مزارات آل البيت (عليهم السلام) في مصر

19/03/2020


معتز محمد  الكنعاني


     يحتفي العقلاء في كل العالم بعظماء أممهم لاسيما الذين أحدثوا تغييراً إيجابياً  يمتاز على مرّ العصور ويشار إليه بالبنان, ولو عدّ اولئك المغيرون كان على رأسهم النبي محمد صلى الله عليه وآله, إذ بُعث ليتمم مكارم الأخلاق, ومن بعده آل بيته الكرام عليهم السلام الذين جسدوا الفضائل بسلوكهم, فنجد المسلمين وغيرهم يذكرونهم بالتبجيل والتعظيم لأثرهم وسيرتهم الاخلاقية العطرة, وسماحة أخلاقهم, وكرمهم وحسن معاملتهم للناس, فلا تجد رجلاً قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وآله- ((علي مع الحق والحق مع علي اللهم أدر الحق معه حيث دار)) إلّا امير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام), فقد عرفه الداني والقاصي بالعدل والإنصاف, لذا احتفى به القريب والبعيد ورددوا مقالته الشهيرة (الناس اما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)([1]), وهي كلمة تذيب التعصب وتزيل حواجز العنصرية, وتساهم في إيجاد إخاء عالمي وسط تلوّن ديني وطائفي وقومي وغير ذلك من أسباب التمييز في العالم.


     ولما كان لآل البيت (عليهم السلام) حظوة, ومكانة رفيعة ذات بعد قدسي عند اتباعهم, وإنساني وأخلاقي عند غيرهم, لا تجد انساناً عاقلاً في هذا العالم إلّا ويقف وقفة تبجيل واحترام لأل البيت النبوي (عليهم السلام)؛ ولأجل ذلك صارت لمراقدهم مكانة خاصة في نفوس المسلمين خصوصاً, ومحل احترام عند غيرهم أيضاً, فبنيت مراقدهم وفتحت أبوابها لزائريها الراجين استجابة الدعاء وقضاء الحوائج في بقاع ذكرت في السنة الشريفة بفضل زيارتها واستجابة الدعاء فيها, إذ جاء في الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله في سبطه الإمام الحسين الشهيد (عليه السلام) (الدعاء مجاب تحت قبته)([2]), فأقبلت الناس زرافات ووحدانا لزيارته تقرباً لله تعالى وتعميقاً لصلة المسلم بنبيه الأكرم وأهل بيته الميامين (عليهم السلام).


     ومن تلك المشاهد والعتبات ما نجده في مصر, ومنها مشهد رأس الحسين عليه السلام, وبعيداً عن الاستغراق في تحقيق موضع الرأس الشريف, نجد أن هناك طائفة من المصادر التي صنعت يقيناً لدى المصريين بكون الرأس الشريف في مصر, فعكفوا على عمارة المشهد الشريف, وهرعوا إلى زيارته.


     وتذكر بعض المصادر فداء رأس الحسين عليه السلام بأموال طائلة لما غلب الفرنج على عسقلان, إذ دفع الوزير الفاطمي الصالح طلائع بن رزيق المال مقابل الحصول على الرأس الشريف, ووضعه في كيس حرير أخضر على كرسي من الأبنوس وفرش تحته المسك والطيب, وبنى عليه المشهد الحسيني المعروف بالقاهرة, وقيل أنه دفن بالبقيع عند قبر امّه وأخيه الحسن, وذهب الشيعة الإمامية إلى أن الرأس الشريف أعيد إلى كربلاء ودفن فيها مع الجسد الشريف, بينما يذهب القرطبي الثاني, والصوفية إلى أن الرأس الشريف في القاهرة([3]).


     ومن عتبات آل البيت عليهم السلام في مصر المرقد المنسوب للسيدة زينب بنت علي بن أبي طالب (عليهما السلام), وهو مرقد يحظى باحترام وتقديس المصريين, ويقصد للزيارة والتضرع إلى الله تعالى لقضاء الحوائج وكشف الكربات, فالمسلمون يجمعون على فضل مولاتنا زينب لمكانتها وعظم شأنها وجلالة نسبها, فأمّها سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام, وأبوها امير المؤمنين ووصي رسول الله (صلى الله عليهما وآلهما), وأخويها الإمامين الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة (عليهما السلام).


