اخر التقارير


الطب التقليدي ودور السحر في العلاج في أفريقيا

تقرير: محمد عزالدين
باحث متخصص في الشأن الأفريقي/رئيس مؤسسة النيل للدراسات الافريقية والاستراتيجية
 ------------------------------------------


تعد قارة أفريقيا أغنى قارة من حيث تعدد الثقافات واللغات وهي أيضا قارة الاستشفاء والعلاج من الطبيعة ومواردها التي لم تبخل يوماً على الشعب الافريقي من خيراته لكن في نفس الوقت جعلت الانسان الأفريقي يعتقد في امور كثيرة هي تعتبر من التخلف في الدول المتقدمة او الدول الكبرى فالسحر والاستشفاء به والشعوذة وكذلك الاساطير التي تجعل بعض الاشخاص داخل القبائل زعماء لدرجة ترفعهم الى درجة المتصرفين في الكون اصبحت من الخرافات في هذه الدول المتقدمة ولكن في أفريقيا كل شيء ممكن وبالأخص عطاء الطبيعية والبيئة.
لو اهتم الانسان الافريقي بثقافته المحلية خاصة في العلاج والاستشفاء من الامراض من الممكن ان يتحول لأهم قارة في مجال العلاج والأدوية بشرط ان يضع هذه الامكانيات تحت المجهر ليقاس فعاليتها علمياً لكي يتحول الطب من التقاليد في محاربة الأمراض الأفريقية الى منهج حياة لكل القارة الافريقية ويمتد للقارات الاخرى لكي يستفيدوا من تجربة أفريقيا الرائدة ولكي نفهم هذا المجال لابد من تعريف الطب التقليدي ومجالاته في أفريقيا.

اولاً: الطب التقليدي وعلاقاته بالروحانيات في أفريقيا 
     الطب التقليدي الأفريقي يرتبط ارتباط وثيق بالأديان ومعتقدات القبيلة التي تمارسها فهناك قبائل حتى الان يعتقدون ان الامراض هو بفعل الارواح التي رحلت عن دنياهم مثل روح أحد شيوخ القبيلة او نسائها وكذلك هناك بعض القبائل تعتقد ان الجنين في بطن امه يوضع من خلال روح أحد الاقارب الذين ماتوا وبرغم ذلك هم يخلطون المعتقدات الدينية والطقوس بالسحر والأدوية الشعبية كالأعشاب،
 الطب التقليدي هو علم كامل يشتمل على الأعشاب الطبية والروحانيات الأفريقية، التي تشمل عادة العرافين، والقابلات.
و أطباء الأعشاب لهم احترامهم الكبير وذلك لانهم يمارسون مهنة يمتلكون من خلالها القدرة على علاج مختلف الحالات المتنوعة مثل السرطان والاضطرابات النفسية، وارتفاع ضغط الدم  والكوليرا، ومعظم الأمراض التناسلية، والصرع، والربو، والأكزيما, والحمى، والقلق، والاكتئاب، وتضخم البروستاتا الحميد، التهابات المسالك البولية، والنقرس، والجروح والحروق.
 
     لكن من المفارقات الغريبة ان من بين الدول الافريقية هناك بعض الدول قد تقدمت قليلاً في العلم ولكنها حتى الان تمارس الطب التقليدي أو العلاج بالروحانيات في بعض الامراض التي يستعصي علاجها مثال الامراض العصبية والنفسية وذلك بسبب انه يقال على المريض انه ممسوس او معمول له عمل او مسحور أفضل من ان يقال عليه مريض نفسي ومثال على ذلك يحدث في مصر خاصة في محافظات الصعيد.

ثانيا: طريقة التشخيص
      يتم التشخيص من خلال وسائل روحانية ثم يوصف العلاج الذي يتألف عادة من العلاج بالأعشاب التي ليس لديها قدرات الشفاء فقط، ولكن أيضا أهمية رمزية وروحية.
 يختلف الطب التقليدي الأفريقي، باعتقاده أن المرض لا يحدث صدفة، ولكن من خلال عدم التوازن الروحي أو الاجتماعي، كثيرا عن الطب الغربي، الذي يعتمد على الناحية الفنية والتحليلية. بالرغم من كوننا في القرن 21 إلا أن المستحضرات الصيدلانية الحديثة والإجراءات الطبية لا يمكن وصولها إلى أعداد كبيرة من الشعوب الأفريقية بسبب تكلفتها العالية نسبيا وتمركز المراكز الصحية في المراكز الحضرية. وقد اعترف الأطباء الممارسين الأفارقة في السنوات الأخيرة أن لديهم الكثير لتعلمه من الممارسات الطبية التقليدية.

ثالثا: كيف يستخدم السحر في العلاج التقليدي في أفريقيا
      يستخدم بعض المعالجين السحر، الطلاسم، أو تلاوة تعاويذ في العلاجات. وينظر أيضا للطبيعة الثنائية للطب التقليدي الأفريقي بين الجسد والروح والمادة والروح وتفاعلها مع بعضها البعض على أنها شكلا من أشكال السحر. ويعطي ريتشارد Onwuanibe شكلا من السحر اسم "Extra-Sensory-Trojection".   وهو عبارة عن اعتقاد بين قبائل آيبوس نيجيريا أن رجال الطب يمكنهم غرس شيء في شخص من مسافة بعيدة لإلحاق المرض به. وتشير إليه قبائل آيبوس على أنه egba ogwu.  لإزالة الكائن الخبيث، مطلوب عادة تدخل رجل الطب الثاني، الذي يزيله عن طريق شق في المريض. وتتضمن Egba ogwu عمليات نفسية حركية. شكل آخر من أشكال السحر التي يستخدمها هؤلاء الممارسين، وهي معروفة على نطاق أوسع، بسحر التعاطف، الذي يقدم فيه نموذجا للضحية (دمية الشعوذة). فما يتم تنفيذه من إجراءات على النموذج يتم نقله إلى الضحية، بطريقة مشابهة. "في الحالات التي تسبب فيها أرواح المتوفي المتاعب والمرض للأقارب يصف رجال الطب العلاج، وغالبا في شكل من أشكال التضحية الاسترضائية، وذلك لإراحتهم وحتى لا يسببوا أى مشكلة للحي، وخاصة الأطفال

استخدام السحر والتمائم لعلاج الأمراض والعلل هو ممارسة غير مؤكدة تتطلب المزيد من التحقيق العلمي.
 
     في الثقافات الأفريقية، يعتبر الشفاء فعلا من الأفعال الدينية. ولذلك، فإن عملية الشفاء في كثير من الأحيان تحاول التقرب إلى الله لأن الله في النهاية ليس فقط بإمكانه إلحاق المرض ولكن أيضا توفير العلاج. فلدى الأفارقة وجهة نظر دينية للعالم مما يجعلهم على بينة من جدوى التدخل الالهي أو الروح في الشفاء.
     العديد من المعالجين يشيرون إلى الله كمصدر للطاقة الطبية. على سبيل المثال يعتقد الشعب الكونغي في صحراء كالاهاري أن الاله العظيم Hishee خلق كل شيء، وبالتالي يسيطر على كل من المرض والموت. ومع ذلك يمنح Hishee قوى سحرية لعلاج المرض لبعض الرجال. حيث يقدم Hishee نفسه لرجال الطب في الأحلام والهلاوس ويمنحهم القوة العلاجية. ولأن هذا الأله كان سخيا بما يكفي لإعطاء القوة لرجال الطب، فمن المتوقع ممارستهم للطب مجانا. وللحصول على تأثير العلاج يقوم رجال الطب الكونغ بأداء رقصة قبلية لوما مارشال، التي قامت بحملات لأفريقيا الجنوبية الغربية مع عائلتها  لدراسة شعب الكونغ ، وألفت كتابين عن النتائج التي توصلت إليها، تصف رقصة علاج الاحتفالية على النحو التالي :
الرقصات قد لا تتم لعلاج المرضى فقط، ولكن لتحجيم الشر وتجنب سوء الحظ أيضا. يعتقد الكونغ أن الإله العظيم أرسل Gauwa أو gauwas في اي وقت لإيقاع السوء بشخص ما، وأن هذه الكائنات قد تكون كامنة تنتظر الفرصة لممارسة ذلك. يكافحهم رجال الطب في الرقصات، حتى يذهبوا بعيدا، ويحموا الناس. عادة ما يقوم بذلك العديد من رجال الطب في نفس الوقت. وللعلاج يذهبون في غيبوبة، تختلف في العمق مع تقدم سير الاحتفال... عندما يبدأ رجل، يترك صف الرجال الراقصون، وهو مازال يغني ثم يميل فوق الشخص الذي سيعالجه، ويذهب في نهاية المطاف إلى كل شخص حاضر، وحتى الرضع. يضع يدا واحدة على صدر الشخص، وواحدة على ظهره، ويرفرف بيديه ويعتقد الكونغ انه بهذه الطريقة يسحب المرض، الحقيقي أو المحتمل، من خلال ذراع الشخص ثم إلى نفسه... وأخيرا، يلقي رجل الطب ذراعه للتخلص من المرض، ويلقيه في الظلام مرة أخرى إلى Gauwa أو gauwas، وراء النار، مع القيثارة، والصياح "كاي كاي كاي".
     لم تقدم لوما مارشال أي معلومات عما إذا كانت الرقصة ناجحة في علاج المريض ولكنها تقول إنها عمليات تطهير لعواطف الشعب بسبب "الدعم والسلوان والامل."

ممارسي الطب التقليدي:
     لم يحصل كثير من ممارسي الطب التقليدي على تعليم، والذين حصلوا على المعرفة بالنباتات الطبية وتأثيرها على الجسم البشري حصلوا عليها من أسلافهم حيث لديهم ارتباط عميق وشخصي في عملية الشفاء ويقومون بحماية المعرفة العلاجية من خلال إبقاء الأمر سرا وبطريقة مشابهة للممارسة الطبية الأرثوذكسية، يتخصص ممارسي الطب التقليدي في مجالات معينة لمهنتهم. فالبعض خبير في الأعشاب الطبية، والبعض الآخر هم خبراء في الشفاء الروحي (العرافين)، وآخرون متخصصون في مزيج من الاثنين معا. وهناك أيضا واضعي العظام التقليدية والقابلات  أصبح المعالجون بالأعشاب أكثر وأكثر شعبية في أفريقيا مع ظهور السوق التجارية للأعشاب في ديربان حيث يقال أنه يجذب بين  700 و900 تاجر سنويا من جنوب أفريقيا وزيمبابوي وموزامبيق. وتوجد أسواق اصغر حجما في كل مجتمع تقريبا،  حيث لا تقدر معارفهم من الأعشاب بثمن في المجتمعات الأفريقية وهم الوحيدين الذين يمكنهم جمعهم في معظم المجتمعات.
      تستفيد القابلات أيضا استفادة واسعة من النباتات المحلية للمساعدة في الولادة. يقوم المعالجون الأفارقة عموما "بوصف وشرح المرض من حيث التفاعل الاجتماعي والعمل على الاعتقاد بأن الدين يتخلل كل جانب من جوانب الوجود البشري.
الخلاصة
     ومما سبق يتضح لنا ان أفريقيا من الممكن ان تكون رائدة في مجال الطب التقليدي وذلك بفضل قدم خبراتها في هذا المجال ولكن بشرط ان يتطور في مجال البحث عن الادوية من الطبيعة الغنية بمواردها والبعد عن الاعتقاد المسلم بالسحر والشعوذة  وتأثير الارواح.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قائمة المراجع:
1- References[Helwig, David (04 Feb, 2010). "Traditional African medicine". Encyclopedia of Alternative Medicine.
2-"Medicinal Plants and Natural Products" (PDF). Conserve Africa. Conserve Africa Foundation. 4 May 2002.
3-Mokaila, Aone (2001). "Traditional Vs. Western Medicine-African Context". Drury University, Springfield, Missouri.
4-Onwuanibe, Richard C. (1979). "The Philosophy of African Medical Practice". A Journal of Opinion. African Studies Association. 9 (3): 25–28. JSTOR 1166259.
5-Stanley, Bob (13 February 2004). "Recognition and Respect for African Traditional Medicine". Canada's International Development Research Centre.

