفاء ساقيه ويحوم حول المكان يجمع شيئا من الريش الرقيق ويلصقه حول ساقيه النحيلتين ويضيف القليل منه إلى وجهه أيضا، ويعود إلى عش الكناري ويستكشف المكان بعناية فإذا به يجد انثى الكناري وحدها فينظر اليها في شجاعة ثم يقول بصوت خفيض:


_عمت مساء.. لقد سألني زوجك أن اتي له بتلك الصفارة التي عليها تحرصين.


وتحملق أنثى الكناري بشيء من الريبة في وجهه أولا ثم في ساقيه بعدئذ ولكنها تلحظ أن ساقيه تبدوان سميكتين يأخذها التردد وتقول في احتجاج رقيق:


_إن زوجي لم يقل لي شيئا من مجيئك للصفارة.


_أعرف ذلك.. لقد قابلني منذ برهة وأخبرني عن ذلك الازعاج الذي يحدثه الطائر الصغير المقلق بتلك الصفارة التي يلهو بها، لهذا فقد أستقر الأمر بيننا على أن افضل شيء يعمل هو ان ندفنها درءا للمتاعب.


_حسن.. أعتقد أنه راي سديد، إن ذلك سيوفر علي مؤونة المحافظة عليها طيلة الوقت.


وتعطيه الصفارة دون تردد.


ويعود الزوج بعد دقائق فتقول له:


_لقد أعطيت صديقك الصفارة.. هل قمت بدفنها في مكان أمين؟


 _بربك علام تتحدثين؟


وتقص عليه قصة الزائر، فيصيح:


_يا للعجب.. انني لم أرسل أحدا، لابد وانه ذلك الطائر الصغير الوقح، ألم اقل لك أن تكوني على حذر منه؟


وتولول الزوجة:


_لقد كنت على حذر منه لقد نظرت إلى ساقيه على وجه التخصص فرأيت أنهما غير نحيلتين على الأطلاق، لقد كانتا في الواقع سميكتين ومكسوتين بالريش.


_إنك غبية.


وينشب بينهما شجار يشتد فينقلب عراكا مريرا.. وبينما هما يتصالحان ويقفز كل منهما على الأخر إذ بهما يستمعان إلى صوت الصفارة يتردد من حولهما مدويا وأن الطائر الصغير الماكر يحوم مصفرا في عنف.


إن في هذه لعبرة.. ذلك أن المرء لا ينبغي أن يحكم بالظواهرز


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


 


 


 


السلحفاة الظافرة


 


إن السلحفاة مخلوق ذكي، إن عليها أن تستفيد من ذكائها حتى تنجح في الحياة.. ذلك إنها تملك قوة الأسد أو سرعة الأرنب.. ورغم ذلك فإن هذا الذكاء لا يجعل منها مخلوقا يألفه الناس ويرجع سبب ذلك إلى أنها تميل إلى الاعتزاز بنفسها شيئا قليلا.


ولفترة طويلة كانت قد استثارت الفيل فأصابه الانزعاج وفقد اعصابه يوما ما فصاح:


_ هل تظنين أنك غاية في البراعة ؟.. إن كان الأمر قتالا منصفا بيني وبينك فإنني سأنتصر في كل مرة.


وتسخر منه:


_ هل تعتقد ذلك؟


ويقول الفيل:


 _ أعلم ذلك..


ثم ينتزع بخرطومه جذع شجرة ويحطمه كما لو كان عود ثقاب ليبين لها ما يستطيع أن يفعل، وتبتعد السلحفاة قليلا وترقب هذا الأداء المسرحي ولكنها لم تتأثر كثيرا بما فعل فتقول له فتقول له في هدوء:


_ أعتقد أنك سوف تجد نفسك مخطئا.. ومع ذلك إن شئت فلنحاول.


ويقول الفيل:


_ تعنين انك سوف تنازلينني؟


_ بالضبط.. عودنا باكرا فجرا فجرا وعلى شاطئ النهر.


ويسأل الفيل في ارتياب:


_ ولم يكون شاطئ النهر؟


لأن الأرض هناك مهدا وقريبة من المكان الذي أعيش فيه، ولأنك انت البادي بالأمر فإن من حقي _ على الأقل_ ان أختار المكان.


ويوافق الفيل على الرأي قائلا:


_ إن النهر مكان خليق بالراحة التي ينشدها الجسم.


وتعلق السلحفاة على قوله:


_ أرجو أن لا يغرق جسمك النهر.


ويدير الفيل رأسه ويمضي محدثا دويا عاليا ويهتز جسمه من فرط الضحك حتى تسيل دموعه على خديه ويشهق أخيرا:


_ آه.. انصرفي قبل أن أموت من الضحك.


