تعدد الزوجات في افريقيا

18/03/2019

 


بقلم الباحث : م.م معتز محمد الكنعاني


       ما إن يترك المسلمون شيئاً من دينهم حتى يعود عليهم ذلك الترك بالويل والثبور, ولو أدركوا ذلك ما تركوا شيئاً منه كجائع يلحس قصعة طعام, لكنهم وإن أدركتهم الويلات وعرفوا خفايا المصيبات عكفوا بعيداً عن مصالحهم الكامنة في أحكام الإسلام, فوا أسفاه, تراهم ينظرون إلى اضمحلال ما في أيديهم من منافع عاد بها الإسلام إليهم, ولا يبادرون إلى التدارك.



       هكذا هي الحال عندما تخلوا عن تعدد الزوجات, فالنساء العوانس يتزايدن سنة بعد أخرى زيادة تنذر بخطورة انهيار الأمن الأخلاقي والصحة النفسية في المجتمع, فقد أشارت دراسة هولندية 2013م إلى أن البلدان العربية تعاني ارتفاعاً في معدلات العنوسة لدرجة قد تصل 85% في لبنان, و75% الإمارات, و70% في العراق وسوريا, بينما تحظى فلسطين بالنسبة الأقل عربيا وهي 8%, فإن كنتِ ترغبين بالزواج فما عليك إلّا أن تكوني فلسطينية .



       أما بالنسبة لإفريقيا العربية فالتونسيات يتصدرن أعلى نسبة للعنوسة إذ بلغت 62% , ثم تليهن الجزائريات بواقع 50% من النساء عوانس , ثم المغرب 40%,هذا من جهة ملاحظة النسبة, اما إذا لاحظنا العدد فالمصريات يتربعن على عرش العنوسة مشكّلاتٍ مجتمعاً يبلغ ثمانية ملايين عانس, ثم الجزائر إذ فيها(5.5) مليون عانس, ثم المغرب التي فيها (4) مليون عانس, بهذا العدد الضخم قد يستطعن انتخاب من توصل أصواتهن للبرلمان فيشرّع لهن من القوانين ما يحل المشكلة رغم أنوف من يتنكرّن لتعدد الزوجات من النساء على الرغم من كونهن مسلمات ويؤمن بما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا)[1], ورغم شرعية تعدد الزوجات في الإسلام وتيسّر الحل لمشكلة العنوسة من خلالها, نجد القانون الوضعي يستبعد الحلول الإسلامية, ولا يأتي ببديل, بل نجد بعض البلدان تفرض على الرجال الراغبين بالزواج من امرأة أخرى أن يحصلوا على موافقة الزوجة الأولى!.



       ففي السودان بعد ما بلغ السيل الزبى تمخّض الجبل فدعت الحكومة الرجال إلى تعدد الزوجات لمواجهة مشكلة العنوسة, فهل من مجيب لهذا النداء السوداني! في ظل أزمة اقتصادية ثقيلة على كاهل السودانيين, ينوء بحملها من عَرَك الحياة فكيف بمن شبَّ وأظفاره لمّا تشتدّ, وعوده لم يزل أخضر, أيقوى على تحمل مسؤولية تعدد الزوجات وخصوصاً الجانب الاقتصادي ؟!, إنه مجرّد سؤال كثيراً ما يتردد؛ للفت النظر إلى جوهرية مشكلة العزوف عن تعدد الزوجات وهي العامل الاقتصادي, لكن جواب سؤالنا نجده في إفريقيا.


       ففي وسط وجنوب إفريقيا تنتشر ظاهرة تعدد الزوجات بين المسلمين والمسيحين وغيرهم عدا الكاثوليك, وفي كينيا تعدد الزوجات أمراً طبيعياً جداً, لكن القانون كان يفرض على الرجال الحصول على الأذن من الزوجة للسماح له بالزواج من امرأة أخرى, ثم جرى تعديلاً ألغى هذا الشرط, على الرغم من معارضة نسائية في البرلمان عجزت عن الوقوف ضد التعديل لكثرة الرجال المصوّتين لصالح التعديل, وقد صرّح النائب المسيحي صامويل تشيبكونغ الذي اقترح التعديل "إنه عندما تتزوج المرأة وفقاً للقانون العرفي، فإنها على دراية بأن الزواج قابل للتعدد، وعلى هذا لا داعي للتشاور معها، حسبما قالت صحيفة ديلي نيشن الكينية, ووافق محمد جنيد، عضو البرلمان عن دائرة نيانزا الغربية، على هذا الرأي" , ونقلت الصحيفة عن جنيد قوله "عندما تتزوج امرأة افريقية، يجب أن تعلم أن الزوجة الثانية في الطريق وستلحق بها الثالثة...انها افريقيا"[1].


       من الواضح جداً في كلام محمد جنيد أنه يشير إلى تقليد افريقي عريق متأصل في القارة يسمح بتعدد الزوجات من دون انتظار أذن السابقة؛ لأن اللاحقة ستأتي لا محالة, وهي تعلم بذلك منذ زواجها, وأصالة هذا التقليد وقدمه رغم ما كانت تمرّ به شعوب افريقيا من شظف العيش وقساوة الحياة يشير إلى عدم إعاقة هذا التقليد لينتقل من جيل إلى جيل, فلو كانت ظروف المعيشة الصعبة تحول دون تعدد الزوجات لما استمر هذا التقليد منذ آلاف السنين في افريقيا حتى يومنا هذا, وحيث ما وجد تعدد الزوجات انخفضت العنوسة إلى حد التلاشي تماماً كما هو الحال في وسط وجنوب إفريقيا, وإن انخفض معدّل تعدد الزوجات زاد معدّل العنوسة كما هو الحال في شمال إفريقيا كالبلدان العربية, فالعلاقة عكسية بين انتشار ظاهرة تعدد الزوجات وظاهرة العنوسة.


       وتزداد العلاقة العكسية وضوحاً في جنوب أفريقيا حيث يذهبون إلى أن أربع نساء أفضل من واحدة لذلك ينتشر تعدد الزوجات بينهم, وتساعد على ذلك قوانين البلد الداعمة للتعدد؛ لكونه تقليد قديم منتشر في البلاد على نطاق واسع, حيث يقدّر عدد الأُسر المطبقة لتعدد الزوجات بمئات الآلاف, وخاصة بين قبائل الزولو ذات التجمع السكاني الأضخم في العالم, إذ يبلغ (11) مليون نسمة معظمهم في الريف بولاية كوازولو – ناتال الواقعة في جنوب البلاد.


       ورغم رفض الكاثوليك لتعدد الزوجات حيثما كانوا في إفريقيا أو أوربا, لكن معظمهم متعددي النساء بسبب العلاقات الواقعة خارج إطار الزواج, فحجتهم داحضة لكونهم لم يكتفوا غالباً بامرأة واحدة.


        وكما تحدث الجنيد عن أصالة تعدد الزوجات في افريقيا معبراً "إنها إفريقيا" ليكن "هكذا المسلمون" متعددو الزوجات حيثما كانوا من بقاع الأرض ولا يسبقهم غيرهم إلى تشريعات الإسلام التي ما كانت لولا أنها تعود بالنفع عليهم أفراداً ومجتمعات, وأول مستفيد من هذا التشريع المرأة قبل الرجل؛ لأنها ستكون زوجة بدلاً من كونها "عانس".


_______________


1- سورة النساء:3.


2- http://www.bbc.com/arabic/worldnews/2014/03/140321_kenya_polygamy_law

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الاول من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
15/06/2019
العدد الاول من مجلتي الافريقية

المجلة