قبائل بوركينا فاسو حضارة أفريقية خالصة

قبائل بوركينا فاسو حضارة أفريقية خالصة
تقرير/ محمد عبد الستار
باحث دكتوراه متخصص في الفكر السياسي/ جامعة القاهرة

 


  ارتبطت القبائل الأفريقية في الذهنية العربية؛ بأنها قبائل بدائية لا علاقة لها بأى شكل من أشكال وصور الحضارة الأنسانية. وهو ما يتنافى مع وجود العديد من الشواهد التاريخية على وجود العديد من النظم السياسية؛ ولقد كانت أفريقيا مثل أوروبا من حيث البنية السياسية المتمثلة بدول متجاورة. وحيث قامت العديد من المالك في أفريقيا والتي استمرت لفترات طويلة قبل عملية التكالب الاستعماري على أفريقيا والذي قامت فيه القوى الاستعمارية بهدم وإقتلاع كل هذه الممالك؛ وذلك لكي يدعم مزاعمه حول رسالته الحضارية التي قام من أجلها بغزو استعماري للقارة الأفريقية. وإدعائه بأنهم أي المستعمرون هم من قاموا بوضع القواعد القانونية والنظام والعدالة الجنائية.  وهو ما دحضه علماء التاريخ الأفريقى بتأكيدهم وجود نظم عدالة جنائية في أفريقيا ولاسيما في منطقة غرب أفريقيا؛ التي شهدت قيام الكثير من الممالك الأفريقية والاسلامية ومنها مملكة صنغاي Songhai وهي من الممالك الإسلامية القوية في غرب أفريقيا حيث تقع في أجزاء من فولتا العليا (بوركينا فاسو) وداهومي وباسوفي شمال نيجيريا. وقد طبقت في هذه المملكة قواعد العدالة الجنائية والتي استندت على المباديء الإسلامية. وكذلك مملكة كانم-بورنو Kanem-Bornu وإمبراطورية أويو the Oyo Empire ومملكة الأشانتي في غانا ومملكة اليوروبا في نيجيريا. هذه القبائل كانت تشكل كيانات تعد المعادل الموضوعي لفكرة الدولة من حيث الأرض والسلطة والشعب.
    وقد كانت هناك العديد من الكيانات التى حملت شغلة الثقافة والحضارة في أفريقيا على مدار التاريخ ومن هذه الكيانات غانا من القرن السادس وحتى سنة 1240 ثم إمبراطورية المانديج (وعاصمتها مالي) وتبعتها إمبراطورية  جاو وإمبراطورية ياتنجا( موسى).


 
الكيانات والنظم الأفريقية فيما قبل المرحلة الاستعمارية (إمبراطورية الموسى نموذجاً)
    ومن الكيانات التي نشأت في غرب أفريقيا إمبراطورية الموسى في نطاق ما يسمى الآن "بوركينا فاسو".  وتعد بوركينا فاسو (فولتا العليا) دولة مغلقة ليس لها منافذ بحرية في غرب أفريقيا؛ تحيطها النيجر من الشرق ومالي من الشمال والغرب وبنين وتوجو وغانا وساحل العاج من الجنوب، وكانت جزءً من غرب أفريقيا الفرنسي بعد عام 1896 وحصلت على استقلالها في عام 1960 وأعيد تسميتها في 1984 بالاسم الجديد وهو بوركينا فاسو وتعني أرض الرجال الصادقين "the land of honest men.". وتاريخياً فإن بوركينا فاسو كانت جزءً من إمبراطورية مالي. وهي دولة بها تنوع اثني ولغوي كبير. ويدين 45% من السكان بالديانات التقليدية و50% مسلمون والأقلية المتعلمة ذات النفوذ من الكاثوليك. وهناك 35 مجموعة عرقية تقريباً؛ منها حوالي أثنى عشرة مجموعة عرقية تحترف فن النحت التقليدي. وتنتمي تلك المجموعات العرقية إلى مجموعتين لغويتين كبيرتين؛ هما الماندي Mande في الغرب والفولتية Voltaic في الشرق. ومن أهم وأكبر قبائلها هي Boboبوبو Mande   ماندي   لوبي    Lobi    فولاني Fulani جورونسى Gurunsi   سينوفو Senufo.
     وقد كانت هضبة موسى الوسطى أحد مراكز القوة للأفارقة الذين يعيشون في غربي القارة الإفريقية.  وتعد قبائل الموسى في بوركينا فاسو من أقدم السكان ويشكلون 48% من السكان. وقد وصلت هذه القبائل إلى حوض فولتا the Volta Basin في مجموعات صغيرة، وسيطروا على جماعات السكان الأصليين أما عن طريق الغزو أو الإندماج السلمي. ويرجع العلماء أن بدايات نشأة هذا الكيان المسمى الموسى Mossi إلى أوائل القرن الخامس عشر واستمرت لمدة 800 عام؛ في اقليم فولتا وتشير هذه المنطقة إلى فضاء يمتد من شمال غانا إلى نطاق أكبر من بوركينا فاسو في الوقت الحالي وقد كانوا بارعين في فنون الفروسية. وقد تم إيقاف توسع الإمبراطورية في القرن التاسع عشر مع عملية التكالب الإستعمارى والتقسيم الذي تم وفقا لمؤتمر برلين عام 1881 ومع سقوط العاصمة واجادودجو.
     ويأتي في قمة هرم السلطة لإمبراطورية الموسى الأمبراطور the Mogho Naba وهو يعتبر رمز الشمس، كما أنه رأس الجيوش وقاضى القضاة. وتتكون الإمبراطورية من ممالك تنقسم بدورها إلى مقاطعات، ثم الإقطاعيات وكل إقطاعية تتكون من عدة قرى. وتتميز هذه الإمبراطورية بعنصرين رئيسيين هما عالم السلطة السياسية وعالم الطقوس والشعائر الدينية.
      وقد كان هناك تفاوت في العلاقة بين السلطة والجماعات والكيانات المكونة لإمبراطورية الموسى.  فعلى سبيل المثال في منطقة Mamprugu فإن المرونة والحق في الاختيار تجعل هناك درجة من التكامل بين مجموعة السكان الأصليين في كلا من ممارسة الطقوس والسياسة. بينما في منطقة Ouagadougou كانت عملية الغزو والإخضاع لها أثر في مركزية النظام السياسي.
   هذا التباين والمستويات المختلفة من التعاون كان نتيجة للتكوين السياسى لهذه الإمبراطورية التى قامت على أساس إستيعاب المجتمعات الأصلية في إمبراطورية " موسى".
 
فن النحت والأقنعة عند قبائل بوركينا فاسو
       يتسم الفن الأفريقي بالثراء الشديد والابتكار، والإيقاع النابض، ويضفي على الثقافة الأفريقية تميزاً؛ وخاصة فن النحت المتجذر في الحضارات القديمة. فعندما كانت تجري عمليات تنقيب عن القصدير في نيجيريا؛ اكتشفت عن طريق الصدفة منحوتات كبيرة من الطين والبرونز والحجر؛ تتفوق على منحوتات العصر الإغريقى القديم.
       ومايميز الفنان الأفريقي بشكل عام وفقا للمفكر السنغالي شيخ أنت ديوب؛ هي حريته في الابتكار الفني التجميلي، وثقته من قدراته ومهاراته؛ ومن ثم ينجز أعماله ببساطة السهل الممتنع. وحتى يمكننا تصور مدى قيمة الفن الأفريقي وخاصة فيما يتعلق بالمنحوتات؛ علينا أن ندرك بأنه يعالج مادة متمردة؛ أقسى من الخشب العادي (الجرانيت والعاج والمعدن والديوريت والأبنوس) بإستخدام أدوات بسيطة جدا.
        وقد تعددت المدارس أو التيارات الفنية في أفريقيا ومن أبرزهم التيار الواقعي والتيار التعبيري. وتعد مدرسة "إيفي" هي المدرسة الواقعية الأكثر نموذجية في أفريقيا، وقد اشتهرت بمنحوتات من الطين والبرونز. ومن الأساليب الفنية أيضا في أفريقيا ما يعرف بأسلوب "الدوجون"؛ وهي من القبائل الموجودة في جنوب شرق مالي، ويمتد تواجدهم في دولة بوركينا فاسو، وتتميز الأقنعة من خلال هذا الأسلوب بشكل مستطيل وأنف بارز على السطح العمودي للوجه.
    وقد كانت للمجتمعات والجماعات الزنجية في منطقة غرب أفريقيا من نهر السنغال حتى الحدود الشرقية لنيجيريا، أو ما يطلق عليهم الزنوج السودانيون أو الحقيقيون، ومن أهم قبائلها الفولاني (الموجودة في الوقت الحالي في دولة بوركينا فاسو)؛ حضارة عظيمة في الكثير من جوانبها؛ ولعل أبرز نتاج هذه الحضارة تلك التقاليد الفنية الراسخة؛ والتي تتجلى في فن النحت على المعادن، والبرونز، والفخار المحروق، والخشب كالأبنوس والماهوجنى.
         ومن الفنون التراثية التي لها عمق حضاري في بوركينا فاسو ما يعرف بفن الأقنعة Mask Art، كما يعد فن النحت التقليدى traditional sculpture من الفنون ذات الشهرة العالمية.
     وقد كان القصد من صناعة التماثيل أو المنحوتات في كل أفريقيا جنوب الصحراء وفي مصر هو عمل نسخة خالدة للميت على الأرض؛ ثم توضع في مكان مقدس ويصبح مقصداً للقرابين وإراقة الخمر. وهي رمز للسلف الذي عاد ليعيش بين الأحياء؛ لذلك لم يهتم كثيراً الفنان الأفريقي بالأبعاد والتشريح في منحوتاته كما هو الحال في الغرب.
    ويمكن القول بأن فن شعب بوركينا فاسو هو استثنائي ومتميز جدا في غرب أفريقيا. والفن من المنظور الأفريقي لايعد عملا منفصلاً عن الواقع بل هو جزء من حياتهم اليومية. فجميع أنواع الفنون تستخدم في الحياة اليومية؛ ولا يقتصر على وجوده في المتاحف. وكما يشير شيخ أنتا ديوب في كتابه "الأمم الزنجية والثقافة" أنه لطالما كان الفن الأفريقي في خدمة قضايا اجتماعية، وأن الفنان الأفريقي يصل إلى الجميل عبر المفيد.
 

    وتختلف المجموعات العرقية في بوركينا فاسو من حيث الأساليب الفنية في نقش المنحوتات والأقنعة وفقا لتقسيماتهم اللغوية؛ حيث تتنوع طرق إستخدام الألوان والأبعاد المستخدمة. وحيث تتنوع أشكال هذه الفنون في مختلف القرى. ففي حين تقوم قبائل الموسى بنحت أنماط هندسية باللون الأحمر الأبيض والأسود على أقنعة وجه ثنائية الأبعاد، نجد مجموعة أو قبائل الماندي Mande والبوبو Bobo تستخدم لوحة أوسع من الألوان في أقنعة ثلاثية الأبعاد ذات جبين حاد أفقي. أيضاً ونتيجة لتحركات جماعات كثيرة في جميع أنحاء غرب السودان بعد إنهيار إمبراطورية مالي؛ فقد جلبوا معهم أنماط  وأساليب جديدة من فنون النحت والأقنعة.
 
       والمجموعات النحتية الخشبية الصغيرة التي تنتجها قبائل الموسى في بوركينا فاسو؛ هي الأكثر رواجا في أوروبا؛ وتسمى دمى موسى Mossi dolls، وهناك العديد من الأنماط، ومنها الأقنعة Mask، تنتمي للعديد من المناطق في بوركينا فاسو، وتشترك كلها في شكل أسطواني وكلها لإناث. ويتم شراء الدمى من قبل الأمهات لبناتهم اللاتي يقمن بتزيينها بالجلود والخرز. وقبل الزواج تحمل المرأة بحياء الدمى على ظهرها. وبعد الزواج يتم تسمية الدمية. وفي اعتقادهم أنها تمنح المتزوجين سرعة الإنجاب.
 
     أما بالنسبة للأقنعة فهي لها دور ديني؛ فالأرواح تكون مرئية من خلال الأقنعة. وهذه الأقنعة قد تكون مصنوعة من الأوراق البرية أو الأعشاب؛ التي تمثل قوى الطبيعة، أو تكون منحوتة من الخشب مع أزياء من الألياف النباتية؛ التي تمثل القوى الإجتماعية في القرية. وتستخدم تقريبا ًكل مجموعة عرقية أقنعة لتكون الأرواح مرئية. فنجد أن المجموعة العرقية جورونسى Gurunsi تقوم بنحت أقنعة ذات رموز يستخدمها العرافون لتمثيل الأرواح من مناطق الأدغال المحيطة.  وكل قناع يتم التعبير عما يمثله من خلال خطوات راقصة، وموسيقى مصاحبة. وأداء تعبيرى من الأطفال كما لو كانوا ممثلين بارعين يتقنون الأداء.
       ومن الفنون الأخرى والتي هي محل اعتزاز وفخر ويمكن أن نطلق عليها في بعض أنحاء بوركينا فاسو لقب كاوبوي غرب أفريقيا ‘cowboys of West Africa' حيث يعد ركوب الخيل شيء هام وأساسي جداً في ثقافة جماعات معينة. مثال ذلك وبشكل خاص جماعة الفولاني والذين يفخرون بخيولهم؛ للدرجة التي يعتبرون فيها الحصان جزء من العائلة أو أعز الأصدقاء. وتعتقد قبائل الموسى أن بلادهم جاءت الى الوجود عندما هربت الأميرة يننجا Yennenga مملكة والدها على الحصان.
 