وتتحرك السلحفاة بخطوات وئيدة كما تعودت وتقول مذعورة:


_ سنضحك يا بني وأنت على الجانب الآخر من وجهك.


وبينما هي تسير إذا بها تلحظ بسمات ترتسم على وجوه بعض الحيوانات التي كانت تستمع إلى حديث لقائها مع الفيل، لكنها كانت تنظر إليها في ازدراء.. ذلك التعبير الذي كان من اليسير أن تنتحل وهو أمر في الغالب ملحوظ بالنسبة للسلحفاة.. وتتخذ طريقها الى شاطئ النهر فترى فرس البحر يتمرغ مسترخيا في الطين، إن فرس البحر حيوان غير ألوف إن تركه الناس وحده فهو يتركهم وحدهم وإن كان ثم محاولة لاستشارته انقلب _في الواقع_ حيوانا سيء الطباع.


وتقول السلحفاة في خنخنة:


_ كيف تتحمل التمرغ في مثل هذا الطين القذر الكره الرائحة.


ويزمجر فرس البحر:


_ أحبه.. إن أسري اعتادت أن تأخذ دائما حمامات الطين.


وتقول السلحفاة:


_ أعتقد أنها عادة قذرة تماما.


ويصيح الفرس:


_ إن أحدا لم يسألك ماذا تعتقدين أن أحدا لم يطلب منك المجيء إلى هنا أيضا.


_ إن من حقي المجيء إلى هنا كما تفعل انت.


_ إذن صه واحفظي عليك لسانك ساكنا في حلقك.


_أنت تعلم أن أخلاقك تحتاج إلى مزيد من الصقل.. إنه لمن المؤسف إنك جوهرة فجة.. وسأحاول في الواقع أن أصنع منها شيئا.


وينتفض فرس البحر من الطين في قوة جبارة ويرد عليها وعيناه تلمعان غضبا وحنقا:


_أحقا ما تقولين؟ إنني لا أرى إنك على خلق.. في الواقع أريد أن ألقنك درسا أو درسين.


وتتساءل السلحفاة في هدوء:


_ أتتوعدني؟


ويرد فرس البحر وقد أستعد أن يخوض في الطين حتى يصل إليها:


_ثمة ما تشائين إني قادم لألقنك درسا.


_قف.. انني لا أؤمن بعمل فيه خشونة وتهور، إن أردت قتالا فليكن ذلك بطريقة لائقة.


سألقاك هنا مع مطلع فجر اليوم الالي وسترى أينا أقوى رجلا.


ويطلق فرس البحر ضحكة مريرة:


_ممتاز.. ليس شيئا أليق لي من هذا.. إنه وقت جميل ورطب لا تنسى ان تأتي.


_ بالتأكيد لن أنسى.


وتسعى السلحفاة وقد ارتسمت على وجهها دلائل الرضا الشديد كما ينبغي في الواقع أن تكون ذلك، إن المؤامرة التي دبرتها كانت محبوكة تماما.


وتستشرى أنباء الصراع القائم بين الفيل والسلحفاة ولكن أحدا لا يعلم ما أعد من ترتيبات للمعركة الثانية.. ذلك إن فرس البحر كان لا يألف أحدا ولا يتحدث مع غيره، وكانت السلحفاة على بينة من هذه الحقيقة تماما. لقد كانت هذه الحقيقة جز مهما في مؤامرتها.


وقبل مطلع الفجر بقليل تصحو السلحفاة من نومها على شاطئ النهر، وتسعى وسط الضباب فتشاهد الفيل أمامها يسير متثاقلا وقد ضربت من حوله حلقة كبيرة من أصحابه الذين جاءوا لمشاهدة هذه المعركة.


وتنظر السلحفاة في النهر فترى فرس البحر وقد أستلقى مترقبا وحين يسمع أصوات الجميع مقترب ينتصب واقفا ساكنا بحيث يتعذر على أحد أن يكتشف مكانه وسط الضباب _لقد كانت هذه هي الطريقة التي أرادت السلحفاة للأمور أن تسير عليها.. وتتحرك في حذر متحصنة بين الأعشاب وترقب حتى يقترب الفيل من الشاطئ ويقهقه:


_ها.. هكذا لم يصل صديقي المقدام حتى الآن.. إنني لأتساءل إذا كان قد تدبر الأمر جيدا.


وفي اللحظة التي يجتاز فيها الفيل البقعة التي كانت السلحفاة قد أختفت تماما تمسك بطرف خرطومه.. ويدهش الفيل أشد الدهشة، ويتألم أشد الألم حتى يصبح في الحال عاجزا.. وفي هذه اللحظة الدقيقة الحرجة تقذف السلحفاة بنفسها على شاطئ النهر في أتجاه فرس البحر الذي كان طبيعيا يحاول الإمساك بعدوه المهاجم إلا أن يقبض في اضطراب على خرطوم الفيل   


بينما تلوى السلحفاة منطلقة ثم ترتمي في الطين.


