حلم إفريقي

07/06/2020

 


معتز محمد الكنعاني


 


     كثيرة هي احلام الأمم , ولكنها تختلف وتتفاوت في قيمتها ونضجها, فمنها ما يقف عند حدٍ مادّي كالرفاه الاقتصادي في الحلم الأمريكي, ومنها ما هو أرقى من ذلك كحلم الأفريقي الأصل (مارتن لوثر كنغ) الذي حلم بزوال العنصرية في معاملة أصحب البشرة السمراء, فيغدو الأسود والأبيض في ميزان واحد في التعليم والتداوي ووسائل النقل والعقوبات.


     ولم ينبثق حلم زوال العنصرية من فراغ, بل جاء نتيجة معاناة من المعاملة العنصرية القاسية على مرّ قرون مضت, وأقسى ما كانت عليه خلال استعمار اوربا للقارة الإفريقية مما أدى إلى استعباد مئات الآلاف من الافارقة الذين تكاثروا –فيما بعد- في البلدان الأجنبية, وعملوا فيها ودافعوا عنها في حروبها جيلاً بعد جيل, ولكنهم لا يزالون يعانون من التمييز العنصري الذي لا يلبث أن يفارق مخيلتهم عندما يواجهون سوء المعاملة؛ لذلك قال مارتن (لدي حلم بأن أطفالي سيعيشون يوما ما في دولة لا يُحكم عليهم فيها على أساس لون بشرتهم، وإنما شخصهم وأفعالهم، وأن تشتبك أيادي أبناء السود مع البيض ويمشون معا إخوة وأخوات), فقد تحدث عن حلمه وكرر عبارة "الحلم" أكثر من مرة حتى سميت تلك الخطبة التي القاها في آب من عام 1963م بــ(عندي حلم)[1].


     ومما جاء في خطبته "إن روح النضالِ الجديدة والرائعة ، والتي تشبّع بها مجتمعُ السود ، لا يجبُ أن تقودنا إلى الارتيابِ في جميع البيض ؛ لأن العديد من إخواننا البيض ، كما دلّ على هذا وجودهم اليوم بيننا ، أدركوا أن قدرهم مقيّدٌ بقدرنا ، وحرّيتهم هي رابطٌ لا يقبل الإنفصام عن حريّتنا . فنحنُ لا يمكننا أن نمضي وحدنا "


     وقد مضى – بالفعل – البيض إلى جنب إخوتهم السود مطالبين بإزالة العنصرية , كلٌ من موقعه, لقد مضوا كتفاً إلى كتف, ويداً بيد, رافعين أصواتهم في سبيل تحقيق العدل والمساواة, وساعين لتحقيق "حلم" وأمنية راودت الملايين من الناس.


 


  


     فهل تحقق حلم "مارتن" اليوم أم لا يزال ما تمنّاه حلماً ؟!, والجواب واضح عند ادنى تأمل, فلماذا لم تختفي العنصرية في عالم ينادي بحقوق الإنسان كل يوم!, إنها الأسس الفكرية المادية للعالم الغربي تأبى ذلك, فما يقوم على المادية لا يمكن أن يثمن قيم الانسانية ويجنح للتعامل الأخلاقي بعد أن أسس أساساً يعتمد على المادية, بينما لو كان حجر الأساس للفكر السائد في العالم اليوم المبادئ والقيم الأخلاقية لكانت العنصرية في خبر كان.


      ولك ان تتخيل التفرقة بين السيد والعبد قبل الإسلام, ولكن ما ان جاءت البيانات الشرعية الداعية للعدل والمساواة اختفت العنصرية وتلاشى التمييز في المجتمع الإسلامي خلال فترة قصيرة عندما سمعوا: قوله تعالى (إن أكرمكم عند الله اتقاكم) , وسمعوا النبي الأكرم (صلى الله عليه وسلّم) "لا فضل لعربي على أعجمي إلّا بالتقوى", وطرق أسماعهم قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام "الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق", وغيرها الكثير من النصوص , فتبدد ظلام التمييز العنصري, وحلّ نور التسامح والمودة والألفة.


ولعل من المظاهر التي تكشف عن روح المساواة التي سادت بين المسلمين خلال تلك الفترة القصيرة من حياة النبي (ص) بين من آمن به  هو إرتقاء المؤذن الإفريقي الأصل (بلال بن رباح) الكعبة الشريفة بأمر النبي (ص), ورفع صوته بالأذان صادحاً بكلمات الإسلام التي غيرت أجزاءً من هذا العالم وستغيّر الباقي منه حتى يعم العدل والقسط بدل الظلمِ والجور.


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1]  https://arabic.rt.com/society/935727-%D8%AD%D9%84%D9%85-%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%86-%D9%84%D9%88%D8%AB%D8%B1-%D9%83%D9%8A%D9%86%D8%BA-%D9%8A%D9%84%D9%87%D9%85-%D8%AD%D9%81%D9%8A%D8%AF%D8%AA%D9%87-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-50-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84%D9%87/

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الرابع من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
08/07/2020
العدد الرابع من مجلتي الافريقية

المجلة