    وكما يشير المفكر السنغالي شيخ أنتا ديوب في أطروحته عن الحضارة الأفريقية؛ بأن هذا الأفريقي ذو الحس المرهف والانفعالي والخالق للفن؛ لا يعني بأنه وكما روج لذلك الكثير من المستعمرون لا عقل له ولا حضارة وراءه؛ بل على العكس فإن هذا الزخم الفنى يعكس ثقل حضاري تمتد جذوره إلى الاف السنين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قائمة المراجع:
1-http://www.burkinafasoindia.org/originof_mossiof_kingdom.html
سفارة بوركينا فاسو في دولة الهند
4- ريما إسماعيل (مترجم) شيخ أنتديوب، الأمم الزنجية والثقافة (الجماهيرية اليبية: الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والأعلان،2001).
2-A.A. Illasu, "The Originsofthe MQSSI-DAGOMBA States"(Michigan State University: African e-Journals Project).
3-Christopher D. Roy, Burkina art and performance bibliography (The University of Lowa).
4-Amy Niang, "Aspects of Mossi History: A Bibliography"Electronic Journal of Africana Bibliography).
5-CHRISTOPHER  D. ROY,  MOSSI DOLL          http://www.artofburkinafaso.com/wpcontent/uploads/2016/01/Mossi-Dolls.pdf
6-د/ محمد عبد الغني سعودي، أفريقية (القاهرة:  مكتبة الأنجلو المصرية،2004).

أفريقيا الوسطى بين آمال التحول الديموقراطي وتجدد العنف

لقد عانت جمهورية أفريقيا الوسطى من صراعات ونزاعات دموية على مدار تاريخها ولم تشهد أى مظاهر للتحول الديموقراطي إلا في عام 1993 ففي هذا العام شهدت الجمهورية أول انتخابات متعددة الأحزاب إلا أنها مازالت تعاني من اضطرابات سياسية وأعمال عنف بين القبائل رغم ما شهدته من انتخابات وتدخلات من قبل الأمم المتحدة لمحاولة ضبط الأمن وإعادة الاستقرار.   


لمحة عامة عن جمهورية أفريقيا الوسطى:
إن لجمهورية أفريقيا الوسطى موقع استراتيجي إذ تقع وسط القارة السمراء فيحدها تشاد من الشمال والسودان من الشمال الشرقي ومن الشرق جنوب السودان كما يحدها جنوبًا جمهورية الكونغو الديموقراطية وغربًا الكاميرون.
ويقدر عدد سكان جمهورية افريقيا الوسطى وفق (إحصاء عام 2013) بنحو أكثر من خمسة ملايين نسمة ينتمون إلى قبائل أفريقية مختلفة، وتبلغ مساحتها نحو 620 ألف كيلومتر. ويدين أغلبية سكانها بالمسيحية ويدين بالإسلام أقلية تصل نسبتهم إلى (15%).
وكانت تسمى هذه الجمهورية ب "أوبانغي-شاري" في الفترة من عام 1910 حتى 1960، وكانت جزءا من أفريقيا الاستوائية الفرنسية وقد حصلت على استقلالها عام 1960. .
 الصراع الطائفي والسياسي في أفريقيا الوسطى:

 

تتمثل الصراعات والنزاعات في أفريقيا الوسطى في بعدين رئيسين:
 أولهما: بعد داخلي ويتمثل في صراعات طائفية بين المسلميين والمسيحيين والتي يعود أغلبها إلى نزاعين أساسين:
 الأول: الصراع على الموارد الطبيعية والأراضي، إذ تعتبر الجمهورية غنية بالذهب والفضة إلا أن النزاعات وأعمال العنف المستمرة جعلت أغلب سكانها يعتمدون بالأساس على المساعدات الإنسانية.
 والثاني: الصراع على السلطة إذ ظل يحكمها منذ حصولها على الاستقلال لأكثر من ثلاثة عقود حكام غير منتخبين انتزعوا السلطة بالقوة.
والبعد الثاني بعد خارجي: ويكمن في الصراع بين الأطراف الدولية من أجل الحفاظ على مصالحهم والاستفادة من مواردها.

أشهر الميليشات المتصارعة في أقريقيا الوسطى:
1-  مسلحو تحالف "سيليكا" وأغلب عناصرهم من المسلمين والذين استطاعوا الإطاحة بالرئيس المسيحي فرانسوا بوزيزي في مارس 2013.
2- مليشيا مناهضي بالاكا أو مناهضة السواطير بلغة السانغو وعرفت أيضًا بالمليشيات المسيحية للدفاع الذاتي، وهي جماعات مسلحة محلية أنشأها الرئيس المسيحي فرنسوا بوزيزيه، وتضم في صفوفها بعض جنود الجيش الذين خدموا في عهده. والتي ارتكبت أعمال وحشية ضد المسلمين من حرق جثث وبتر أعضاء وتدمير للمساجد وتهجير أعداد كبيرة من المسلمين.
3- جماعة R3 وقد ظهرت في أواخر عام 2015 تحت زعامة شخص يدعى صديقي عباس، وادعت أن هدفها حماية أهل سكان بوهل الأقليات من ميليشيات أنتي بالكا في منطقة غرب أفريقيا الوسطى.
خطوات نحو التحول الديموقراطي:
منذ أن حصلت الجمهورية على الاستقلال وحتى ثلاثة عقود تالية لم تحدث أية انتخابات بل كان الحكام غير منتخبين يصلون إلى السلطة عنوة وكان البقاء للأقوى مما عرض الدولة لكثير من الصراعات على السلطة.
وللمرة الأولى في أفريقيا الوسطى، جرت انتخابات متعددة الأحزاب عام1993 ووصل الرئيس فيليكس باتاسيه إلى السلطة على عقب تلك الانتخابات وظل محتفظًا بالسلطة عشرة سنوات حتى تمت الإطاحة به في عام 2003 من قبل الجنرال فرانسوا بوزيزي الذي فاز بانتخابات رئاسية في مايو2005. وأعيد انتخاب بوزيزي مجددًا في عام 2011 وكانت فترة حكمه تتسم بالاستقرار النسبي.
عودة الاضطرابات السياسية والأمنية من جديد (تمرد وانقلاب على السلطة):
رغم أن فترة حكم بوزيزي كانت تتسم باستقرار نسبي إلا أن الفساد والمحسوبية كانا من أبرز مظاهر فترة حكمه مما أدى إلى قيام تمرد علني على الحكومة وتكون هذا التمرد من فصائل المعارضة المسلحة المعروفة باسم تحالف السيليكا وقامت تلك المجموعات المسلحة المتمردة بسلسلة من الهجمات في ديسمبر2012 استطاعت من خلالها السيطرة على عدة مدن حيوية وسط وشرقي البلاد إلا أنها سرعان ما دخلت في مفاوضات سلام مع الحكومة في يناير2013 ترتب عليها تشكيل حكومة وحدة وطنية.  ولكن في مارس 2013 استطاع المتمردون السيطرة على العاصمة .
 وبعد فرار الرئيس بوزيزي، نصب ميشيل جوتوديا زعيم متمردي السيليكا نفسه كأول رئيس مسلم في الجمهورية وشكل حكومة انتقالية وخلال فترة حكمه تشرد نحو مليون مواطن جراء الاشتباكات وأحداث العنف التي حدثت بعد استيلاء السيليكا على الحكم، إذ تصاعدت أعمال العنف في بانغوي عندما قامت ميليشيا أنتي بالكا بمعارضة العاصمة من جديد واستمر القتال بينهم وبين مليشيا السيليكا. وقد أدت التهديدات المستمرة ضد المسلمين في غرب ووسط الدولة إلى مغادرة أغلبيتهم من بلادهم وتم إفراغ البلاد من سكانها المسلمين بالإضافة إلى حصار نحو 20000 شخصًا من الأقليات في ستة عشر موقعًا مختلفًا في الجمهورية فلم يتمكنوا من الحفاظ على أعمالهم أو الوصول إلى المدارس ولم تتوفر لهم الرعاية الصحية إلا بقدر محدود ومنذ ۲ يونيو۲۰۱٤ لا يزال هناك ٥٥۷۰۰۰ نازحاً داخل البلاد .
منتدى بانغي ومساعي نحو المصالحة الوطنية:
وفي مايو 2015 عُقدت محادثات عرفت بمنتدى بانغي بين بعض قادة الميليشيات المسلحة ومجموعة واسعة من الجهات المدنية الفاعلة بهدف نزع السلاح وإجراء المصالحة الوطنية إلا أن هذه المحادثات لم تسفر عن تقدم إذ أن آليات التنفيذ في نزع السلاح والجدول الزمني لبدء التنفيذ لم يكونا واضحين منذ البداية وظلت الحكومة الوطنية مقتصرة على العاصمة بينما ظلت الجماعات المسلحة مسيطرة على أراضي شاسعة من البلاد.
وفي ديسمبر2015 تم إجراء استفتاء على الدستور الذي يعطي للرئيس صلاحيات أكبر ويحث على إنشاء جهة عليا للتشريع ومجلس الشيوخ وعلى الرغم مما دار من أحداث عنف اثناء الاستفتاء إلا أنه تم الموافقه عليه بأغلبية الأصوات  
انتخابات يناير2016 وتجدد الآمال:
أُجريت الانتخابات التشريعية في يناير 2016 متزامنة مع الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في ديسمبر2015 وفي 26من يناير أعلنت اللجنة الانتخابية فاوستين تواديرا رئيس الوزراء السابق بأنه الفائز في جولة الإعادة. وقد لقى فوزه ترحيبًا وفرحًا من قبل المواطنين في شوارع العاصمة إلا أن بعض المرشحين أكدوا على وجود تزوير في الانتخابات لكنهم في النهاية تقبلوا النتيجة .  
أولويات وتحديات:
بعد نجاح تواديرا في الإنتخابات تعهد بأداء مهامه دون أي اعتبارات عرقية أو شخصية إذ أنه منذ أن وصل إلى الحكم وكان نصب عينيه ثلاثة ملفات أساسية:
 أولهما إعادة ‏الأمن إلى أفريقيا الوسطى المنقسمة،
 وثانيها تحقيق المصالحة الوطنية
وثالثهما تحقيق الانتعاش الاقتصادي.
 وكان من أبرز التحديات التي واجهته:
1-الوضع الاقتصادي للدولة إذ أنها ثالث أفقر دولة في العالم إذ يعاني أغلب سكانها من أوضاع اقتصادية متردية حيث يعتمد معظمهم على المساعدات الإنسانية على الرغم مما تمتلكه الدولة من موارد طبيعية هائلة وبالتالي فإن تحقيق الانتعاش الاقتصادي كان التحدي الأهم.
2-ضمان استعادة الأمن في جميع أنحاء البلاد وكذلك وضع حد للعنف ومعاقبة المتورطين في إقحام الدولة في اعمال العنف وكذلك نزع السلاح من الميليشيات بالاضافة إلى إعادة اللاجئين إلى أرض الوطن وهذا كله يتطلب الدعم الكافي من الأحزاب والأطراف الموجودة في الدولة .

وقد عرض رئيس الوزراء أمام الجمعية الوطنية في 7 يونيه خطة الحكومة وبرنامجها وحددها في أربع أولويات رئيسية:
1- السلام والأمن والتماسك الاجتماعي.  
2- الإنعاش الاقتصادي.
3-السياسة والحكم الرشيد.  
4-والشئون الاجتماعية والعمل الانساني.

