زعيم إفريقي في حوار قرآني

19/06/2019


 


 


 


م.م معتز محمد الكنعاني


كان فراعنة مصر و ما يزالون محلاً للبحث والدراسة, ولم يخل القرآن الكريم من التعرض إلى ذكرهم؛ لما في ذلك من العبرة والموعظة في قصصهم, حتى أن بعض القصص قد تكرر ذكرها مع اختلاف لحاظ القصة والهدف منها.


ومع ذلك لم تكتشف كل أسرارهم, بل إن بعض أهم ما يتعلّق بهم بقي محلاً للخلاف, مثل اسم أحد الفراعنة, فقد "حاول كثيرون من الباحثين تحديد اسم حاكم مصر الذي عاصر سيدنا موسى (عليه السلام) وجنسيته, وقد اختلفوا فيما بينهم اختلافاً بيناً, حتى ما إذا أكّد فريق منهم اسم هذا الحاكم وجنسيته وعصره وقدّم الأدلة التي تؤيد وجهة نظره قام فريق آخر منهم بنبذ وهدم هذه الأدلة رأساً على عقب"[1].


ورغم ما ذكره القرآن الكريم من حوادث , إلّا أنه لم يتعرّض لكل التفاصيل بطبيعة الحال؛ لأن العبرة تقتضي الاقتصار على المهم الذي يتوقف عليه ذكر القصة, ومن جهة أخرى نجد أن التوراة تتعرّض لذكر بعض تلك الحوادث أيضاً, ولكن لا يمكن الركون لما تذكره التوراة؛ لأن التحريف قد وقع فيها فعلاً, ويؤكد القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون}[2].


ومما ذكره القرآن الكريم الحوار الذي دار بين موسى وهارون عليهما السلام من جهة, وفرعون وملأه من جهة أخرى, وهو حوار في غاية الروعة بين أنبياء لله تعالى وملك إفريقي بسط سلطانه على مساحات واسعة, ولم يقف ذلك حائلاً دون أن يصدع داعي الله بالحق المبين في حضور كبار الشخصيات من آل فرعون, إذ اعترض فرعون على نبي الله موسى عليه السلام قائلاً {ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين, وفعلت فعلتك التي فعلت, وأنت من الكافرين}[3], فأجاب نبي الله موسى عليه السلام {... فعلتها إذاً وإنا من الضالين, ففرت منكم لمّا خفتكم, فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين}[4], دفع بهذا الكلام كلام فرعون, ولم يدّخر وأخيه هارون وسعاً من تبليغ الرسالة بلسان صريح ومنهج قويم وقول ليّن, متحدثان إلى فرعون {إنّا رسولا ربك فأرسل معنا بني اسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبّع الهدى}[5], فلم يكن أمام فرعون إلّا الانخراط في التحدث عن صلب الموضوع وعدم الحديث عن ملفات جانبية, فسأل فرعون نبي الله موسى عليه السلام {... فمن ربكما يا موسى}[6], فأجاب النبي موسى عليه السلام {... ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}[7], وأضاف {... ربّ السماوات والأرض إن كنتم موقنين}[8].


 وهنا يحاول فرعون إثارة إنكار الملأ من حوله بقوله {... ألا تسمعون}[9], فيستمر النبي موسى عليه السلام بتبليغ الرسالة ولا يتوقف ولا تهزّه إثارات فرعون متوكلاً على الله سبحانه, فيقول {... ربكم وربّ آبائكم الأولين}[10], وهنا اتضح من بيان موسى عليه السلام أن الإله الذي يدعوهم إلى عبادته خالق كل شيء, فهو خالق السموات والأرض وخالقهم وخالق آبائهم, وهذا مما لا يمكن لفرعون أن يدّعيه, وبيّن أن الخالق ليس من البشر, بينما فرعون بشر يأكل ويشرب وينام, وهو مما لا يمكن لفرعون إنكاره, فأصبح في موقف حرج للغاية, فلم يبقى أمام فرعون إلّا أن يتهم موسى عليه السلام بالجنون, فقال {... إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون}[11], فأصرّ موسى عليه السلام على متابعة حديثه قائلاً {... رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون}[12], ولم يبقى أمام فرعون سوى الجحود, فقال {... ما علمت لكم من إله غيري}[13], والتهديد بالسجن والاضطهاد خروجاً عن روح الحوار العقدي, إذ قال {... لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين}[14], هنا كاد الحوار أن ينتهي مع التهديد والوعيد الفرعوني, لكن موسى عليه السلام عرض القاء حجة بيّنة تدعم صحة قوله جاذباً الحديث من التهديد والوعيد إلى الجدل بالحق والبرهان المبين, فقال {... أولوا جئتك بشيء مبين}[15], فأضطر فرعون إلى الرضوخ للبرهان, فــــ {قال فأت به إن كنت من الصادقين}[16], فلم يتردد النبي موسى عليه السلام ولم يتأخر {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين}[17].


لقد كان وقع رؤية آية النبوة ثقيلاً على الملأ حين شاهدوا العصا وهي تتحول إلى ثعبان ثم تعود العصا كما كانت, زد على ذلك اليد البيضاء, فأذعنوا لعدم طبيعية المشهد ونسبوا ما شاهدوا إلى السحر, ولمّا لم تكن معجزة النبي عليه السلام مما يأتي به السَّحرة وصفوا النبي بـ(الساحر العظيم), وهو تعبير يدل على شدة وقع المعجزة عليهم وتحاشيهم إثارة حفيظة الفرعون فيما لو اعترفوا بصدق دعوى النبوة.


كان ما تقدّم جزء من حوار نقله القرآن الكريم بين نبي من أنبياء الله عليهم السلام وزعيم إفريقي إتصف بالعلو والتكبر وادعاء الربوبية, فأفحمه نبي الله عليه السلام بالمعجزات, وأمن بعض الناس فاتبعوه فأنجاهم من كيد فرعون, وأغرق فرعون وجعله عبرة للطغاة لعلهم يرجعون.


 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] - د.محمد راشد, ملوك مصر القديمة من عهد ابراهيم ع حتى عهد موسى ع, دار الكتاب العربي, دمشق القاهرة, الطبعة الأولى, 2012: 5.


[2] - البقرة: 79.


[3] - الشعراء: 18-19.


[4] - البقرة: 20-21.


[5] - طه: 47.


[6] - طه: 49.


[7] - طه: 50.


[8] - الشعراء: 24.


[9] - الشعراء: 25.


[10] - الشعراء: 26.


[11] - الشعراء: 24-26..


[12] - الشعراء: 28.


[13] - القصص: 38.


[14] - الشعراء: 29.


[15] - الشعراء: 30.


[16] - الشعراء: 31.


[17] - الشعراء: 32-33.

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثاني من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
20/07/2019
العدد الثاني من مجلتي الافريقية

المجلة