     يقع جامع السيدة زينب عليها السلام, في ميدان يعرف بإسمها, وكان يعرف قبل ذلك باسم (قنطرة السباع) نسبة إلى نقش السباع الموجودة على القنطرة التي كانت مقامة على الخليج الذي كان يخرج من النيل عند فم الخليج وينتهي عند السويس, وفي عام 1898م تم ردم الجزء الأوسط من الخليج, فاختفت القناطر وتم توسيع الميدان, وأطلق على الميدان والحي كله اسم عقيلة بني هاشم, وقد جرت عمليات تجديد الجامع وواجهته أكثر من مرة, منها على يد الوالي العثماني علي باشا 1768م, ثم أعاد تجديده الأمير عبد الرحمن كتخدا عام 1768م, وفي عام 1940م أقامت وزارة الأوقاف المسجد الموجود حالياً([4]).


     وقد أورد الشيخ جعفر النقدي في كتبه زينب الكبرى أنه أجريت عمارة على المشهد في القرن السادس الهجري أيام الملك العادل بن أيوب, وظل المشهد على هذه العمارة إلى القرن العاشر الهجري عندما أهتم بعمارته وتشييده السلطان خان بن السلطان سليم سنة 956هـ/ 1549م وألحق به مسجداً, وفي سنة 1174هـ/ 1760م أعاد بناءه وشيّد أركانه الأمير عبد الرحمن كتخدا, وأنشأ به ساقية وحوضاً وألحق به أيضاً مقام الشيخ محمد العتريس, ثم جددت المقصورة الشريفة من النحاس الأصفر سنة 1210هـ/ 1795م ونقش على بابها (يا سيدة زينب ابنة فاطمة الزهراء مددك 1210هـ)([5]).


     ومن المراقد التي يفزع إليها المصريون لطلب حوائجهم بالدعاء ومناجاة الباري عزّ وجلّ مرقد السيدة نفيسة ابنة الحسن الأنور بن زيد الأبلج ابن الإمام الحسن بن الإمام علي (عليهما ال  سلام) ابن أبي طالب, المولودة في مكة المكرمة عام 145هـ ونشأت بها, صحبها أبوها إلى المدينة المنورة فتعلمت الحديث والفقه, ولقبها الناس بـ (نفيسة العلم), وتزوجت اسحاق بن الإمام جعفر الصادق عام 161هـ الذي أخذ الكثير من علوم أبيه وآدابه وأخلاقه حتى أصبح معروفاً بالعلم, وأنجبت له القاسم وأم كلثوم([6]).


     سكنت السيد نفيسة القاهرة عام 193هـ, وأقبل الناس يلتمسون منها العلم, حتى كادت تنشغل عن عبادتها, فخرجت على الناس قائلة (إني كنت قد اعتزمت المقام عندكم, غير إني امرأة ضعيفة, وقد تكاثر حولي الناس فشغلوني عن أورادي, وجمع زاد معادي, وقد زاد حنيني إلى روضة جدي المصطفى) ففزع الناس لقولها ورفضوا رحيلها, حتى تدخّل والي مصر وقال لها: (يا أبنة رسول الله, إني كفيل بإزالة ما تشكِين منه), ووهبها داراً واسعة, ثم حدد يومين في الأسبوع يزورها الناس فيهما طلباً للعلم والنصيحة, لتتفرغ هي للعبادة بقية الأسبوع, فرضيت وبقيت في القاهرة, وهكذا عاشت في مصر معززة مكرّمة, يقتبس المصريون من علمها, وبعد وفاتها أراد زوجها أن ينقلها إلى المدينة المنوّرة ليدفنها هناك, ولكن أهل مصر تمسكوا بها, وطلبوا منه أن يدفنها عندهم في مصر([7]).


     وفي مصر مزارات أخرى يجلّها المصريون لانتسابها لآل البيت النبوي الشريف, منها مشهد يحيى الشبيه (263هـ/877م) بن القاسم الطيب بن محمد المأمون بن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام), لقّب بـ(الشبيه) لشبهه بالرسول صلى الله عليه وآله([8]), وقيل ان الملقّب بالشبيه هو أبوه (القاسم الطيّب) المعروف بأبي الأشراف, ولذريته مشاهد عديدة في القاهرة, منها مشهد ابنته (كلثم), ومشهد ابنيه الحسن والمحسن, ومشهد حفيده علي بن عبد الله([9]).


     ومن تلك المزارات التي يحتفي بها المصريون مرقد السيدة فاطمة بنت الإمام الحسين الملقبة بـ (النبوية), الواقع في زقاق يعرف باسمها بشارع السيدة فاطمة النبوية بالتبانة بالدرب الأحمر.