التطورات السياسية بعد وصول تواديرا إلى سدة الحكم:
كان أول ما قام به تواديرا بعد أن أدى اليمين يوم30 مارس2016 هو اختيار سمبليس سارنجي رئيسًا للوزراء وهو مسيحي مستقل وقد عبر الرئيس عن سبب اختياره بأن الظرف الصعب والملح الذي تمر به البلاد والصراعات الدامية على مدار السنتين الماضيتين بين الطائفة المسلمة والمسيحية حتمت عليه هذا الاختيار إلا أن ذلك أثار الشعور بالخيبة لدي المسلمين وقد عبر أمات ديليريس نائب رئيس الأقلية المسلمة بأفريقيا الوسطى عن أن المسلمين تمنوا أن يكون رئيس الوزراء من بينهم من اجل ضمان التوازن إذ أن الرئيس مسيحي .
وفي ابريل 2016, اتجهت أفريقيا الوسطى إلى استقرار سياسي نسبي إذ أعلنت المحكمة الدستورية الانتقالية النتائج النهائية للانتخابات التشريعية وأكدت على انتخاب 128 من أعضاء الجمعية الوطنية البالغ عددهم 140.
وفي 29 ابريل قدمت السلطة الوطنية للانتخابات طلب لبعثة الأمم المتحدة للحصول على دعم تقني ولوجستي لتنظيم انتخابات إقليمية وبلدية. وفي 6 مايو تم انتخاب كريم ميكاسو رئيسًا للجمعية الوطنية ولقى انتخابه ترحيبًا كبيرًا نظرًا لكون هذا يدعم التماسك الاجتماعي وذلك لكونه شخصية بارزة من شخصيات الطائفة المسلمة.
محادثات من أجل تحقيق التصالح الوطني:
 بدأ الرئيس في منتصف ابريل جلسة مشاورات مع الجماعات المسلحة ودعاهم فيها إلى نزع السلاح للتمكن من تحقيق الانتعاش والسلم وفي 2 يوليه رحبت الجماعات المسلحة بانشاء آلية تنسيق وطنية لنزع السلاح والعودة إلى الوطن وتحقيق التصالح الأمني.
وقد استمرت اجتماعات الرئيس تواديرا مع الجماعات المسلحة على مدار شهر يوليه واغسطس وسبتمبر إلا أن ممثلي إئتلاف سيليكا رهنوا مشاركتهم في عملية نزع السلاح بضرورة وضع سياسات أكثر شمولاً للطائفة المسلمة.
عدم الاستقرار السياسي والأمني وتجدد العنف:
رغم كل مساعي الرئيس في تحقيق الاستقرار السياسي وضبط الأمن إلا أن الحالة الأمنية ظلت متقلبة بسبب اشتداد التوترات الطائفية ووقوع اشتباكات متفرقة بين الجماعات المسلحة وكان سبب الصراع كما ذكرنا سابقًا بين ائتلاف سيليكا وأنتي بالكا تعود إلى تصارعهم على السلطة والسيطرة على الموارد الطبيعية بالاضافة إلى التوترات الطائفية التي نجم عنها أعمال سرقة وانتهاكات لحقوق الانسان.
ولقد زادت التوترات الطائفية على أعقاب مقتل شاب مسلم على يد شاب مسيحي وقامت قوات الأمن الداخلي بالقبض على 26 تاجر مسلم كانوا مسافريين إلى بانغي والاحتجاز غير القانوني لستة من الضباط من الطائفة المسلمة.
وفي الجزء الغربي من البلاد استمرت الهجمات والاعتداءات على المدنيين بسبب وجود ميلشيات أنتي بالكا، وفي الجزء الأوسط والشمالي الشرقي في البلاد واصل ائتلاف سيليكا توسيع نطاق سيطرتهم على النظم الضريبية غير القانونية.
وفي أبريل ومايو2016 قامت جماعة R3 بهجمات على القرى الفرعية ردًا على نشاط ميليشيات أنتي بالكا، وفي 27 سبتمبر قامت الجماعة بالهجوم على بلدة عاصمة جنوب محافظة ديغول مما ترتب على هذا الهجوم مقتل نحو 20 ألف شخصًا بالإضافة إلى هجومهم على قرى أخرى.
انتهاكات حقوق الإنسان وفق إحصائيات بعثة الأمم المتحدة:
لا تزال قدرة الدولة على الحد من الحوادث والاشتباكات ضعيفة فخلال الفترة التي تولى فيها الرئيس الحكم وصلت حالات انتهاكات حقوق الانسان كما رصدتها بعثة الأمم المتحدة نحو513 انتهاكًا لحقوق الانسان وذلك ضد 1387 ضحية من بينهم 89 إمرأة و56 فتى و11 فتاه وكان من ضمن هذه الانتهاكات أعمال قتل تعسفي وعنف جنسي وكذلك عمليات اختطاف. كما ارتكبت المليشيات المسلحة نحو 341 تجاوزا. حتى أن السلطة الحكومية كانت مسؤولة  عن 171 انتهاكًا أغلبها احتجازات تعسفية غير قانونية بالإضافة إلى الاعتداءات الجنسية على الأطفال وتجنيدهم في الجماعات المسلحة واستغلالهم.
وماتزال الحالة الانسانية في أقصى درجات التردي في أفريقيا الوسطى إذ أن حوالي 2.3 مليون من مواطنيها من أصل 4.8 مليون يعتمدون على المساعدات الانسانية وفي 15 سبتمبر 2016 وصل عدد اللاجئين في البلدان المجاورة إلى 452095
تردي أمني وعودة بعثة الأمم المتحدة:
لقد أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أنه في الفترة بين 12و27 نوفمبر 2016 قُتل نحو 50 مدنيا على الأقل في المحافظات الفرعية من بوكارانغا وكويي في مقاطعة أوهام بندي على يد جماعة R3.
ونتيجة تردي الأوضاع الأمنية في أفريقيا الوسطى عادت قوات حفظ السلام وكذلك بعثة تحقيق الاستقرار التي تتكون من 12 ألف و870 جنديًا من اجل محاولة ضبط الأمن في جمهورية أفريقيا الوسطى وإعادة الأمان والاستقرار للبلاد  
الخلاصة:
رغم ما خطته جمهورية أفريقيا الوسطى نحو التحول الديموقراطي من عمل انتخابات رئاسية وتشريعية بعد أن كان الحكم يُنتزع بالقوة ورغم إجراء حكومة تواديرا محادثات وتشاورات مع المليشيات المسلحة المعارضة لها من أجل نزع السلاح وتحقيق التصالح الوطني ووضعها لهذه الهدف ضمن أولوياتها إلا أن الحكومة لم تقر استراتيجية حقيقية للمصالحة الوطنية كما أنها لم تبدأ في أية أنشطة ملموسة من أجل تعزيز الحوار بين الطوائف.
فالوضع في أفريقيا الوسطى حتى يومنا هذا مازال غير مستقرًا وحُلم التحول الديموقراطي الحقيقي لم يتحقق بعد رغم كل المساعي والمحاولات من قبل الحكومة الحالية ومازالت التدخلات الخارجية من قبل فرنسا والأمم المتحدة هي سيدة الموقف.
-------------------------------------
قائمة المراجع
أولاً المراجع العربية:
1-أزمة جمهورية أفريقيا الوسطى وتأثيرها الإنساني الإقليمي, مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية, 2014.
2-أسماء عبد الفتاح, الفوضى تشتعل مجددًا في إفريقيا الوسطى, البديل, 22ديسمبر2016, متاح على http://cutt.us/GQ8qR
3-استياء مسلمي أفريقيا الوسطى لاستبعادهم سياسيا, شبكة الجزيرة الاعلامية, متاح على http://cutt.us/RX981
4-التوقعات تصل إلى عنان السماء في جمهورية أفريقيا الوسطى, البنك الدولي, 6/7/2016, متاح على http://cutt.us/JHklO
5-تقرير الأمن العام عن الحالة في جمهورية أفريقيا الوسطى, مجلس الأمن, الأمم المتحدة, 24/8/2016.             
6-عبد الحكيم نجم الدين, إفريقيا الوسطى.. وما بعد الانتخابات الرئاسية, قراءات إفريقية, 2016,متاح على http://cutt.us/EYp0i  
ثانيًا المراجع الأجنبية:
7- Tomas F. Husted & Alexis Arieff, The Central African Republic: Background and U.S. Policy, congressional research service, December 1, 2016 ‎

قبائل الهوتو بين الطبيعة الجغرافية والوضع السياسي

تقرير: رشا العشري
باحثة متخصصة في شؤون الإرهاب والعلاقات الدولية/ جامعة القاهرة

------------------------------------------------------------------------------------



     تعتبر جماعة الهوتو من أكبر الجماعات العرقية في منطقة البحيرات العظمى، فهي مجموعة عرقية من وسط أفريقيا توجد بشكل كبير في رواندا وبوروندي، وهي إحدى طرفي الصراع في الحرب الأهلية في بوروندي مع التوتسي، فالهوتو تمثل 85% من إجمالي السكان يليها التوتسي حيث تمثل 14% وتمثل جماعة التوا 1%. فضلاً عن وجود جماعات مهاجرة تشكل أقلية من مالي، والسنغال، وغينيا، والهند وباكستان، وجالية عربية أيضاً. وتأخذ الهوتو التلال مسكنا لها.
الشكل:
     تتميز الهوتو بأنها جماعة زنجية قصيرة القامة، أما التوتسى فهم من أصول حامية نتيجة الزواج المختلط بالزنوج، وهم يتميزون بطول القامة والرشاقة، والمجموعة الثالثة (التوا twa  ) من الاقزام.

الأصل:
يرجع أصل الهوتو إلى جماعة البانتو، وهو الاسم الصحيح للهوتو، حيث تعني كلمة (ماو هوتو) في (الكيهاميت) وهي لغة التوتسي بـ "الخادم" فعندما أتى التوتسي إلى بوروندي قاموا باعطاء الأبقار والعطايا للبانتو ليرسخوا أقدامهم في الارض وبالتالي شعر التوتسي بأنهم أعلى مرتبة منهم، وبالتالي أطلقوا عليهم اسم الهوتو وقد حاول البانتو رفض اسم الهوتو إلا أنه التصق بهم.
اللغة:
يتحدث الهوتو باللغة الكيروندية، وهناك اللغة السواحيلية وهي لغة التجارة في بوروندي ويلم بها معظم السكان، فضلاً عن اللغة الفرنسية.
الدين:
يدين معظم الهوتو بالمسيحية ذو المذهب الكاثوليكي، حيث أن 60% من السكان كاثوليك، و10% مسلمين، 30% مجموعات مسيحية مختلفة، وأخرى ذات ديانات محلية.
ونجد أن العديد من الحركات التبشيرية التي تبنتها الهوتو كانت جميعها ضد الطوائف البروتستانتية في الجنوب مما أثار مخاوف التوتسي في المناطق الجنوبية من سيطرة الكنيسة باعتبارها قوة منافسة تهيمن على قبائل التوتسي غير الجنوبية.

العادات والتقاليد:
- من سمات جماعة الهوتو أن لديها فلكلور شعبي في أنها تتأثر بالحكايات الشعبية والأساطير، فلديهم بطل شعبي يسمى (ساماداري samadari) وهو يسخر من الأغنياء وهم اصحاب الماشية.
- يرتدي الهوتو ملابس من قماش مثل التنانير وهي مصنوعة من لحاء الشجر، والعباءات المصنوعة من جلود الحيوانات، ولكن تم الاستعانة بالملابس على النمط الغربي، إلا أنهم مازالوا يرتدون تلك الملابس القديمة، كما يرتدون أيضا قلائد الخرز والأساور اليدوية.
- عندما يولد الطفل تترك الأم وابنها بمفردهما في المنزل لمدة سبعة أيام، وفي اليوم السابع يقام حفل لتسمية الطفل.
- يرتبط شباب الهوتو مع بعضهم البعض من خلال الانشطة الجماعية مثل الرقصات المعينة وكذلك الطقوس الكنسية.
الاعياد:
يحتفل الهوتو بأيام الاستقلال البوروندية، وعيد العمال، عيد رأس السنة، والأعياد الكبرى المسيحية.
وخلال الاحتفالات المحلية الكبرى، يشرب سكان بروندي مشروباً تقليدياً يسمى ((امبيكي)) – جعة محلية الصنع من الشعير تقدم في كوب تقليدي جميل.
أيضاً يعد الطبل التقليدي عنصراً هاماً من الموروث الثقافي في بروندي. إن الطبل التقليدي الملكي الذي ُصنع قبل أكثر من أربعين عام يعد الأشهر ويعرف بطبوله التي تسمى باللغة المحلية بـ(امشاكو-ابيشيكسو-وايكرانيا). يترافق الرقص الشعبي مع إيقاع الطبول والموسيقى التقليدية خلال الاحتفالات الشعبية واللقاءات العائلية.
الرياضة والترفيه:
من الألعاب المشهورة والمعروفة عند قبيلة الهوتو لعبة (igisoro) أو تسمى (mancala) في أجزاء من أفريقيا، حيث يقوم فريق بوضع الفاصوليا في ثقوب في لوح خشبي، ويوضع عند خط اللاعبين، ويحاول الفريق الأخر أخذ هذه الفاصوليا من اللوح الخشبي والجري بها، فيقوم الفريق الأول بالقبض على هؤلاء من خصومهم. أما الترفيه فنجد سيطرة الأفلام الأوروبية والأمريكية على دور السينما في رواندا وبوروندي ومشاهدة كرة القدم.
 
المرأة:
تتحمل المرأة العبء الأكبر في النزاع المسلح، فبعد أن يقُتل الرجال أو يُسجنون أو يشاركون في حركات التمرد تصبح المرأة بمفردها ترعى الأسرة، وتحاول ضمان بقاءها على قيد الحياة، وفي الزراعة تقوم النساء برعاية المنزل، وأيضا تزرع في الحقول، كما تقوم بمسح الميدان لإعداده للزرع، أما الفتيان والرجال يقومون برعي الماشية. ولكن مستقبل المرأة غير واضح من حيث التعليم أو مشاركتها في الحياة السياسية.