ويسحب فرس البحر الفيل على الشاطئ في جذبه خشنة وراح الاثنان يدق أحدهما عنق الأخر ويقف الجمع الذي لا يدرك ما حدث مشدوها لتلك القوة الخارقة التي تقمصت السلحفاة والتي كانت في الواقع تتخذ مكانها أمنة مطمئنة على مسافة من الشاطئ ترقب الصراع الجبار بين الفيل وفرس البحر، وقد أصيبا أصابات بالغة وظلا يتصارعان حتى النهاية قبل أن يكتشفا ما قد وقع، وينسحبا إلى الشاطئ مضرجين بالدماء وقد أنهكهما التعب ويتساءل الفيل:


_ بربك قل لي ما حدا بك على أن تهاجمني؟


ويحاول فرس البحر أن يشرح له ويثور أشد الثورة، ويدرك الفيل وفرس البحر في غمرة من الشرح المستفيض المضطرب _وبينما كان كل متفرج قد اشتبك في صراع مع غيره_ أن السلحفاة قد اصطنعت حيلة ماكرة للوقيعة بينهما.


   ويعتذر كل منهما للأخر ويتفرقان بعد أن تعهدا ألا يتورطا مع السلحفاة المخادعة في جدال مرة أخرى، وينتهي المتفرجون إلى نفس النتيجة، ومن أجل هذا فقد تركت السلحفاة في عزلة قاسية لا يجرؤ حيوان على مهاجمتها، بل إنهم ليحرصون جميعا أشد الحرص على العيش معها في وئام وسلام.


 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*. الحسيني, د. الحسيني معّدى, الاساطير الافريقية ,ط2, 2014م :ص200.


________________________________________


 