    وللإمام الحسين عليه السلام بنت أخرى في مصر هي السيدة سكينة, إذ يقع مشهدها بالقرب من مشهد السيدة نفيسة, وقد ذُكر أن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) خطب من عمّه الحسين إحدى ابنتيه فاطمة أو سكينة وقال اختر لي إحداهما, فقال (ع): اخترت لك ابنتي فاطمة فهي أكثرهما شبهاً بأمي فاطمة, وهي تقوم الليل كله وتصوم النهار وأما في الجمال فهي تشبه الحور العين, وأما سكينة فغالب عليها الأستغراق في الله تعالى([10]).



    وللإمام الصادق عليه السلام حفيدة يقع مشهدها بين مرقد الليث بن سعد والإمام الشافعي عن يسار الذاهب من ضريح الشافعي, وهي السيدة ام كلثوم بنت القاسم بن محمد بن جعفر الصادق بن محمد الباقر (عليهم السلام), وينقل عن المقريزي والشريف محمد بن أسعد الجواني في كتاب الجوهر المكنون في ذكر القبائل والبطون ذكروا ما مضمونه ان المشهد الذي يطلق عليه عامة الناس في مصر (مشهد سيدي زينهم) وهو الضريح الواقع في مسجد بحي السيدة زينب في شارع زين العابدين إنما هو قبر يضم رأس الشهيد زيد بن الإمام علي السجاد (زين العابدين) بن الإمام الحسين (عليه السلام) الذي استشهد بالكوفة([11]).


    وغير بعيد أن تكون هناك قبور ومزارات اخرى لأهل البيت عليهم السلام؛ بسبب ما تكبدوه من الظلم والضيم الذي اضطرهم لهجرة المدينة ومكة, والإقامة بين المصريين لما عرفوا به من حسن الضيافة لآل البيت عليهم السلام واحترامهم لذواتهم الشريفة, ورغبة في الثواب وطلباً للعلم.


 


([1]) جاء ذلك في رسالة وجهها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلى واليه على مصر (مالك بن الأشتر) التي جاء فيها (وأشعر قلبك الرحمة للرعية ، والمحبّة لهم ، واللطف بهم ، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم ، فإنّهم صنفان : إمّا أخ لك في الدين ، أو نظير لك في الخلق ، يفرط منهم الزلل ، وتعرض لهم العلل ، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطإ ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه ، فإنّك فوقهم ، ووالي الأمر عليك فوقك ، والله فوق من ولّاك , وقد استكفاك أمرهم ، وابتلاك بهم), نهج البلاغة.


([2]) أحمد بن فهد في عدة الداعي قال روي ان الله عوض الحسين عليه السلام من قتله أربع خصال جعل الشفاء في تربته وإجابة الدعاء تحت قبته والأئمة من ذريته وان لا تعد أيام زائريه من أعمارهم؛ وروى أيضاً في نفس المصدر عن الصادق عليه السلام من كانت له حاجة إلى الله عز وجل فليقف عند رأس الحسين عليه السلام وليقل يا أبا عبد الله أشهد انك تشهد مقامي وتسمع كلامي وانك حي عند ربك ترزق فاسئل ربك وربي في قضاء حوائجي فإنها تقضى انشاء الله تعالى.


([3]) ينظر: الشبلنجي, مؤمن بن حسن مؤمن, نور الأبصار في مناقب آل بيت, النبي المختار, المكتبة التوفيقية بالقاهرة, ص272.


([4]) ينظر: أهل البيت في مصر, د.سعاد ماهر, 209.


([5]) عمارة مشاهد آل البيت, مجلة العميد, السنة الثالثة, المجلّد الثالث, العدد الأول, جمادى الأولى 1435 هـ آذار 2014م, ص 133.


([6]) ينظر : المقريزي, الخطط, ج3,ص341.


([7]) ينظر: السخاوي, تحفة الأحباب, ص 258.


([8]) ينظر: ابن عثمان, مرشد الزوار إلى قبور الأبرار, ص418.


([9]) ينظر: محمد عبد الستار عثمان, عمارة المشاهد والقباب, ص91.


([10]) ينظر: فاروق عسكر, دليل مدينة القاهرة, ج3, ص79؛ وقريب منه ما ذكرفي: كشف الغمة في معرفة الأئمة, ابن أبي الفتح الأربلي, ج2, ص202.


([11]) ينظر: المقريزي, الخطط, ج3, ص119.

اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
الاسم
البريد
التعليق
ارسال

إعلان

تواصل معنا عبر

قناة اليوتيوب

مجلتي الأفريقية

العدد الثالث من مجلتي الافريقية
تاريخ الاضافة
30/01/2020
العدد الثالث من مجلتي الافريقية

المجلة