الحالة الاجتماعية
 
نجد الحالة الاجتماعية عند الهوتو سيئة للغاية من حيث التعليم والصحة ويرجع ذلك للحرب المستمرة في البلاد وعدم الاستقرار الأمني، وفيما يلي استعراض لكل منهما:
التعليم:
لا يحصل الهوتو على التعليم الكافي نتيجة الصراعات والحروب، ونتيجة استحواذ التوتسي على الثروة والسلطة نجدهم يستأثرون بالتعليم، وبالتالي نجد فقر في المساواة بين الهوتو والتوتسي، فضلاً عن رداءة نظام التعليم أدى إلى زيادة الأمية بنسبة 35%، ومع الحرب وعدم الاستقرار تم استخدام المدارس كثكنات للمتمردين، ومأوى للمشردين، فضلاً عن قضاء الحرب على المعلمين، حيث قتل التوتسي من مائة ألف إلى مائتي ألف من الهوتو، والذي نتج عنه وفاة وهروب معظم المتعلمين من الهوتو، والبعض الأخر فروا كلاجئين إلى تنزانيا.
 أما المناطق التي لم تتأثر بالحرب وتركز فيها التعليم مثل العاصمة بوجمبورا وجيتياجا، فمعظم المدارس والجامعات من التوتسي، ولم يحصل الهوتو على نصيب من التعليم كما يحصل عليه التوتسي فهم يشغلون أفضل المدارس في البلاد، ومع فقر الدولة وتراجعها في الدعم بدأت تطالب الحكومة الطلاب بتسديد تكاليف تعليمهم مما زاد الأعباء على الهوتو، وهذا بدوره أدى إلى ظهور حركات وتنظيمات مناهضة للحكومة حيث ظهرت منظمة تشمل جماعة الهوتو مما أثار مخاوف التوتسي.
-    وفي ثقافة الهوتو نجد أن الأدب عندهم يتكون من الأساطير والخرافات.
-    وفي الصحافة والإعلام: نتيجة عدم القراءة والكتابة لم يكن للهوتو نصيب في التأثير على الصحافة والاعلام، فضلا عن سيطرة التوتسي عليها ودحض أي محاولة لسيطرة الهوتو عليها، والدليل على ذلك تم إغلاق جريدة (la verete) وهي جريدة معارضة للتوتسي، وذلك في عام 2000.
الصحة:
حال الصحة كحال التعليم عند الهوتو ، فهناك سوء وإضرار جسيمة في النظام الصحي ، فنجد أن المستشفيات التي لاتزال صالحة للاستعمال ضئيلة جدًا ، فالطب في غاية السوء فضلاً عن قلة الامكانيات ، وقد أدى الانخفاض في التحصين الروتيني إلى ارتفاع مرض الحصبة بالاضافة إلى تفشي مرض الالتهاب السحائي ، حيث يتحمل الهوتو النصيب الأكبر من هذه الأمراض نتيجة الفقر وقلة الامكانيات ؛ وقد أجبرت النزاعات المسلحة العديد من المزارعين في المناطق المرتفعة في البحث عن أراضي أخرى صالحة للزراعة ، ومع اختلاف المناخ في المناطق المرتفعة والممارسات الزراعية غير الصالحة أدى إلى انتشار مرض الملاريا في هذه المناطق، حيث يفتقر السكان إلى حصانة الأرض، مع قلة إمكانيات التنمية في الرعاية الصحية، فضلاً عن حدوث الجفاف في المناطق المختلفة في البلاد ، والصراع الدائم الذي أدى إلى انخفاض في المحاصيل الزراعية مما ساهم في زيادة سوء التغذية على نطاق واسع ، الأمر الذى أدى إلى انتشار مرض الايدز (نقص المناعة المكتسبة) ، مما أدى إلى زيادة معدل الوفيات .
الزواج:
تترك العائلة سواء الرجل أو المرأة في اختيار من تتزوج، وعرف الزواج عند الهوتو أن يدفع العريس إلى أسرة العروسة ثروة تقدر بمجموعة من الابقار والماعز والمشروبات الكحولية، وفي الاحتفال بالزواج يغطي جسد العروس بالحليب ومجموعة من الاعشاب حتى يصبح الجسد نقي، وعند موت الزوج تقام الصلاة والطقوس والخطب، كما لاتعمل أفراد الاسرة ولا يشاركون في بعض الأنشطة، أيضاً لا تعمل المرأة في الحقل، ولا تقيم أي علاقات في فترة الحداد، وعندما تعلن الأسرة عن انتهاء فترة الحداد تقيم طقوس معينة احتفالا بذلك.
-    بالنسبة للزواج بين الهوتو والتوتسي دائما ما يكون نادرا.
اللجوء:
أثرت عملية اللجوء على الهوتو تاثيراً كبيراً، فضلاً عن التشريد والنزوح، الأمر الذي أدى إلى بعدهم عن وطنهم وجعلهم عرضة للقتل والفقر والمجاعة ويرجع ذلك نتيجة للحرب وعدم الاستقرار الامني والخوف من الابادة الجماعية، فقد نزح من 60 ألف الى 80 ألف من الهوتو إلى تنزانيا ورواندا بعد عمليات الإبادة الجماعية عام 1972، وفي عام 1988 نزح حوالي 30 ألف من الهوتو إلى رواندا ، وفي عام 1993 تبعها أكثر من 300 ألف من اللاجئين ، ولايزال هناك العديد من اللاجئين المبعثرين في العديد من الدول المجاورة حتى الان .

النشاط الاقتصادي
 
الزراعة:
تمارس جماعة الهوتو النشاط الزراعي فهو الحرفة الأساسية لديها، ونجد أن المحاصيل الزراعية التي تشغل نصيباً كبيراً من الأرض هي الذرة، والكاسفا، والقمح، الشعير، والبطاطا الحلوة، ومن المحاصيل النقدية نجد الشاي، والقطن، والبن، والتبغ، ونخيل الزيت؛ فمعظم الهوتو يعملون في الزراعة وهي وسيلة التوظيف الوحيدة لهذه الاغلبية ، ويرجع ذلك لأنهم مجموعة من الفلاحين المضطهدين الذين لايملكون أرض ويشكل الكثير منهم عمالة فائضة ، في مقابلها طبقة التوتسي وهي مالكة للاراضي ومهيمنة عليها منذ عام 1974 .
فضلاً عن أن القطاع الزراعي في الغالب ينمو بمعدل سنوي لايتجاوز 1% وهو أبطأ معدل في النمو الحقيقي في قطاعات الاقتصاد ، فأكبر عدد من الموظفين يعانون من البطالة في الريف بسبب النقص في الأراضي ، وعدم وجود أنشطة مربحة بديلة، فضلاً عن نقص الأمطار والجفاف مما أدى إلى تضرر معظم المحاصيل الزراعية ، ومع الفقر أدى إلى قلة القادرين على شراء المواد الغذائية حتى ولو كانت متاحة ، وقد أدى هذا الوضع إلى وجود حالات وفاة من الجوع ؛ أما بالنسبة للمواد الغذائية الأساسية عند الهوتو تشمل الفاصوليا ، والذرة الرفيعة ، والبطاطا الحلوة ، والكاسافا، والحليب، ولحم البقر وهي الأطعمة الهامة لديهم ، كما تؤكل لحوم الماعز وحليب الماعز من قبل الناس ذو الوضع الاجتماعي المتدني .
البنية التحتية
معظم الطرق في بوروندي غير معبدة، كما لا توجد بها خطوط سكك حديدية. وتحمل البواخر عبر بحيرة تنجانيقا البضائع بين بوجومبورا، وكيجوما في تنزانيا، وكاليمي في الكونغو الديمقراطية (زائير سابقًا) ويوجد في بوجومبورا مطار دولي. تعد تجارة بوروندي خارج الحدود باهظة الثمن وصعبة؛ لأنه يجب شحن البضائع وتفريغها من السفن وعربات النقل الحديدية مرات عدة، قبل أن تبلغ وجهتها النهائية.
الصناعة:
تشمل حرف الهوتو صناعة الفخار، والمشغولات الخشبية، والمجوهرات، والأعمال المعدنية، والسلاسل.
التعدين:
لم يستحوذ الهوتو على نصيب من الثروة المعدنية حيث يستأثر بها التوتسي ونتيجة ذلك قام المتمردون الهوتو بتفجير مناطق التعدين، الأمر الذي أدى إلى خروج شركات أجنبية من مناطق التعدين وسحب استثماراتها باعتبارها منطقة غير آمنة.
إذن فان نظام الطبقية الذي خلفه الاستعمار مع سيطرة التوتسي على الموارد في البلاد نتج عنه وجود علاقات اقتصادية غير متكافئة.
الأقلية الهندية في بوروندي ودول شرق أفريقيا
يمثل الهنود أحد أهم الأقليات التي لها تأثيراً في بوروندي ودول شرق أفريقيا بشكل عام، فهي تعتبر من الطبقات الرئيسية المشتغلة بالتجارة، ويحترمها العديد من سكان المجتمع البوروندي باعتبارها من أهم الأقليات التي ليس لها تأثيراً سلبياً على المجتمع كالعديد من الأقليات المسلمة في الدولة أيضاً، ونتيجة السياسة الاقتصادية الانفتاحية التي انتهجتها العديد من دول شرق أفريقيا فساعدتهم على الاتجار والاستقرار وتحقيق السيطرة على العديد من الشئون الاقتصادية، وهم مثل العرب جاءوا مع الرياح الموسمية للتجارة. وعندما جاء البريطانيون شجعوا الهجرة الهندية. ويتسم الهنود بسمات دينية وطائفية (حسب الجنس، من باكستانPakistani أو جاءوا من الهند في عام 1948 م).
ينقسم الهنود إلى مجموعتين هما المسلمين والهندوس. أما الهندوس فعقيدتهم الهندوسية وهي عبادة الأبقار ولهم معابدهم الخاصة وأبقارهم المقدسة والمكان الذي تحرق فيه جثث موتاهم ويسمون بانيان Banyans باللغة السواحيلية وهم غالباً تجار ومنهم فئات فقيرة أصحاب مهن مختلفة مثل العربجية والحلاقين والاسكافيين، وللهنود دور في دعم الاقتصاد حيث قاموا بتمويل مشاريع زراعية وتطوير تجارة القوافل الداخلية.
قد تمكن عدد من التجار الهنود من شراء إقطاعيات زراعية مما جعلهم يضيفون إلى تجارتهم دعامة جديدة من السيطرة على قدر من الأراضى الزراعية. سواء في بوروندي أو تنزانيا أو دول شرق أفريقيا بشكل عام.
اعتبرت بريطانيا الهنود (رعايا بريطانيين)، وشجعت هجرتهم إلى شرق أفريقيا لحاجتها إلى العمالة الهندية (الفنية والحرفية) فأرادت بريطانيا الاستفادة من خبرة الهنود في التجارة وعمليات الصرافة والسمسرة وتوظيف رؤوس أموالهم مما ساعد على ازدهار التجارة. فنظر البريطانيون للهنود على أنهم الفئة التي تليهم درجة ولذا يحق لها أن تختلط وتنسجم معهم دون سواهم. فكان للهنود دور مهم في تجارة شرق أفريقيا.
النظام السياسي:
 
تعد الأسباب السياسية من أهم الاسباب في نشأة الصراع ، وتكمن هذه الأسباب في النزاع على السلطة بين الأغلبية من الهوتو والأقلية من التوتسي ، وكذلك الصراع العرقي الذي أدى إلى حرب الإبادة الجماعية ، يليها التركيبة السكانية في المجتمع وما ترتب عليها من وضع قبلي واجتماعي أدى إلى خلق مشكلات سياسية حادة أعقبها حرب مشتعلة راح ضحيتها مئات الألاف من كلا الطرفين، وقد حافظت التوتسي على الهيمنة السياسية لمدة أربعة عقود وخلال هذه الفترة استطاعت التوتسي أبعاد الهوتو عن السلطة السياسية بل والسيطرة على كافة المؤسسات في الدولة ، فضلاً عن هيمنتها الاقتصادية ، ومع سوء عدالة التوزيع في الموارد وممارسة القمع على الهوتو أدى إلى اشتعال الحرب بين الطرفين وفشل أي محاولة للوصول لاتفاق سلام بين الجانبين .
القضاء:
لايستحوذ الهوتو على القضاء بل يستحوذ عليه التوتسي ويسيطر على كافة مؤسساته، وبالتالي فهم يفرضون العقوبات القصوى على الهوتو بينما يرفضون أو يكرهون إدانة التوتسي.