كيف تصنع الأعداء؟
إن أشد ما يقع في الغابة شناعة ورهبة النار، ذلك أنه ليس ثمة طريقة لإخمادها فكل شيء فيها يفنى، فالحيوانات التي لا تستطيع الفرار سريعا يغلبها الدخان فتحترق أو تختنق.
وفي ذات يوم تجتاح الغابة نيران شديدة يفر من هولها الحيوانات تجاه الشاطئ الآخر في أمان.
أما تلك التي لا تعرف السباحة كالقردة فقد تتعلق بغيرها من كبار الحيوانات فتحملها على الماء، والأرنب كمثل القردة لم يكن قادرا على السباحة ولكنه يختلف عنها في أن أحدا يستطيع أن يحمله ولكن أحدا لم يكن راغبا في حمله إلى الشاطئ الآخر لأنه حيوان ماكر يعرف كيف يفيد من كثير من البسطاء.. لذلك فهو يذرع شاطئ النهر ذهابا وجيئة ضارعا إلى عديد من الحيوانات أن تعبر به النهر، ويطلب أول الأمر من الأسد الذي يزمجر بعد أن يلقى بنفسه في الماء قائلا:
_ أغرب عن طريقي.
ثم يحاول مع الفيل لكن الفيل وقد تعلقت به مجموعة من القردة يهز خرطومه مستأنفا المسير ويقترب الأرنب من الفهد الذي يرد عليه مزمجرا ويقذف بنفسه في الما، وأخيرا يقترب من كلب متوحش ولكنه يتجاهله وينأى عنه لأن الأرنب كان قد خدعه من قبل. 
وأخيرا يرى الأرنب قاربا صغيرا يرسو قريبا من شاطئ النهر، لقد كان امله الوحيد في النجاة أن يجد شخصا يفر من النار عن طريق هذا القارب.. لذلك فهو يزحف مختفيا تحت لفافات الحصير الملقاة في قاع القارب، ويرقد ساكنا بينما تقترب منه النيران شيئا فشيئا، ويحس الأرنب قصيف اللهيب في اللحظة التي يستسلم فيها للهلاك.. ويسمع وقع أقدام مسرعة ويندفع رجل وزوجته من بين الأشجار نحو القارب ويلقي كل منهما بنفسه فيه، وفي لحظة كانا يجدفان في قوة عارمة نحو الشاطئ المقابل ويلتقط الأرنب أنفاسه مطمئنا حتى إذا وصل القارب إلى الشاطئ يقفز منه هاربا.
ومع ذلك فالأرنب ليس بالذي ينسى الأذى، لقد أقسم أن ينتقم من أولئك الذين ابوا أن يحملوه إلى الشاطئ الأخر، فلذلك فهو ينطلق باحثا عن الأسد فيلقاه مستقرا في كهفه غير راض عن نفسه في مسكنه الجديد فيقول له:
_ إنني في الواقع مسرور إذ أراك وقد نجوت في سلام من النيران.
ويزمجر الأسد إذ يستشعر شيئا من الاضطراب حين يرى الأرنب يشير إلى هذا الأمر.. ويقول:
(شكرا لك).
ويواصل الأرنب الحديث:
_ لقد هربت في شيء كثير من الدعة والاطمئنان.. إن رجلا كريما حملني في قاربه.. إنه بالطبع لعسير أن يستقر بالمرء المقام في مكان جدي، ولكن ماذا يفعل؟ إن النار إن لم تكن قد أتت على الدار القديمة فإن اللصوص لابد آخذوا كل شيء فيها.
ويزمجر الأسد أريد أن أرى لصا يسرق شيئا من متاعي. 
ويرد الأرنب في دهشة: ولكن واحدا فعل ذلك أفلا تعلم؟
_ ماذا تعني؟
_لقد مررت بالكهف القديم الذي كنت تأوي إليه والذي تركته في اليوم الذي اندلعت فيه النيران فوجدت الفيل قد دمره تدميرا كاملا.
وتميد الأرض تحت أقدام الأسد من زئيره.
_ حسنا.. أسف إذ أسبب لك هذا الاضطراب.. إنني واثق مما أقول لو كنت مثلك ما فكرت في الأمر أكثر من ذلك.. ومع ذلك فليس في وسعك أن تفعل شيئا
_ ها.. صحيح لا شيء؟ 
ويجلس الأسد مفكرا بينما يسر الأرنب سرورا شديدا من نفسه.. ثم ينطلق باحثا عن الفيل فيجده تحت شجرة ضخمة ظليلة فيعلن قائلا:
_ها.. هكذا لم تتحرك.
ويتساءل الفيل ماذا تعني من كلمة (تتحرك)إنني هنا من أيام منذ شبت النيران.
فيقول الأرنب:
_ اعلم.. ولكنني سمعت الفهد يقول إنه ليس من الإنصاف أن تتخذ لنفسك هذه الشجرة مكانا تنام تحته لأنها المكان الملائم الذي يريد هو وأنه إذا حاول النوم من فوق رأسك فإن شخيرك سوف يسهده.. لقد فهمت أنه سوف يطلب منك أن تترك المكان له.
ويدق الفيل المكان دقا شديدا ثم يقول:
_ حقا يا لوقاحته بالتأكيد سوف لن أتركه.
وينطلق الأرنب باحثا عن الفهد.
_أخشى أنك تعيش وقتا حرجا هنا.
ويرد الفهد موافقا:
_ إن الصيد هنا ليس جيدا ليس جيدا وإنني أتوقع أن يظل كذلك لأن المكان جديد بالنسبة لي فأن تعودت عليه فقد تتحسن الأمور.
_أخشى ألا يكون كذلك.. أعرف أن الكلب المتوحش مصمم على أن يقتلك جوعا فيخلو له المكان.. إنه يفزع جميع الحيوانات التي لا يصطادها لنفسه.. لقد شاهدته هذا الصباح يطارد قطيعا من الغزلان.
ويشتد غضب الفهد حين يسمع ذلك فيقول متحديا: 
_ سوف أعلمه.. انتظر لترى ما أنا فاعل به.
وفي نهاية اليوم تشب المعارك.. فالأسد يبحث عن الفيل وينقض عليه ويوشك الفيل أن يخنق الأسد وينطلق بحثا عن الفهد وينطلق باحثا عن الفهد ويوشك أن يخنقه أيضا ويهرب الفهد فيقابل الكلب الوحشي فينقض عليه ويوشك أن يقتله. 
من هذا اليوم فإن كل حيوان _بسبب خبث الأرنب وسوء طويته_ لم يعد على وئام مع غيره من سائر الحيوانات، فالفيلة تعرف دائما الوقت الذي يكون فيه الأسد مقيما في الأماكن المجاورة لها فتحس شيئا من عدم الطمأنينة وتهاجم الفهود والفيلة أو أي حيوان أخر لهذا السبب، ويخشى الكلب الوحشي أن يهاجمه حيوان أكبر منه حجما فهو لا يثق بأحد.
إن الأرنب وحده هو الذي يعرف حقيقة الآمر مازال يتظاهر بانه صديق للجميع.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


*. الحسيني, د. الحسيني معّدى, الاساطير الافريقية ,ط2, 2014م :ص163.


__________________________________________


إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثاني من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
20/07/2019
العدد الثاني من مجلتي الافريقية

المجلة