بسمارك في إفريقيا

12/06/2019


بقلم الباحث : عباس عطية القريشي


 


       يبدأ تأريخ إفريقيا الحديث بالجهود الأوربية لكشف ما في القارة الإفريقية, وتبع تلك الجهود التدافع والتنافس الأوربي على بسط النفوذ, والحصول على الموارد, واستعباد السكّان, ولم تكن ألمانيا بمنأى عن ذلك التكالب المحموم الموسوم بفظاعة التطلع للاستعباد.


       فقد نشطت البعثات الألمانية إلى إفريقيا منذ القرن السابع عشر, ولم تقتصر على التبشير فقط, إذ تضمنت الكشف الجغرافي والتجاري والمغامرة, وخلال نفس القرن أسس بعض أصحاب رؤوس المال في هامبرغ (Hamburg) شركة ذات نشاط كبير مع ساحل إفريقيا الغربي, لكن النشاط الألماني عموماً لم يقتصر على غرب قارة إفريقيا, فقد كان لبعض الأسر في (Hanover) نشاط كشفي في الساحل الشرقي أيضاً, وأخذ الكتّاب الألمان يشيرون بصراحة إلى ضرورة وجود مستعمرات ألمانية في إفريقيا؛ لتسويق المنتجات الألمانية, كما هو حال سائر الدول الاوربية[1]. 


       وفي عام 1878م أنشئت (الجمعية الألمانية للدراسات الإفريقية) في برلين وكان لهذه الجمعية نشاط كشفي كبير في إفريقيا[2], والملاحظ أن نشاط الألمان كان جلّه معتمداً على الرأسماليين وكبار التجار, ورجال الدين البروتستانت المبعوثين للتبشير, والمكتشفين, ولم يكن على نفقة الحكومة الألمانية, فالزعيم بسمارك الألماني ظل معارضاً للسياسة الاستعمارية, وبقي على هذه الحال زمنا طويلاً بهدف تجنيب ألمانيا المشاكل الناتجة عن الاستعمار.


        ولكن سرعان ما تغيّر الوضع في ألمانيا بسرعة تدعو للدهشة, إذ اندفع الألمان بما في ذلك الحكومة في تيار الاستعمار في إفريقيا حتى كونت إمبراطوريتها في ربوع القارة خلال سنة واحدة؛ وذلك لعدة أسباب دعت بسمارك إلى تغيير رأيه, منها:



  • Ø قوة الرأي العام الألماني ممثلاً في التجار ورجال المال وبعثات التبشير الديني, فقد اشترك كل هؤلاء في النشاط الابتدائي الذي كان سائداً آنذاك, وكانت نتيجته مجموعة بروتوكولات تأسست عليها حقوقاً! للدول المستعمرة ولرعاياها ولشركاتها في البلاد الإفريقية.

  • Ø الحاجة إلى المواد الخام والأسواق وحل أزمة البطالة, فالتقدم السريع في الصناعة الألمانية نتج عنه تراكم المصنوعات, وانخفاض أثمانها, ومن ثم انخفاض الأجور, فأتجه التفكير إلى ضرورة الحصول على المستعمرات لحل الأزمة.

  • Ø الوضع السياسي في ألمانيا ذاتها, فقد كانت الحركة الاشتراكية بدأت بالانتشار في ألمانيا, وظهر عدد من الفلاسفة الألمان من أمثال كارل ماركس, الذين تبنوا مبادئ الاشتراكية ودافعوا عنها, وخشيت الحكومة انتشار هذه الحركات, ورأت أن الانفتاح على الاستعمار يوجه الأنظار إلى الخارج بدلاً من التركيز على المشاكل الداخلية التي قد تؤدي إلى الاصطدام بين الطبقات, كما أن الاستعمار قد يفتح أبواب العمل ويحدّ من المشاكل الاقتصادية[3].

  • Ø وحدة ألمانيا الداخلية دعت إلى التوسع الخارجي, فبعد أن قام الاتحاد الألماني, كان لابدّ من حل المشاكل الداخلية فيها, وذلك بتوجيه النظر إلى الخارج, وبهذا الصدد يقول شارل لوكاس "لقد ثبت تأريخياً صحة النظرية القائلة بأن الوحدة في الداخل كان يتبعها التوسع في الخارج" “Unity at Home is Followed by expansion abroad” [4]

  • Ø نزعة هجرة الشباب الألماني إلى الخارجي كانت قد تزايدت آنذاك إلى عدة وجهات منها الولايات المتحدة الأمريكية, وكندا واستراليا, وقد قدّر عدد المهاجرين بين 1820م-1870م نحو (2750000) أي مليونين وثلاثة أرباع المليون, فتنبّهت الحكومة الألمانية لمشكلة الهجرة وتداعياتها التي ستلقي بضلالها على المستقبل القريب, إذ ستفقد ألمانيا شبابها وقواها العاملة فيما تنتفع دول أخرى, فكان الحل يتمثل بإيجاد أراض تعود لألمانيا يهاجر إليها الشباب ولا يفقدون صلتهم ببلدهم, تلك الأراضي هي المستعمرات الألمانية في قارة إفريقيا.

  • Ø أدّت السياسة الاستعمارية إلى التكالب الاستعماري الأوربي على القارة, فأسرعت كل دولة تأخذ نصيبها من إفريقيا, وهكذا فعلت ألمانيا بقيادة بسمارك.


       كانت الأسباب المتقدمة هي أبرز دوافع ألمانيا لاستعمار إفريقيا بعد كانت قد امتنعت عن مثل هذه الخطوة من قبل, ونتيجة لإقبال ألمانيا على مشروع الاستعمار الذي تدافعت من أجله أوربا وقعت عدة مناطق إفريقيا تحت السيطرة الألمانية منها أجزاء من جنوب غرب إفريقيا كناميبيا, زد على ذلك توجو والكاميرون الواقعتين في وسط غرب القارة, كما هيمنت ألمانيا على أجزاء من شرق القارة وتحديداً تنزانيا[5].


 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] - ينظر: أ.د.الجمل, شوقي عطا الله وآخرون, تأريخ إفريقيا الحديث والمعاصر, المكتب المصري للمطبوعات,2013م: ص227.


[2] -  Taylor, A ;Germany’s First Bid for Colonies (London 1938) p.5.


[3] - ينظر: أ.د.الجمل, شوقي عطا الله وآخرون, تأريخ إفريقيا الحديث والمعاصر: ص229.


[4] - Lucas, Charles; The Parition and Colonization of of Africa (Oxford 199)p.78.


[5] - ينظر: أ.د.الجمل, شوقي عطا الله وآخرون, تأريخ إفريقيا الحديث والمعاصر: ص230-233.

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الاول من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
15/06/2019
العدد الاول من مجلتي الافريقية

المجلة