الدفاع والامن:
تقوم جماعة الهوتو بتكوين ميليشيات عسكرية تدعمها فصائل معارضة لحكم التوتسي وهي قوى وجماعات مسلحة ومن هذه الفصائل المتمردة جماعة تعرف باسم (المجلس الوطنى للدفاع عن الديمقراطية CNDD ) ، (قوات التحرير الوطني  FNL) ، (وقوات الدفاع عن الديمقراطية   FDD) ، وهذه الفصائل تمتلك من 5 ألاف إلى 6 ألاف من المقاتلين الذين يتسلحون تسليحاً خفيفاً .
في المقابل يسيطر التوتسي على الجيش كاملاً، فمعظم الجنود من التوتسي حيث تصل رصيد التقديرات العسكرية من عام 1999-2000 إلى 45500 جندي، فضلاً عن احتوائه على أسلحة عسكرية مختلفة.
-    ونجد أن رفض قوات المعارضة من الهوتو على المشاركة في اتفاق السلام مع التوتسي ورفض الانضمام إلى المفاوضات كان له الأثر الكبير في زيادة حدة التوترات واستمرار الحرب بين الجانبين.

علاقة جماعة الهوتو بالجماعات الإثنية الاخرى
 

 من الصعب معرفة القواسم المشتركة من حيث اللغة أو الثقافة والتاريخ والتنظيم الاجتماعي بين مكونات المجتمع البوروندي حيث نجد هذا المجتمع غير متجانس ، ولكن نجد علاقة الهوتو بالجماعات الموجودة باستثناء التوتسي علاقات عادية ليست صراع ، ولكن علاقتها مع التوتسي علاقة صراع وحرب على السلطة والموارد الاقتصادية ، وبالتالي فالزواج بينهم ليس من المألوف أو النادر، وتعتبر الخريطة الإثنية في بوروندي نموذج للانفصال العرقي والتطهير الاثني ، حيث يوجد أعداد كبيرة من التوتسي تتركز في شمال شرق كلاً من (كاينزاـ نجوزوا – كيروندا- وبعض المحافظات)، بينما يتركز الهوتو في الشمال الغربي (كيبيتوك- ومحافظات بوبانزا – فضلا عن تمركزهم في التلال) .

 إن ما استعرضناه عن جماعة الهوتو البوروندية يوضح لنا مدى أهمية هذه الجماعة في المجتمع البوروندي ومدى قوتها وكيف أن حقوقها كانت مهدورة من قبل الأقلية الحاكمة في فترة سيطرة التوتسي، تحول الوضع وأصبح السيطرة للهوتو بعد تولي الرئيس نكورونزيزا الحكم في بوروندي، إلا أن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتردية أصبحت غير مقتصرة على الهوتو فقط بل تشارك فيها شعب الدولة من العرقيات المختلفة وكذلك الأمر بالنسبة لدولة رواندا، وإن تتميز بالوضع المستقر والتنمية الاقتصادية مقارنة بجارتها بوروندي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قائمة المراجع

1- BOOKS :
-lemarshand  rene , Burundi ethnic conflict and genocide (Cambridge: Cambridge university press, 2004).

2-stratigic reports :

- legume colin (ed), Africa contemporary record  (new yourk and gondon : Africa publishing company , vol 17 , 1984-1985) .
- Africa contemporary record (vol 19 , 1986-1987) .
 -Africa contemporary record (vol 27, 2000) .

-    موقع  Pan Africa Press
http://panafricapress.com/510?lang=ar
-    موقع ستار تايمز
http://www.startimes.com/?t=32764233
-    مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط
http://www.beirutme.com/?p=19774
-    موسوعة ويكيبيديا
-    http://www>wtgon line > com /country/rw/gen >html

تقرير اقتصادي :التجارة الدولية والنمو الاقتصادي

ترجمة : دكتورة /  سلوى حجازى
دكتوراه الاحصاء قسم الاحصاء التطبيقى و الاقتصاد القياسى و باحثة اقتصاد جامعة القاهرة

 

العنوان الأصلى :
International Trade and Economic Growth: an Empirical Analysis of West Africa
المؤلف  : Abubakar Okuwa Abdullahi, Shuaibu Sidi Safiyanu, Tsalla Soja     
الناشر :  Journal of Economics and Finance (IOSR-JEF)
العدد و سنة النشر: Vol 7, Issue 2 , (Mar. - Apr. 2016), PP 12-15 

 

رابط التقرير :http://www.iosrjournals.org/iosr-jef/papers/Vol7-Issue2/Version-1/B07211215.pdf

 

--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 

ملخص:
 قامت عدة دراسات بمناقشة آثار التجارة الدولية على النمو الاقتصادي و كان لها نتائج متفاوتة و لكن فى هذه الدراسة تناقش تحليل العلاقة بين التجارة الدولية والنمو الاقتصادي في دول غرب أفريقيا خلال الفترة 1991-2011 وذلك بالاعتماد على البيانات الاطارية لعدد ستة عشر دولة من سبعة عشر دولة فى منطقة غرب افريقيا وقد توصلت الدراسة إلى أن الارتفاع بنسبة 1% فى الصادرات يؤدي إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.11%
ومن ناحية أخرى فقد اظهرت نتائج الدراسة أن الواردات لها تأثير إيجابياً على نمو الناتج المحلي الإجمالي. ولكن هذا التأثير ضئيل
كما اظهرت النتائج أن سعر صرف العملة الأجنبية له تأثير سلبي على نمو الناتج المحلي الإجمالي ولذلك فقد خلصت الدراسة إلى أن تأثير الصادرات على النمو الاقتصادي في دول منطقة غرب افريقيا تأثيراً إيجابياً و أوصت بأنه من الضرورى أن تسعى دول غرب أفريقيا إلى تشجيع المشروعات المحلية بغرض زيادة الصادرات الأفريقية وإحلالها محل الواردات.
خلفية الدراسة :
تعرف التجارة الدولية بأنها التجارة التى تمكن الدول من بيع ما لديها من السلع المنتجة محلياً إلى دول أخرى وهذا طبقاً لما أشار اليه (Abdullahi, Sokoto & Safiyanu) فى دراسة لهما قدمت عام 2013 لذلك فان التجارة الدولية يمكن ان تعرف بأنها شراء وبيع السلع والخدمات بين الدول بعضها البعض.
يعرف النمو الاقتصادي بأنه زيادة حقيقية في دخل رأس المال أو ما يسمى بالدخل الرأسمالى الذي يمكن أن يستمر على مدى فترة طويلة من الزمن، وهذا ما عرفه ((Clunnies فى دراسة قدمها عام 2009.
من المثير للاهتمام أن دول منطقة غرب أفريقيا هي من دول الاقتصاد الحر مع وجود نسبة كبيرة من الناتج الإجمالي التي تحددها المعاملات الدولية، كما أن التجارة الدولية تساهم فى زيادة سرعة النمو الاقتصادي من خلال عائدات النقد الأجنبي وتحفيز السوق وذلك وفقاً لما اورده (Adewuyi) فى دراسته التى اجراها عام 2002.
ومع ذلك، فإن الربط التجريبي بين التجارة الدولية والنمو الاقتصادي لا يزال غير واضح على الرغم من وجود العديد من الدراسات التي أجريت في منطقة غرب افريقيا و اسفرت عن ظهور نتائج متفاوتة وهذا طبقاً لعدد من الدراسات السابقة التى قام بها العديد من الباحثين مثل (Balassa, 1978; Bairam, 1988; Medina,2001; Usman, 2011).وغيرهم
وبالتالي، فإن الأسئلة ذات الصلة التي يتم التعامل معها أو معالجتها للتجارة الدولية هى :
    ما هو تأثير التجارة الدولية على النمو الاقتصادي في دول منطقة غرب أفريقيا؟
    ما هو تأثير كل عنصر من عناصر التجارة الدولية بمفرده على النمو الاقتصادي في دول المنطقة؟
وفقاً لماسبق ذكره فان هذه الدراسة تسعى إلى البحث فى تأثير التجارة الدولية على النمو الاقتصادي متمثلاً في ستة عشر دولة أفريقية من دول غرب افريقيا من بين سبعة عشر دولة فى المنطقة وذلك باستخدام بيانات اطارية خلال الفترة من 1991 -2011 وتحليلها احصائياً بالاضافة إلى تقديم توصيات بشأن السياسات المناسبة بناءً على نتائج الدراسة.
وسوف نقوم بعرض الأدبيات التى تعتمد عليها الدراسة من خلال عناصر رئيسية هى المفاهيم الأساسية و الاطار النظرى للدراسة واخيراً الأدلة التجريبية.

عرض الأدبيات
أولاً:  المفاهيم الأساسية
تعرف التجارة الدولية بأنها شراء وبيع السلع والخدمات بين الدول طبقاً لما ورد فى دراسة (Usman) فى دراسته التى قدمها عام 2011 وأن التجارة الدولية تمكن الدول من بيع ما لديهم من السلع المنتجة محلياً إلى الدول الأخرى وجاء ذلك فى دراسة ((Abdullahi وآخرون في عام 2013  في حين أن الدراسة التى قام بها (Clunnies) فى عام 2009 عرف النمو الاقتصادي بأنه هو الزيادة الحقيقية في دخل رأس المال الذي يمكن أن يستمر على مدى فترة طويلة من الزمن.
ثانياً:  الإطار النظري
الإطار النظري للدراسة و يعتبر بمثابة دليل لهذه الدراسة و هو نظرية النمو الداخلية، وفقاً لما جاء به (Romer) فى دراسته عام 1990 حيث أكد أنه بالإضافة إلى التبادل التجارى المباشر للسلع و الخدمات فان التجارة الدولية لها آثار غير مباشرة على النمو الاقتصادى من خلال نقل المعرفة فى مراحل الانتاج الى جانب المنتج فى التبادل التجارى ودعت هذه النظرية إلى استخدام المتغيرات الداخلية لتحفيز النمو الاقتصادى ضمن النظام الذي يشكل خروجاً كبيراً عن استخدام المتغير الخارجي وذلك في نظرية النمو الكلاسيكية الجديدة ، كما اكد على أن الدور المحوري للنمو الاقتصادى في نموذج النمو الداخلي هو التعليم و التدريب المهني وتطوير التكنولوجيا الجديدة للسوق العالمية. فمثلاً
إذا بلغت أنشطة البحث والتطوير قدر من النمو، فان تقدم التجارة الدولية سيكون منبراً للنهوض في المعرفة التكنولوجية للشركاء التجاريين، وعلاوة على ذلك، فان التجارة الدولية تسمح للمنتجات بالوصول إلى أسواق أكبر بالاضافة إلى انها تشجع التطوير في مجال الأبحاث و التنمية وذلك طبقاً لما قدمته دراسة اجراها (Abdullahi) وآخرون فى عام 2013 وجاءت النتائج بأن عيوب هذا النموذج هو أن النمو في نصيب الفرد من الناتج المحلى الاجمالى يميل نحو الصفر كحالة ثابتة
ثالثاً : الأدلة التجريبية
وفى دراسة اجراها(Balassa)  عام 1978 حيث اهتم فيها بدراسة إحدى عشرة دولة من الدول التي لديها قاعدة صناعية راسخة و توصلت نتائج الدراسة إلى وجود علاقة إيجابية بين الصادرات وبين النمو الاقتصادى وفي نفس السياق جاءت دراسة (Bairam) فى عام 1988 حيث قدم فيها فحص نموذج لدراسة عينة كبيرة من الدول المتقدمة و توصلت الدراسة إلى أن أداء النمو الاقتصادى في دولة ما يتم تعريفه من قيمة مرونة الدخل لكل من الصادرات والواردات، وفى عام 1972 قدم (Massel) دراسته التى تهدف إلى التحقيق في نمط النمو الاقتصادي في عدد من الدول النامية المختارة باستخدام أساليب الانحدار و توصلت الدراسة إلى عدة نتائج من اهمها ملاحظة وجود درجة عالية من الارتباط بين الصادرات والنمو الاقتصادى و قد اشارت النتائج إلى أن الدول ينبغي عليها استهداف التوسع في أنشطة التصدير بنسبة 2.5٪ وذلك من أجل الحصول على زيادة مقدارها 1٪ في الأداء
بينما قدم (Michaely) عام 1977 دراسة تضمنت التحقيق في درجة ارتباط بين معدل نمو الصادرات والناتج القومي الإجمالي و توصلت الدراسة إلى عدة نتائج حيث تبين وجود علاقة ارتباط قوية بين معدلات نمو الصادرات و بين الناتج القومي الإجمالي للاقتصاد بشكل خاص مع الدول ذات التجارب الناجحة فى النمو الاقتصادى.
 وفى عام 1990  قدم (Perraton) دراسة تهدف إلى تقدير نموذج لعدد من الدول مكون من تسعة وخمسين دولة من الدول النامية خلال الفترة 1970-1984 حيث وجد أن هذا النموذج يوفر درجة مناسبة من المعنوية بالنسبة لدول العينة
بالاضافة إلى ما سبق فهناك دراسة اجراها كل من الباحثين (concord & Bairam) فى عام 1988 حيث توصلت الدراسة إلى أن أداء النمو الاقتصادى في الدول يعتمد على مرونة الدخل لكل من الصادرات و الواردات.
ثم فى عام 2004 قدم (Wah) دراستة حيث تناول فيها تقديم تقرير عن الاقتصاد الماليزى على مدى العقود الأربعة الماضية خلال الفترة 1961-2000 حيث نما الاقتصاد الماليزي بمعدل متوسط 6.8٪ سنوياً، كما اكدت الدراسة على أن النمو الاقتصادى السريع قد حدث جزئياً وذلك بسبب النجاح في سياسة التصنيع الموجهه لتنمية الصادرات.
 فى عام 1998 قام (Edwards) بدراسة اوضح فيها ضرورة أخذ جميع العوامل الأخرى فى الاعتبار بما في ذلك تراكم رأس المال و نمو القوى العاملة فضلاً عن الاختلافات في مستوى التكنولوجيا كما أوضح أن الدول التى لديها درجات مرتفعة من القيود فانها تميل في المتوسط إلى النمو بوتيرة منخفضة اكثر من الدول التى تكون فيها درجات الحماية أعلى بمعنى كلما ذادت القيود تنخفض وتيرة النمو الاقتصادى.
وفي دراسة ذات صلة قام بها كل من الباحثين (Sachs& Warner) عام 1997 حيث تم تقديم نموذجاً للدول الأفريقية مع تقدير معاملات هذا النموذج و اوضحت الدراسة فى تقرير ذكر فيه أن القيود المفروضة على التجارة الدولية كان لها أثراً سلبياً على النمو الاقتصادى، وتوصلت الدراسة إلى أن عدم الانفتاح الاقتصادى كان المسئول عن أداء النمو الاقتصادي المحبط في دول أفريقيا جنوب الصحراء.
فى عام 1997 قدم (Krueger) دراسة مستخدماً فيها عينة مكونة من عشرة دول افريقية فى الفترة (1954-1974) مع استخدام معادلة الانحدار غير خطية لكل دولة من الدول المختارة حيث توصلت الدراسة إلى وجود ارتباط قوى بين كل من الصادرات والناتج القومي الإجمالي و امتداداً لهذه الدراسة جاءت دراسة أخرى قام بها كل من (Frankel & Romer) عام 1999 لتشمل دراسة 150 دولة في عام 1985 وتوصلت إلى أن الزيادة في مستوى دخل التجارة الدولية ناتج عن طريق تحفيز تراكم رأس المال المادي والبشري و زيادة نسبة رأس المال والانتاج، وهناك عدد كبير من الدراسات ومنها دراسة قدمها (Harrison) فى عام 1996 حيث قام باستخدام الحصص التجارية في الناتج المحلي الإجمالي وتبين من الدراسة وجود علاقة إيجابية قوية مع النمو الاقتصادى
أظهرت معظم الدراسات السابقة وجود أثار ايجابية للصادرات والنمو الاقتصادى ومن بين هذه الدراسات مما قدمه (Medina) فى عام 2001 حيث اثبت بالأدلة الواضحة صحة هذه العلاقة و التي كانت تستخدم لدعم فرضية أن الصادرات أدت إلى النمو الاقتصادى و كان ذلك واضح بدراسة بيانات القطاع المستعرض حيث أن الأدلة الأخيرة الناتجة عن تحليل السلاسل الزمنية كان يشوبها عدم التأكد حول الآثار الإيجابية للصادرات على النمو الاقتصادى فى المدى البعيد
بينما اكدت الدراسة التى قام بها(Oviemuno)  عام 2007 أن التجارة الدولية تعتبر محفز للنمو الاقتصادى في الدول النامية مستخدماً فى هذه الدراسة بيانات دولة نيجيريا فى الفترة (1960-2003) كدراسة حالة لاحدى دول منطقة افريقيا جنوب الصحراء وقد تم استخدام بيانات الصادرات و الواردات والتضخم بالاضافة إلى سعر الصرف وقد توصلت الدراسة إلى أن قيمة صادرات نيجيريا ومعدل التضخم لا تعمل كمحفز للنمو الاقتصادى في نيجيريا خلال فترة الدراسة.
و بالاضافة إلى ذلك فقد قام (Usman) بدراسة اجراها عام 2011 حيث تم استخدام طريقة المربعات الصغرى العادية لتقييم أداء التجارة الخارجية والنمو الاقتصادي في دولة نيجيريا، وتوصل إلى أن كل من الصادرات و الواردات وسعر الصرف لهم تأثيراً سلبياً على الناتج الحقيقي.
المنهجية المستخدمة
أولاً : طريقة تحليل البيانات
في تحليل مجموعة البيانات الاطارية المستخدمة والتى تم الحصول عليها من بيانات البنك الدولي وبيانات البنك الافريقي للتنمية خلال الفترة 2010-2011 و باستخدام البرنامج الاحصائيSTATA   الاصدار 10.0 وهو احد البرمجيات المستخدمة فى الاقتصاد القياسي، وفقاً لذلك ونتيجة استخدم اختبار (Housman) باعتباره أساس لاختيار النموذج المناسب فيمكن استخدام نموذج الآثار الثابتة أو استخدام نموذج التأثير العشوائي الذى تم تقديمه عام 2007 من الباحثين (Gujarati  & Sajeetha,). حيث تم رفض الفرض العدمى، واسفرت نتائج التحليل عن وجود علاقة ارتباط و بالتالي فان نموذج البيانات الاطارية ذات الآثار الثابتة يعتبر من أكثر الطرق المناسبة لتنفيذ تحليل العلاقة بين التجارة الدولية والنمو الاقتصادي والعكس صحيح.
ثانياً توصيف النموذج
 في تحليل العلاقة بين التجارة الدولية والنمو الاقتصادي فإنه يتم تحديد نموذج رياضي للانحدار المتعدد و هذا النموذج يأخذ الشكل التالى.
 GDP = βo + β1exp + β2imp + β3exr + μ
حيث ان
GDP يمثل الناتج المحلى الاجمالى الذى يعبر عن النمو الاقتصادى
exp يمثل الصادرات،                 imp يمثل الواردات،         exr يمثل سعر الصرف،
μ يمثل عنصر الخطأ العشوائي،        βo   يمثل ثابت الانحدار،    β1 يمثل معامل الصادرات،
β2 يمثل معامل الواردات،        β3  يمثل معامل سعر الصرف
حيث يوضح النموذج السابق ان الناتج المحلى الاجمالى وهو ما يعبر عن النمو الاقتصادى دالة فى كل من الصادرات و الواردات و سعر الصرف
GDP =f(exp,imp,exr)
ثالثاً : تقدير النموذج وتفسير النتائج
النموذج المناسب للتقدير هو نموذج الأثر العشوائي الذي يتبع قبول الفرض العدمى و رفض الفرض البديل وجاءت نتائج النموذج المقدر على النحو التالي
توصلت الدراسة إلى أن الزيادة فى الصادرات بمقدار 1% سوف يؤدي إلى زيادة في نمو الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 5.11% وهذا يعني أن الصادرات تؤدي إلى نمو الاقتصاد في دول منطقة غرب أفريقيا ومن ناحية أخرى فان الواردات كان لها تأثير إيجابى على النمو ولكن من الناحية الإحصائية فان تأثيرها على نمو الناتج المحلي الإجمالي جاء ضئيل بينما كان لسعر الصرف تأثير سلبي ولكن ذات دلالة إحصائية في نمو الناتج المحلي الإجمالي عند مستوى معنوية قدره 10% كما اظهرت النتائج أن إحصاء F هي ذات دلالة إحصائية، و قد استخدم الباحث مستويات مختلفة للتحقق من صحة النتائج حيث استخدم التحليل الاحصائى عند مستوى معنوية 1% ، 5% ، 10%
رابعاً : مناقشة النتائج
توصلت الدراسة إلى أن الصادرات لها تأثير إيجابي على نمو الناتج المحلي الإجمالي في دول منطقة غرب أفريقيا وقد جاءت النتائج متفقة مع توقع مسبق فى العديد من الدراسات مثل الدراسات التى قدمها كل من (Balassa) عام 1978،(Massel) عام 1972 ،(Michaely) عام 1977 بالاضافة إلى (Wah) عام 2004 واخيراً ما قدمه (Krueger) عام 1997 وقد توصلت نتائج الدراسات السابقة إلى أن الأثر الإيجابي والمعنوية الإحصائية لأثر الصادرات على النمو الاقتصادي فى الدولة ليس له صلة بنجاح الصادرات الموجهة لسياسة التصنيع.
من ناحية أخرى فان نتائج هذه الدراسة فيما يتعلق بالصادرات لا يتفق مع النتيجة التى جاءت بها بعض الدراسات السابقة مثل دراسة (Medina) فى عام 2001 والدراسة الأخرى التى قام بها (Oviemuno) عام 2007 ويليها دراسة(Usman)  اتى قدمت عام 2011 حيث توصلت هذه الدراسة إلى أن الصادرات لا تعمل كمحرك للنمو الاقتصادى فى هذه الدول، كما تبين أيضاً أن الواردات لا تحفز نمو الناتج المحلي الإجمالي في دول منطقة غرب أفريقيا.
وأخيراً النقد الأجنبي حيث اسفرت نتائج الدراسة عن أن سعر صرف العملة الأجنبية له تأثيراً سلبياً على نمو الناتج المحلي الإجمالي ولكن هذا التأثير ذات معنوية إحصائية عند مستوى 10٪  و ذلك في دول منطقة غرب أفريقيا.
خامساً : النتائج و التوصيات
وبناء على نتائج هذه الدراسة، فإن الدراسة توصلت إلى أن التجارة الدولية لديها تأثير إيجابي على النمو الاقتصادي في دول غرب أفريقيا، على وجه التحديد وان الصادرات هى العامل الوحيد الذي له تأثير إيجابى كبير بالنسبة للواردات وأسعار الصرف وهذا يدعم فرضية ان الصادرات تؤدى إلى النمو ااقتصادى.  
ولذلك ينبغي على دول غرب أفريقيا أن تسعى لترويج الصادرات وإحلالها محل الواردات مع تحرى الصدق فى هذا الغرض، أيضاً نظام تحرير سعر الصرف غير المنظم يجب أن يخضع للحماية مع وضعه في نصابه الذى من شأنه تحسين قيمة العملة المحلية مقارنة بالعملات الأخرى.

الديانات الأفريقية وتأثيرها على الحياة الاجتماعية للأفارقة

        جاء القرن العشرون بأفكار وحقائق جديدة ومغايرة عن الحياة الاجتماعية للأفارقة؛ فقد كان قبل ذلك ونتيجة لتأثير كتابات الرحالة والمستشرقين؛ توصف شعوبها وصفاً سطحياً؛ حيث دمغتهم بالهمجية؛ وهي سمة تتعارض مع الديانات التقليدية الأفريقية التي توحد بين الطبيعة والانسان، وتعتبره جزءً لا يتجزأ منها، وأنه يستمد وجوده من قواها؛ وذلك التعاطف بين الانسان الأفريقي وبيئته الطبيعية.
        وقد تنبه الكثير من الباحثين في الشئون الأفريقية إلى كون الدين هو العنصر الفعال في الحياة الاجتماعية الأفريقية، ويشكل جزءً لا يتجزأ من المجتمع الأفريقي؛ لذا كان محور إرتكازهم في الكثير من أبحاثهم. وقد سبقتنا أوروبا إلى الدراسات الأفريقية؛ ووضعت بناءً على ذلك تصوراً لسياستها.

الدين وعلاقته بالسياسة:
       دعا بعض المثقفين الأفارقة إلى النظر للتاريخ الأفريقي كإطار ملائم يتم من خلاله دمج القيم الأفريقية والمؤسسات في تركيبة مع الأسس الاقتصادية المتضمنة في نظريات التنمية المعاصرة. ويرى البعض أن دراسة التاريخ والثقافة الأفريقية يمكن أن تشكل دليلاً لمستقبل التنمية الأفريقية. وأن الأديان الأفريقية تشكل تضاريس ضخمة تتداخل مع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أفريقيا جنوب الصحراء. ووفقا ل " موريس دلافوس" مؤلف كتاب حضارات الزنوج في أفريقيا؛ فإنه لايوجد نظام سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي للقبائل في أفريقيا لا يستند على فكرة دينية؛ كون الدين هو حجر الزاوية فى ذلك النظام. وعلى خلاف الدول المتقدمة التى إستطاعت فيها قوى الحداثة فصل الدين عن النواحي السياسية الاجتماعية socio-political؛ ظل الدين كعنصر محوري فى الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في أفريقيا.
 
        ومن الصعب تعريف الدين في سياق الحياة التقليدية الأفريقية؛ حيث تتعدد الديانات التقليدية الأفريقية بشكل يصعب حصرها وتبويبها؛ إلا أنه يمكن رصد الكثير من العناصر المشتركة بينها؛ حيث أنها تلتقي كلها على أساس واحد هو عمق الاحساس بالروابط الوثيقة التي تربط المجتمع بالبيئة الطبيعية التى يعيش فيها. والطبيعة ليست مادة ولا روحاً؛ بل هي قوى حيوية هائلة. وأن التماسك الاجتماعى ومراعاة النظام والاشتراك في الحياة العامة، والطقوس الدينية، والمساواة المادية إلى حد ما كلها فروض مكفولة بسلطان القوى الحيوية. وأن أقسى مايصيب الفرد أن يطرد من الهيئة الاجتماعية للقبيلة؛ لأن قوته الحيوية مرتبطة بتلك القوة الحيوية من ناحية وبقوة باقي الجماعة من ناحية أخرى.
        وعند قبائل البانتو؛ التي تعد من أهم وأكبر الجماعات البشرية فى أفريقيا؛ فإن الشعائر والعبادات ماهي إلا وسائل تهدف إلى غاية واحدة هي تزويد الحياة البشرية بمدد من القوة الحيوية وضمان بقائها وكينونتها لأبعد مدى. وإرتباط السعادة والتعاسة بتلك القوة؛ ففي فقدانها التعاسة؛ فالإعياء والفشل فى العمل هي أعراض تدل على نقص هذه القوة.
          وقد أدركت الديانات التقليدية الأفريقية الكون على أنه وحدة واحدة لا تتجزأ؛ أساسها الأخوة الشاملة. ولا يوجد تمييز بين الطبيعة وماوراء الطبيعة، ولا بين المادة والروح.
وترى جميع المجتمعات الأفريقية أن الحياة هي المكون الكبير وأن الدين يتخلل جميع جوانبها، ووفقاً لهذا التفكير فإنه يوحد الأجزاء. وممارسة الشعائر الدينية والحياة اليومية، يسيران جنباً إلى جنب. وعلى هذا النحو فإنه من خلال الرؤية الأفريقية فإن الدين يتخلل الحياة السياسية والاقتصادية الأفريقية.
 وفى العديد من المجتمعات الأفريقية فإن من لاينتمون لأي شكل من أشكال الدين أقل من .01 %  من السكان. وبالتالى كان التساؤل المطروح من بعض الباحثين هو كيف يمكن الدفع من خلال ذلك بالمجتمعات الأفريقية نحو التخلص من الفقر والفساد.


الإسلام والمسيحية وتأثير الديانات التقليدية:
      بالرغم من اشتقاق الوعي الديني فى البداية من ممارسة الشعائر الدينية التقليدية؛ فأن المسيحية والإسلام أعطت مزيداً من الزخم لهذا الوعي. وقد تأثرت كل من المسيحية والاسلام في أفريقيا بالديانات التقليدية. حيث يشير عالم الاجتماع السياسي د/حمدي عبد الرحمن إلى مصطلح الإسلام الأفريقي الذي يعني المعتقدات والممارسات التي طورها المسلمون الأفارقة على مدى السنين، والتي تعبر عن واقعهم الأفريقي؛ ففي الطريقة المريدية في السنغال وهي إحدى الطرق الصوفية؛ وصفت بأنها تعاليم إسلامية بعقلية قبيلة الولوف.  
ولأن الأفريقي جماعيا بنشأته، ومعتزا بإنتسابه لجماعته الدينية القديمة؛ فقد وجد في جماعات الطرق الصوفية وأتباعها الكثيرون خير بديلاً لجماعته الدينية القديمة.
 
     وقد كان للديانات والثقافات التقليدية لفترة طويلة تأثير مهم في العلاقات بين المسيحيين والمسلمين في أفريقيا. فقد وفرت تلك الهياكل الأسرية التقليدية مع روابطها العائلية والمجتمعية القوية الأساس الملائم لتقبل المختلفين فى الديانات.

المجتمع المدني والرابط الديني:
 
          هذه البنية الاجتماعية الجماعية، والهيئة الاجتماعية القوية المتماسكة التي تقوم على أساس دقيق والتي تميز المجتمع الأفريقي؛ يعتبرها بعض الباحثين؛ صورة من صور وأنماط المجتمع المدني. فعلى سبيل المثال يستطيع الغرباء أن يتوقفوا لعدة أيام ويقوموا بحصد المحاصيل الزراعية؛ وذلك لغرض سد الجوع، وكذلك قطع شجرة أو أوراقها يمكن أن يتاح للغرباء والمحتاجين، حيث يقوم مالك الأرض بوضعها في موضع معين يقصده المحتاج.  كما يعد مفهوم التراكم المادي لتحقيق مكاسب شخصية دخيل على المجتمعات التقليدية الأفريقية. وأن تكون ثرياً؛ يعني أن تكون محاطاً بالناس والمجتمع، وأن تكون سليماً من الناحية الأخلاقية وفي تناغم مع الخالق وجذورك والمجتمع. وعلى سبيل المثال فإنه في Olulumo  (من الجماعات الموجودة فى نيجيريا)؛ يطلق على الشخص الغني  efang-ane وهي تعني حرفيا " ثريا بالناس ووجود العديد من الناس بجانبه". أيضاً فإن مفهوم الشرف والعار في المجتمعات الأفريقية له فائدة؛ كونه يمنع من السرقة لكي يحتفظ الفرد بالهيبة. حيث توصم السارق وأسرته بالعار من جراء هذا السلوك.
  وهناك من يرى من النقاد بأن أنماط السلوك الإجتماعي الافريقي هي المسؤولة عن الضعف المادي للمجتمعات الأفريقية. ومع ذلك فإن النهج المتضمن داخل ما يعرف بإقترابات (نظريات) التنمية البديلة تحث الجنس البشري على العودة للحياة الاجتماعية البسيطة كحلول لمجابهة التحديات البيئية الاقتصادية العالمية.
  وعلى الرغم من تآكل الممارسات التقليدية من جراء العولمة والحداثة؛ إلا أن الديانات الأفريقية التقليدية والإسلام والمسيحية؛ مازالت لها إسهامات حيوية في تقدم المجتمعات الأفريقية.
 فالدين يشكل إطاراً مرجعياً، واختبار انتقادي لنظم القيم الموجودة فى المجتمع. كما أن القيم الدينية كان لها دور فى القانون المحلي والدولي، وفي الكثير من المفاهيم والقيم الديمقراطية. وتشمل هذه القيم قدسية الحياة الإنسانية والمساواة وكرامة الإنسان.
والتأثير غير المباشر للثقافة الدينية على الثقافة الاقتصادية والسياسية من خلال انتقال القيم الدينية لهذه المجالات؛ يمكن أن ينفع المؤسسات الاقتصادية والسياسية فى أفريقيا. ففي الديانة الأفريقية التقليدية يتحقق تعزيز القيم فى المجتمع من خلال إنغماس الفرد فى أنشطة المجتمع بمشاركته لجماعته؛ الذي يعد من القيم الروحية الأصيلة. هذه القيم أيضاً لها دور في بث روح التفاؤل في ظل الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتردية في المجتمعات الأفريقية.

الدين رأس المال الاجتماعي في أفريقيا:
 
       ويعتبر الدين في أفريقيا هو مصدر رئيسي لرأس المال الاجتماعي، ورأس المال الثقافي والديني والروحي. كما ان مفهوم رأس المال الروحي والديني هو مماثل للمفهوم الأشمل لرأس المال الاجتماعي؛ لإن هذه الموارد مبنية على أساس الذي يمكن الأفراد والجماعات الدينية للوصول لسعادتهم. كما يمكن التبرع بالموارد نفسها للمجتمع الأكبر كهبة.
         وباستخدام نموذج أفريقيو المهجر، ودور الدين كمصدر لرأس المال الاجتماعي؛ نجد أن الطوائف الدينية تساعد المهاجرين الجدد كنوع من تقوية الجذور وتمتينها؛ حيث توفر شبكة من التعاملات الاقتصادية والاجتماعية والدعم الروحي؛ لابقاء الرابط والصلة مع الدين في الموطن الأصلي ( المسيحية والدينات التقليدية).   
      على مستوى المجتمعات الافريقية فإن الدين له دور مهم في تعبئة الموارد لمعالجة مشاكل المجتمع. ويساعد في رفع مستوى الوعي حول مشاكل المجتمع بين الناس؛ كونه يخلق روابط بين الفئات الاجتماعية. حيث يرى بعض الباحثين ان مفهوم المجتمع المدني له جذور سواء على مستوى المجمتعات التقليدية الأفريقية، أو الجماعات الدينية.
        ومثال ذلك الجماعات الإثنية وشبكات القائد والأتباع client -patron التي يمكن أن تكون مكونا رئيسيا ومهما في المجتمع المدني الأفريقي. فبالرغم من كونها لا تقوم على المعايير الديموقراطية بمفهومها الغربي، لكنها تتمتع بقدر من الاستقلالية عن الدولة. و يمكنها تعبئة كثير من أتباعها ومريديها لتحقيق غايات سياسية معينة. كما تعد الطرق الصوفية في السنغال مثالا واضحا لتلك الجماعات التى تستطيع التعبئة في إتجاه معين حيث تعتمد الدولة على هذه الطرق من أجل الحصول على التأييد السياسي.
       وفي كثير من المناطق الأفريقية تطرح الجمعيات الإثنية نموذجا آخر للتطبيق الأفريقي للمجتمع المدني؛ بما تتسم به من طابع جماعي وتمتعها بقدر من الاستقلال عن الدولة. فهي تسعى غالبا إلى تحقيق مصالح جماعية ومن ذلك إنشاء وتمويل مشروعات تنموية محلية مثل المدارس والمراكز الصحية، بالإضافة إلى التعبير عن مصالح تلك الجماعة في مواجهة الدولة.
      وهناك العديد من الدراسات التى تطرقت لدور المؤسسات التقليدية الأفريقية والكنائس في مرحلة مابعد الصراعات في العديد من الدول التي شهدت صراعات مريرة، في الإسهام في عمليات المصالحة والعدالة الانتقالية والتحولات السياسية والاجتماعية في تلك المجتمعات.
      ولكن تبقى للعولمة تداعياتها على الثقافة الأفريقية التقليدية؛ شأنها في ذلك شأن العديد من النواحي الاقتصادية والسياسية؛ فمما لاشك فيه وجود تغيرات فى البنية الأفريقية الاجتماعية ذات الصبغة الجماعية بتلك المتغيرات العالمية وأخذها ذلك المنحى الفردي الذي تتسم به الثقافة الاستهلاكية الوافدة من الغرب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
1-Obaji M Agbiji & Ignatius Swart, Religion and Social Transformation in Africa: A critical and Appreciative Perspective (South Africa:  scriptura. ournals.ac.za VOL 115 (2016).
2-The Impact of African Traditional Religious Beliefs and Cultural Values on Christian- Muslim Relations in Ghana from 1920 through the Present: A Case Study of Nkusukum-Ekumfi-Enyan area of the Central Region. Submitted by Francis Acquah to the University of Exeter as a thesis for the degree of Doctor of Philosophy in Theology in December 2011
3-Alphonse Kasongo," Impact of Globalization on Traditional African Religion and Cultural Conflict (Michigan State University:  Journal of Alternative Perspectives in the Social Sciences (2010) Vol. 2, No 1).
4-Ngozi N. Iheanacho, Globalization Challenges and Change Factors in the Religions of Africa: The Nigerian Experience (Nigeria: Bassey Andah Journal.Vol2)
5-أحمد صادق (مترجم)؛ هوبير ديشان، الديانات فى أفريقيا السوداء (القاهرة: المركز القومى للترجمة،2011).
6-د/حمدي عبد الرحمن، المجتمع المدني ودوره فى التكامل الأفريقى (القاهرة: مركز البحوث العربية والأفريقية ،2004).

اصدارات المركز


اخر المقالات


المكتبة الصورية


المرئيات


قناة اليوتيوب


المكتبة

عنوان الكتاب المؤلف نوع الكتاب الطبعة الاصدار الناشر دار النشر
الإشكاليات التنموية للمؤسسات الصغرى في تونس سعد الحفظاوي الاقتصاد 1 2015-01-21 15:11:00 مجمع الأطرش مجمع الأطرش - تونس
خيانة القاهرة شيرين أبو النجا ادب 1 2009-01-21 15:09:00 مكتبة مدبولي مكتبة مدبولي - مصر
جغرافية القارة الافريقية وجزرها مجموعة مؤلفين جغرافية 1 2000-01-21 15:08:00 دار الجماهرية للنشر دار الجماهرية للنشر - مصر
التسوية السلمية لنزاعات الحدود في افريقيا د. نادية عبدالفتاح عشماوي سياسة 1 2015-01-21 15:07:00 المكتب العربي للمعارف المكتب العربي للمعارف - مصر
الأحوال العامة لجبل نفوسة في المغرب الأدنى د. حارث كريم جياد الفاعوري تاريخ 1 2020-01-21 15:04:00 دار امجد دار امجد - العراق

المواقع التابعة